GMT 7:30 2005 الخميس 28 يوليو GMT 5:55 2005 الجمعة 29 يوليو  :آخر تحديث

ضمير العراق يُكشف للعالم

د أسامة مهدي

أسامة مهدي من لندن: في احتفال كبير حضره مسؤولون وسياسيون عراقيون وسفراء في بغداد دشنت مؤسسة الذاكرة العراقية وهي المؤسسة الفريدة من نوعها في المنطقة عرض شهادات حية لعشرات العراقيين ممن كانوا ضحايا ممارسات النظام العراقي السابق وخريجي سجونه ومعتقلاته الرهيبة بينهم من انقذتهم معجزات من بين قبور جماعية.

وزير الدفاع سعدون الدليمي والسفير الاميركي زلماي زاد
يستمعان لمصطفى الكاظمي مدير مشروع التاريخ الشفهي
وقال مصطفى الكاظمي مدير مشروع التاريخ الشفهي المصور في المؤسسة التي تاسست عام 2003 وتنفذ برامج كلفتها مائة مليون دولار في حديث مع "ايلاف" اليوم ان هذه المؤسسة تمثل ضمير العراق الجديد الذي يرفض الظلم والاستبداد ولذلك فانها تقوم بتوثيق ممارسات 35 عاما هي عمر النظام العراقي السابق ضد العراقيين من خلال ملايين الوثائق التي عثر عليها في مؤسساته السابقة وخاصة الامنية وتسجيل شهادات عراقيين من ضحاياه اضافة الى الاحتفاظ بمقتنيات الضحايا وعرض لوحات فنية تجسد هول ماتعرض له العرقيون خلال تلك السنوات.
 
واشار الى ان الجمعية الوطنية العراقية (البرلمان) قد تبنت المؤسسة بعد مجلس الحكم السابق واول مجلس للوزراء العراقي بعد نقل السيادة الى العراقيين منتصف العام الماضي برئاسة اياد علاوي واضاف ان البرلمان سيصدر قريبا قرارا بتحويل المؤسسة الى مشروع وطني مستقل. وثمن الكاظمي دعم علاوي واحمد الجلبي نائب رئيس الوزراء للمؤسسة منذ انشائها واوضح ان وزراء الخارجية والدفاع والداخلية واعضاء في الجمعية الوطنية اضافة الى السفير الاميركي خلبل زاد وممثلين عن السفارة البريطانية وشخصيات سياسية واعلامية ومختصة في حقوق الانسان حضرت حفل تدشين المؤسسة لعمليات عرض شهادات الضحايا التي سجلتها خلال العامين الماضيين من عملها.
واضاف ان اولى الشهادات قد عرضت من على شاشة فضائية "العراقية" وقال ان عرض بقية الشهادات سيستمر عاما كاملا وهي لعشرات العراقيين من خريجي سجون ومعتقلات النظام بينهم ناجون من مقابر جماعية عن الاضطهاد والتعذيب حيث سيعرضون بالوثائق والشهادات الظروف الماساوية التي عاشوها في تلك السنوات.. واشار الى ان المؤسسة سجلت مع كل واحد من الضحايا ثمان ساعات من الشهادات لكنها ستكتفي بعرض الاهم منها لتبقى التسجيلات كاملة في متحف المؤسسة الي اتخذت من ساحة الاحتفالات الكبرى في قلب العاصمة العراقية مقرا لها لتنشيء هناك متاحف واقسام ارشيف بالتعاون مع شركات عالمية تحتوي على ملايين الوثائق بهدف التذكير بجرائم النظام الذي حكم العراق على مدى 35 عاما.

وعن ابرز الشهادات التي ستقدمها المؤسسة اشار الكاظمي الى انها شهادة لمواطن عراقي شارك في انتفاضة الجنوب العراقي في اذار (مارس) عام 1991 يشرح فيها كيفية اعتقاله مع 40 شخصا اخرين بينهم اثنين من اخوته وعمه حكم عليهم النظام السابق بالاعدام فاقتيدوا جميعا الى منطقة تقع على الطريق الرابطة بين بغداد وكربلاء وهناك نفذ رجال امن ومخابرات النظام الاعدام فيهم رميا بالرصاص ثم اهالوا عليهم التراب.. لكنه فاق بعد وقت قليل برغم اصابته الخطيرة واستطاع الخروج من القبر الجماعي حيث تصادف مرور اشخاص حينه تمكنوا من نقله ومعالجته.. لكن القدر الذي ساعد على انقاذ الرجل كان له بالمرصاد بعد 14 عاما حيث قتل بعد ايام من تسجيل شهادته وتصوير جسده وعليه اثار الرصاص الذي استخرج منه.. فقد ذهب مؤخرا ضحية كمين نصبه ارهابيون مسلحون لراكبي سيارة كان احدهم في منطقة اللطيفية جنوب بغداد والتي تعرف ب"مثلث الموت". واضاف ان الشهادات التي ستقدم تحكي هول ماواجهه عراقيون كانوا اقرب الى الموت منهم الى شيء اخر وهم ينتظرون الصعودالى اعواد المشانق او تلقي رصاصات الاعدام او الموت تحت يد جلاد متخصص قد احترف مهنة التعذيب.
وحول اهداف مشروع مؤسسة الذاكرة العراقية يقول الكاظمي انها ترمي الى صناعة ثقافة اجتماعية تتبنى السلام والتسامح وقيم الديمقراطية بشكل يدخل في تركيبة الفرد العقلية بحيث تصبح مفاهيم التعايش ونبذ العنف وسياسة الانتقام جزءاً من ثقافته العامة ومرتكزاً ثابتاً في مكونه الفكري موضحا انه لذلك يعتبر هذا المشروع عملاً تأسيسياً لنهضة ثقافية "نريد ان ننشرها في الارض العراقية خاصة والشرق الاوسط عموماً بحيث تعطي نتائجها بصورة جذرية متأصلة في الوجدان العراقي وذلك من خلال تحويل القسوة التي مرت على الفرد العراقي طوال فترة حكم نظام البعث الى عامل رفض لكل أشكال القسوة وبناء إنسان يعيش هدف محوها من الحاضر والمستقبل". وقال ان المؤسسة ستؤمن للشعب العراقي وشعوب العالم مشاهد عن اعمال داخلية لمؤسسات البعث القمعية والهيمنة الاجتماعية التي سيطرت على مناحي حياة العراقيين بين 1968عامي و 2003 منذ استلامالبعث للسلطة في العراق الى رحيله عنه.
 واشار الى ان رئاسة الوزراء سبق ان وافقت في اب (اغسطس) من العام الماضي على قيام هذه المؤسسة

زيباري والجلبي وعلاوي حضروا بدء تقديم شهادات الذاكرة
بالمهمة التوثيقية الوطنية والانسانية المطلوبة من خلال جمع كافة الوثائق المتعلقة بالاساءة التي اقترفها النظام السابق بحق الوطن والمواطن عبر تسجيل الشهادات الحية من الذين عايشوا الظلم ومن خلال المحافظة على الناتج الفني العراقي في تلك الفترة سواء منه الذي يشكل مقاومة لممارسات النظام او الذي كان تكريسا لسطوته من خلال اقامة صرح وطني يجمع بين المقومات وسط العاصمة بغداد في موقع ساحة الاحتفالات الكبرى في جانب الكرخ ليشكل معلما من معالمها ومركزا مفتوحا امام جميع المواطنين على ان يكون هذا الصرح وقفا وطنيا وان يكون لمؤسسة الذاكرة العراقية دور الالتزام بالاعداد والتصميم والتنفيذ والاداء وذلك بعد ان كان مجلس الحكم المنحل قد فاتح امانة بغداد قبلها بتخصيص ساحة الاحتفالات الكبرى لمؤسسة الذاكرة العراقية لتنفيذ مشروعها الاستذكاري الذي سيكون معلما ضخما من معالم العراق الحديث.
وقال ان مؤسسة ذاكرة العراق كانت عرضت في مكتبة الكونغرس في واشنطن حوالي 11 مليون صفحة لوثائق
على مائدة غذاء عراقية- لوحة للفنان عوني سامي 1979
من حزب البعث وأجهزة الأمن التي كانت تابعة لصدام. وتتحدث حوالي 2.4 مليون صفحة جمعتها المؤسسة عن الأعمال الأسوأ التي جرت في شمال العراق بما في ذلك معاملة صدام الوحشية للأقلية الكردية في الثمانينات من القرن الماضي حيث كتب على غلاف أحد الملفات عنوان "القرى التي أبيدت" ويحتوي الملف على أسماء آلاف القرى الكردية التي دمرت وتواريخ تدميرها أثناء محاولة صدام ضرب المعارضة الكردية مبينا ان واحدة من الوثائق التي صدرت في 1998 تقول "أن طائرتنا قصفت مدينة سيوان وبلكجار بالأسلحة الكيميائية" في إشارة إلى حملة "الأنفال" التي شنها صدام على الشمال العراقي وقال أن الوثائق التي جمعتها المؤسسة لا تشكل سوى جزء صغير من الوثائق المتعلقة بوحشية نظام صدام حيث يزال معظم تلك الوثائق في أيدي التحالف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة والذي أطاح بنظام صدام.
واضاف الكاظمي ان المؤسسة تقوم كذلك بجمع تسجيلات على أشرطة الفيديو لحزب البعث وقال أن "النظام كان يجب تسجيل العديد من الأحداث والفعاليات العامة والاجتماعات الخاصة وعمليات التعذيب على أشرطة فيديو.. ونحن نجمع أشرطة مزعجة". واوضح ان المشروع الطموح وضع أرشيف ومتحف للذكرى ومجموعة من الشهادات الشفوية والمؤسسة تحرص على الاطلاع على مشاريع مشابهة في بلدان أخرى وزار ممثلون منها العام الماضي أرشيف برلين حول الشرطة السرية في ألمانيا الشرقية السابقة والذي لعب دوراً كبيراً في نشر الوعي بالطرق التي كانت يتبعها النظام القمعي السابق في ألمانيا الشرقية قبل أن يتم توحيدها مع ألمانيا الغربية في 1989.
واشار الى ان المؤسسة قامت كذلك بجمع الأعمال التي كتبها فنانون معارضن ومنفيون في فترة حكم صدام كذلك الدعاية التي كانت تقوم بها الحكومة منذ تلك الفترة، لتكون تلك الأعمال بذرة لعملية جمع الفنون بشكل دائم في الموقع الذي سيقع فيه بناء النصب في بغداد اضافة الى النشاطات الأخرى المهمة التي تقوم بها المؤسسة ومنها مشروع التاريخ الشفوي الذي يعتمد على جميع شهادات ضحايا القطاعات التي ارتكبت في عهد صدام حيث تم تسجيل أكثر من أربعين مقابلة حتى الآن تأمل المؤسسة في بثها على شاشات التلفزيون في الشرق الأوسط. 
 
يذكر ان مؤسسة الذاكرة العراقية التب بتراسها البروفيسور كنعان مكية كانت تاسست في عام 2003 كامتداد طبيعي للعمل الذي بدأه الباحث والمؤلف (كنعان مكية) في عام 1992 الذي قام بحفظ سجلات حزب البعث العربي العراقي وتحليلها من خلال إنشاءه (مشروع التوثيق والبحث العراقي TRDP) ضمن مركز الدراسات الشرق الأوسطية المرتبط بجامعة هارفارد حيث بدأ العمل مع وثائق تم العثور عليها خلال الانتفاضة التي أعقبت حرب الخليج الثانية في 1991م. وبعد تحرير العراق في 2003 انتقل مشروع التوثيق والبحث العراقي إلى بغداد حيث أصبح نواة مؤسسة عراقية جديدة هي (مؤسسة الذاكرة العراقية) التي وسعت مهمتها لتشمل توثيق كافة حقائق التجربة العراقية تحت الحكم الدكتاتوري الذي امتد ما بين 1968 إلى 2003.


في أخبار