ماذا يقرأ العراقيون.. اليوم؟
عبد الجبار العتابي من بغداد: اتصل بي منتصف الليل وراح يسألني: (من هو صاحب قصيدة انشودة المطر؟) اجبته بعفوية: السياب، لكنه رد علي قائلا: من أية دولة هو؟ لم أستطع الاجابة، أخذتني ارتجافة صادمة، سمعت ضحكته ترن ثم قال: (مصري..مو)، لم أتمالك نفسي بالرد عليه، وبين (ألو..ألو) التي جاءتني منه انتبهت وابتسمت ببؤس ووجدتني اقفل الهاتف لا اراديا!!، ومن ثم أتأمل، عطفت على حال السياب وعلى غيره
من اصحاب الكلمة من غير المشاهير، وفجأة ضربني سؤال: ماذا يقرأ شبابنا الآن؟ واذا كان جاري الشاب لا يعرف من هو السياب فكيف له أن يعرف أصحاب المعلقات والمفكرين والأدباء على مر الأزمنة؟ رفعت رأسي الى مكتبتي وحزنت ان أي احد لم يستعر منها كتابا كما كان قبل سنوات، وتذكرت ان احد الاصدقاء سألني ذات مرة حين شاهدها: هل صحيح انك قرأت كل هذه الكتب، أجبته بنعم فيما هو كان يهز رأسه سخرية!!.
قلت: سأستطلع في حدود المنطقة التي انا اسكنها الذين يقرأون والذين لا يقرأون، واحاول ان ابحث عن قراءات الذين يقرأون، استعنت بصديق من القارئين، وهالنا الامر اذ ان نسبة الذين لا يقرأون تتجاوز حدود المعقول، عبرت السبعين بالمئة، فيما كانت نسبة الذين يقرأون متفاوتة، فمنهم مما يقع بين يديه وليس اختيارا ومنهم من يجد في الجريدة ملاذه ومنهم بعض طلبة الجامعة والمتخرجين حديثا يقرأون كتب الادب والفلسفة والتاريخ ومنهم من يقرأ الكتب الدينية ولا يشرك معها شيئا، قلت لصاحبي ماذا تقول في ما عملناه قال: انه حقيقة وان كانت العينة عشوائية، لكنه راح يسألني: كما تعتقد لماذا كان هذا؟ لم اجبه الا بقولي: لم يكن ازدهار عصر الكتاب في العراق جديدا، فالعصور السحيقة شهدت على ان اصل الكتاب من هذه الارض، والشعب السومري الذي سكن القسم الجنوبي من العراق(4000 ق م-3000 ق م) كان قد ابتكر اول شعاع لنظام الكتابة عبر العديد من المراحل التي وصلت الى المرحلة الاكثر تطورا حيث اخذ ينقش الحروف بالازميل على الحجر ومن ثم ابتكر الرقم الطينية، فالرقيم الواحد يمثل صفحة ومجموعة الرقم كتابا، ولم يكن العراقيون على اختلاف العصور بعيدين عن الكتاب لأنهم علموا (ان الكتاب اداة ابتكرها الانسان لتكون عونا لتفكيره)، ولا نبالغ اذ نقول ان الازمنة كانت مفعمة بالحب العراقي للكتاب وليس ذلك بغائب عن الاذهان بالصور العديدة المتوضحة بالحكايات والامثال والاشعار وغير ذلك، ولكن في سنواتنا التي نعيشها اختلف الحال، حدث غياب نسبي خطر، لا افترض ذلك، لكنه واقع واضحة معالمه دالة ملامحه منشورة صوره على الكثير من اجنحة العلم وافئدة الشباب وقد ظهرت الظاهرة منذ مطلع التسعينات حيث لم نر ذلك السعي الحثيث الى التلذذ بالعبارات والتمتع بالبيان والغوص في اعماق الفكر، ونظرة الى عالم القراءة تجده اشبه بالصحراوي والباحث عن القراء لا يجد بالقرب من المكتبات الا عابري سبيل تتراقص نظراتهم على العناوين والناظر المتأمل لشارع المتنبي يرى الاعداد الهادئة تتهادى في الشارع واغلبها من المتفرجين او من الباحثين عن كتب منهجية، والوجوه هي ذاتها تقريبا التي نشاهدها كل يوم جمعة في هذا الشارع، وتلك علامات رصدناها خلال الاثني عشر عاما الماضية (1991-2003)، حتى انني اتهمت بالبطر ذات مرة ان اتحدث عن الذين يقرأون والذين لا يقرأون، وان مابعد ذلك حدثت انعطافة جديدة ترعرعت فيها زهرة القراءة وتفتحت بعض اوراقها بعد ان اتسعت مساحة الحرية وغاب المخبرون السريون والعلنيون من ارصفة شوارع المكتبات، ولكن الصورة تغيرت ايضا بعد ان غزا الستلايت البيوت واصبحت شاشة التلفزيون مصدرا ترفيهيا للعديد من الشباب حصرا وكتابهم المفضل.
قال صاحبي: يا صاحبي ان الظروف التي مرت على البلد خلال الثلاثة عقود الماضية هي التي زرعت هذا البؤس، فكيف تريد لجيل محاصر بالحروب والعبث ان يستغل الفسحة ليقرأ، فأول سؤال يتبادر الى ذهنه هو لماذا يقرأ؟
لم اكن اريد ان اضع رأيي المتعجل قبل ان ادور متأملا واسأل واحصل على اجابات وكان صاحبي هذا يرافقني، بدأت رحلتي من صاحب مكتبة على قارعة الرصيف في (البياع) الذي نثر كتبه فوق مناضد خشبية مع صحف ومجلات مختلفة، تأملت ما امامي ثم وجدتني اسأل صاحبها عن احواله فقال اياد محمد علي (ابوسلوان) الذي كان شارع المتنبي مكانه السابق:( قبل نحو سنة كان هنالك بيع واقبال جيد على الكتب ليس بالطبع كما نتمنى ولكنه يغرينا بالتواصل وهذا الاقبال متمثل بطلب على الكتب التاريخية والدينية تحديدا وهنالك من يطلب كتبا عن الانساب ودواوين الشعر القديم وكذلك كتب تفسير الاحلام والكلمات المتقاطعة ورسائل الهواتف النقالة، اما القصص والروايات والشعر المعاصر فلا يكاد يذكر، ومعدل ما ابيعه هو ستة كتب منها شهريا وبالذات من المطبوعات رخيصة السعر، ومن ذلك ما يخص الروايات العالمية والتي كانت ممنوعة مثل رواية (اولاد حارتنا) لنجيب محفوظ ولا اذكر ان للكتب السياسية والفلسفية مكانا بين المطلوب!، حتى انني بعت العديد من الكتب بأقل من سعرها الحقيقي، ولكن منذ نحو شهر لم يعد الامر كذلك على الرغم من صدور عناوين جديدة وكل ذلك بسبب الوضع الامني، واضاف ابو سلوان: قبل ثلاث سنوات كان الحال افضل وازدهرت عملية شراء الكتب، لكن الان اختلف الامر، وها انذا افكر في ترك هذه المهنة التي لي معها تاريخ طويل اذا ما وجدت العمل البديل المناسب)،لكن صاحبي سأله ان كان ثأثير تفجير شارع المتنبي سلبيا ام ايجابيا على بيع الكتب؟ فقال: التأثير سلبي بالطبع فالشارع يمثل ملتقى عاما للقراء وله سحر خاص يجتذب الجميع وحتى الذي لا يقرأ تكون له رغبة او (واهس) للقراءة.
قال صاحبي: لنذهب الى شارع المتنبي، رافقته وهناك ادهشني المنظر فقد عاد العديد من الباعة الى اماكنهم وتزينت بمعروضاتهم الارصفة وان كان ثمة حزن ما زال يخيم على المكان، ومن بين حيرتي ودخان تساؤلاتي المتصاعد من المنظر المؤلم وجدتني اقف امام بائع كان يتحرك في دائرة كتبه المنتشرة على الرصيف، وقلت له مباشرة: ماذا يقرأ العراقيون الان؟ رفع رأسه بهدوء ثم ابتسم وقال (كل شيء يقرأون)، ثم اضاف (بصراحة.. ما كان ممنوعا سابقا كان الطلب عليه كثيرا بالتحديد الكتب الدينية ولكن الاهتمام قل لانتشار هذه الكتب او ربما لسبب اخر، وصحيح اننا نبيع ولكن ليس جديدا فما زلنا نتداول القديم، فما يصلنا من دور النشر العربية قليل وغالي الثمن، فمازالت السوق العربية منغلقة امامنا ولكن مؤلفينا لم يقصروا ومازالت ظاهرة (الاستنساخ) منتشرة لعدم وجود مؤسسات عراقية تطبع الكتب بشكل كبير، فدار الشؤون الثقافية معطلة حاليا والاعتماد على الذات نادر، لان المطايع الاهلية مكلفة) عدت لاسأله: ما اقل مبيعاتك؟ فاجاب: الكتب السياسية فهي لاتباع ولا تشترى!!.
وانسحبت منه برفقة صاحبي وذهبنا نتطلع للشارع وفي احد اجزائه التقينا الناقد والكاتب عبد الستار جبر، الذي كان هناك،وتجاذبت معه اطراف الحديث ومن ثم سألته لاتلقى اجابة منه على مرآى من الصور التراجيدية المتبقية للشارع فقال:( بعد تفجيرات شارع المتنبي الاخيرة، يمكن القول ان الكتاب في العراق بات مستهدفاً بشكل مباشر وبأبشع صور التدمير والحرق، ومحاولة تعطيل وظيفته المعرفية والتثقيفية، التي يمكن لها ان تسهم- لو احسن استثمارها- في اعادة بناء عراق جديد ومختلف، ينفض عن كاهله ارث الدكتاتورية المقيت، ويشرع الابواب لبناء دولة حديثة تتخذ من العلم قاعدة لبناء مؤسساتها السياسية والاقتصادية وغيرها من المجالات الاخرى، لكن شبح الدكتاتورية وحليفه من شياطين الارهاب يريدون عراقا آخر ليس للكتاب فيه من وظيفة سوى شرعنة وجودهم وتسويقه والترويج له، لا ان يدعو الى حرية التعبير والرأي والعقيدة وتبني الديمقراطية وحقوق الانسان) واضاف: (واذا كان الكتاب في العراق قد فقد اهم شارع له، كان يحتضنه ويفترش على اسفلته وارصفته، صيفا وشتاء، ليعرض على القراء ويكون بمتناول ايديهم واعينهم، فانه لم يفقد الايدي التي تبحث عنه في كل مكان يوجد فيه، سواء اكان شارعا ام رصيفا ام مكتبة ام معرضا، فما زالت الرغبة في القراءة قائمة عند من ادمنوها، وعند اولئك الذين يبحثون عن الجديد، واولئك الذين يبحثون عن المتعة او الاوهام، ما زالت بعض كتب السياسة والدين والابراج والرياضة والفن تقتنى وتشترى، قد لا تكون بكثافة وغزارة، لكنها تظل تؤشر لوجود شرائح مختلفة الاهتمامات ما زالت تقرأ، تقرأ على ازيز الرصاص ودوي الانفجارات، بدلاً من انغام موسيقى هادئة، واضاف: لم يمت الكتاب بعد في العراق، لم ينقرض من الشوارع والارصفة ولم تغلق المكتبات ابوابها، اشهارا لافلاس او خوفا من التفجيرات، فمكتبات شارع السعدون ما زالت مشرعة الابواب بل امتلأت بعناوين جديدة بعد ان كانت تجتر عناوين معينة في زمن الدكتاتورية وكانت بعض مخازنها تغص بكتب ممنوعة اكلتها الارضة واصفرت اوراقها من الخوف قبل القِدم، بل ان مكتبات جديدة فتحت كمكتبة المدى، وما زلنا نسمع بين الفينة والاخرى عن معارض متنوعة للكتب تقام هنا وهناك في بغداد وبقية المحافظات، في الجامعات وبعض مراكز الدراسات ومنظمات المجتمع المدني ربما شح وقت القراءة وزاحمته ازمات الموت والخدمات، لكن الكتاب لم يفقد من يرغب في اقتنائه)..
ما قاله عبد الستار جعلني اتأمل وجه المشهد الكتابي العراقي وسط المشهد الاوسع والعام وادور حول نفسي ناظرا تقلبات الشوارع الخائفة ومستذكرا ماقاله لي طالب جامعي (أي مزاج يمكن ان نجده لنقرأ الكتب العامة ونحن كتبنا المقررة لا نقرأها؟ لقد كنت اقرأ ولكن الان ليست لدي اية رغبة)، ووجدتني اتحول الى الكاتب والاعلامي سعيد عبد الهادي واسأله حول ما يقرأه العراقيون اليوم فأجاب:( أعتقد ان ما معروض من كتب منسوخة تؤكد سير التوجه العام، فنسخ الكتاب دليل اقبال على شرائي عليه، والناظر في هذه الكتب يرى ان اغلبها مما له صلة بالشأن العراقي سواء كان سياسيا ام اجتماعيا فضلا عن كتب الليبراليين العرب، فهي رائجة جدا واعتقد ان هذا يشير الى المفارقة التي تحكم الشارع العراقي، الاحزاب الدينية تفوز والافكار الليبرالية هي الاكثر رواجا على الاقل بين الشريحة المثقفة وهي ليست قليلة في عراق اليوم)..
ومع ما كنت أسجل من اجابات حانت مني انتباهة الى باعة الكتب الذين تفترش كتبهم الارض بالقرب من مجمع كلية الاداب التابعة لجامعة بغداد في منطقة باب المعظم والذين زبائنهم كما يفترض من الطلبة الجامعيين، فقد كانت عناوين الكتب في اغلبها تختص بالابراج والحظ والطبخ والازياء و(همسات الموبايل) وسواها من كتب التسلية، وبين دهشتي اجابني البائع (الذي رفض ان اصوره او يذكر لي اسمه):( هذه هي الكتب المطلوبة حاليا وهي بالنسبة لنا (تمشي) اكثر من غيرها فالطلب (هنا) على هذه الكتب اكثر من الطلب على كتب الادب والسياسة)، لكن صاحبي سحبني من يدي قائلا: هذا ليس دليلا فهو يبيع من اجل التسلية وربما هي احدى رغبات بعض الشباب، وقد عشت هذه الاجواء فالطالب حينما يبحث عن كتب تسلية لا يعني بالضرورة انه يمنحها كل وقته او اهتمامه.









