GMT 15:00 2008 الأحد 1 يونيو GMT 17:18 2008 الأحد 1 يونيو  :آخر تحديث

مصرع مصري وإصابة رهبان في مواجهات بمصر

نبيل شرف الدين

مواجهات دامية تجدد قضية مزمنة بشأن دير قبطي
مصرع مصري وإصابة رهبان في مواجهات بمصر

كتب ـ نبيل شرف الدين: قبل أن تتوصل السلطات المصرية للجناة في قضيتي القتل بالقاهرة التي أسفرت عن مصرع أربعة أشخاص، والسطو المسلح بالإسكندرية، التي سطا فيها مجهولون على مبالغ مالية كبيرة من أحد الصاغة الأقباط، تفجرت أزمة جديدة كان مسرحها هذه المرة جنوب البلاد، إذ تعرض دير "أبو فانا" الأثري بمركز "ملوي" التابع لمحافظة المنيا بصعيد مصر لهجوم من قبل مسلحين، مما أسفر عن مصرع المواطن خليل إبراهيم محمد، وإصابة راهبين هما الأب باخوم والأب مكاري، كما أصيب خادمان في الدير، وهما : منير لبيب إبراهيم، ورأفت زكريا أيوب بإصابات خطرة.

وبينما قال محافظ المنيا أحمد ضياء الدين إن سبب الحادث خلافات حول بناء سور بمنطقة قريبة من الدير، وأن تبادلاً لإطلاق النار جرى بين بعض الأهالي المسلمين والمقيمين في الدير من الرهبان والخدام، فقد نفى الراهب مينا ذلك الأمر، وقال في اتصال هاتفي إن الرهبان لا يمكن أن يحملوا أسلحة، وأن ماحدث هو هجوم أسفر عن إصابة عدة رهبان وخادمين بالدير بأعيرة نارية، واحتراق كنيسة، وعدة قلايات .

ومضى الراهب مينا إن المهاجمين المسلحين تدخلوا لوقف العمل في سور حول منطقة توجد بها صوامع للرهبان ويقطن بها بعض الرهبان، موضحا أنه "حتى الآن لم يتم حصر الخسائر بموقع الاعتداء الذي سيطر عليه الجناة، الذين أوقفوا العمل ببناء السور" .

وتابع الراهب قائلاً إن "هذه ليست المرة الأولى التي يقع فيها الاعتداء على الدير، حيث سبق وأن قامت المجموعة نفسها بالهجوم على الدير في كانون الثاني (يناير) الماضي، وقامت بهدم مجموعة من الصوامع الخاصة بالرهبان والتي يزعمون أنها مبنية على أراضي يملكونها، بينما يؤكد الرهبان أن الدير قائم في المنطقة منذ القرن الرابع الميلادي، وأن الأراضي الصحراوية المحيطة به ليست ملكًا لأحد، وطالبوا المحافظة مرارًا بإنشاء سور حول هذه الأراضي".

تفاصيل المصادمات
وحاصرت قوات الأمن القرية وفرضت حظر التجوال عليها، وقال شهود عيان إن المعركة بدأت عندما حاول أهالي القرية وهم من المسلمين الاستيلاء بالقوة على قطعة أرض متاخمة للدير مدعين ملكيتها فتصدى لهم رهبان الدير، ثم تطور الأمر إلى حد التراشق بالأحجار وبعد ذلك تبادل الجانبان إطلاق الرصاص فنتج عن ذلك مصرع أحد الأهالي من المسلمين، وإصابة راهبين واثنين من خدام الدير .

من جانبه حمّل الراهب مكاري راعي الدير جهات الإدارة المسؤولية عن تصعيد المصادمات، قائلاً إنها تماطل في إصدار تصريح لبناء سور لحماية الدير الذي أصبح مطمع للمعتدين، وأشار إلى أن هذا لم يكن الاعتداء الأول، فقد سبق الشخص نفسه بإطلاق الطلقات النارية بمشاركة ابنه عبد الله أول الشهر الجاري، وتم إبلاغ الشرطة لكن لم يقبض عليه، مما أتاح له ممارسة بلطجتة على الرهبان العزل بهدف الاستيلاء على أراضي الدير، وطلب التدخل لحمايتهم من هذه الاعتداءات المتكررة، ومحاسبة المقصرين مؤكدين أنهم لا يطلبون سوى السلام فقط .

وتابع الراهب مكاري الذي اتصلت به (إيلاف) قائلاً إن شخصًا يدعى سمير حسين وشهرته سمير أبو لولي، سبق اعتقاله جنائيًا من قبل، هو الذي قاد المسلحين في الهجوم على قلالي الرهبان بالدير الأثري، مشيرًا إلى أن الهجوم أسفر عن هدم وتدمير عدة قلالي، فضلاً عن إصابة أربعة منهم راهبان واثنان من خدام الدير .

يذكر أن دير "أبو فانا" أحد أهم الأديرة القبطية، وله قيمة تاريخية وأثرية كبيرة، ويقع الدير على حافة الصحراء الغربية غرب بلدة "قصر هور" غرب اتليدم بملوي محافظة المنيا في صعيد مصر، وأسسه القديس "أبو فانا" الذي بدأ الرهبنة بالمنطقة في القرن الرابع الميلادي .

قصة الدير
ووفقًا لعالم الآثار الألماني هلموت بوشهاوزن، فإن اسم "أبو فانا" يعني بالقبطية في لهجة أهالي الصعيد (آفا فانا)، وبالقبطية في لهجة أهالي الدلتا (آفا فيني) وتعني النخلة، وأن اسم "فيني" كان شائعًا في منطقة هرموبوليس (الأشمونين حاليًا)، واذا كان القديس مسقط رأسه في ممفيس (جنوب القاهرة) وبالتالي فاٍنه من الوارد أن يكون قد اطلق عليه هذا الاسم نسبة لمسقط رأسه .

يرجح علماء الاثار ان يكون الدير من أوائل أديرة الصعيد، وتزامن إنشاؤه مع حركة الرهبنة الأولى وكان يعد أهم تجمع رهباني في المنطقة وكان عامراً بالرهبان الذين تزايد عددهم حتى تجاوز ألف راهب، واستمرت الرهبنة مزدهره به حتى القرن الخامس عشر الميلادي .

واستمرت الرهبنة قائمة فيه حوالى ألف سنة، لذلك أدى هذا الدير دورًا مؤثرًا في حركة الرهبنة في هذه المنطقة من مصر العليا، ومما زاد من أهمية الدير أن رهبانًا شهيرين خرجوا منه كالأنبا ابرآم الفاني (1321-1396م) الذى ترهبن بالدير وهو في العشرين من عمره، وبقي بالدير وحده ولم يغادره حتى عام 1365، كما تخرج منه اثنان من الآباء البطاركة هما البابا تاودسيوس البطرك (79) وكانت مدة رئاسته على السدة المرقسية بين عامي (1295 - 1300م) ، والبابا متاؤوس الأول البطريرك (87) المعروف باسم متى المسكين وكان قد ترهبن في دير أبو فانا وعمره أربعة عشر عاماً، وجلس على السدة المرقسية في الفترة بين عامي ( 1378 - 1408م) .

ومن المصادر التاريخية التي تحدثت عن وصف الدير ما كتبه المقريزي (المتوفي عام 1441م) في خططه وذكر انحسار الرهبنة فيه وكتب في وصف الدير: " دير أبو فانا بحري بني خالد وهو مبني من الحجر وعمارته حسنة وهو من أعمال المنيا ويقع في الحاجر تحت الجبل" .

وفي سنة 1717م وضع "الاب سيكار" وصفًا للدير لمشاهداته من الصلبان الكثيرة التي تزين جدران الكنيسة وتمكن من قراءة كتابة باللغة القبطية فيها عبارة "خشبة الحياة"، كما ورد بموقع الهيئة القبطية في كندا .

وخلال الحملة الفرنسية على مصر (1798 - 1801م) وضع علماؤها وصفًا دقيقًا للدير وذكروا فيه البئر والفرن، وأن الرمال غطت معظم الدير، ويسمى الدير باسم (دير الصليب)، وكان أول من أطلق عليه هذا الاسم هو العالم الفرنسي الشهير "ماسبيرو" الذى زاره عام 1883م ودهش من كثرة رسوم الصلبان فيه، كما أن الكنيسة نفسها على هيئة صليب .


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في