GMT 16:00 2008 الجمعة 4 يناير GMT 16:20 2008 الجمعة 4 يناير  :آخر تحديث

برج بابل

د عبدالله إبراهيم

 1. برج بابل: المخيال والوعي الميثولوجي
   أستأثر «برج بابل» بعناية المرويات الدينية والتاريخية، وهي في جملتها مرويات سرديّة ذات طابع إخباري محض، فضلاً عن استئثاره باهتمام المدونات الأثرية، وانطباعات الرحالة، وكان ملهماً للقصاص والفنانين، الأمر الذي جعله يتعالى إلى رمز ميتافيزيقي في المخيلة، ومستقر لضروب من الوعي، لأسباب كثيرة اقتضت ذلك، ولم يول اهتمام بصحة تلك الأسباب، إنما انصرف الاهتمام إلى البرج بوصفه حقيقة تاريخية. الحفر الذي سنقوم به، ينهض أساساً على تفكيك تلك المرويات، بأنواعها وضروبها، قديماً وحديثاً، بوساطة العرض والمضاهاة والمقارنة، في ضوء حقائق التاريخ حيناً، وفي ضوء أبنية تلك المرويات بذاتها حيناً آخر، وهو في ذلك، إنما يهدف إلى استئناف النظر في كيفية تمركز الوعي الميثولوجي حول قضية ما، وشحنها بقوة ميتافيزيقية، تجعلُ منها حقيقة، بيد أنها حقيقة من حقائق المخيلة والخطاب أكثر مما هي من حقائق التاريخ، وقد أنتجه «المخيال الغربي»على وفق صورة معينة.
  ومن بين كثير من مظاهر هذا الوعي الخطير وتجلياته، تبرز قضية «برج بابل» شاهداً على ماهية ذلك الوعي. تحليل مرويات البرج واستنطاقها، سيفضي إلى نتائج تتصل بما يمكن الاصطلاح عليه هنا، بـ «تمركز الأوهام»، وعليه فإنّ ذخيرة هذا البحث، هي المرويات وما تنطوي عليه من مرام ومقاصد، أما الهدف في نهاية المطاف، فإنما يقترن بطبيعة النتائج التي سيفضي إليها تفكيك المرويات، أعني حقيقة «برج بابل» الذي، بفعل ضباب الأدلة، قبع في ذاكرة بلاد الرافدين، شاهداً على الكهوف المظلمة في وعي الإنسان القديم، وما زالت بعض أنساغ ذلك الوعي، تتصاعد في تكوين الإنسان الحديث إلى اليوم، وهو يختلق أساطيره المعاصرة، وأبراجه الحديثة، وقد غُذيّ بما يحتاجه من وسائل لكل ذلك. سنجد«المخيال الغربي» يمارس فعالية خطيرة، ويتجلى في واحدة من الصور المعبرة عن آلية عمله والمضامين التي يريد تكريسها، أكثر مما يعبر عن حقيقة موضوعية.

2. فاعلية مبدأ الاسم
   تلزم رحلة الحفر في تاريخ «برج بابل» الوقوف أولاً بإزاء معضلة كبرى، تتصل بمفهوم البرج، وهي: فكرة النجاة من طوفان آخر يحلّ بأرض السواد، وما يتعلق بها من تضرّع للآلهة، وتوسلها بهدف درء ذلك الخطر المتوقع. وفكرة الطوفان واحتمال تكرارها استقرت في وعي الإنسان القديم، وهيمنت بصورة خاصة على مخيلة السومريين والبابليين. وطبقاً لتقاليد الكتابة عند تلك الأقوام، فقد كانت الفكرة تتجسد حقيقة إذا تحولت إلى لفظ، فالملفوظ يحضر إذا لُفظ، بغض النظر عن حقيقة وجوده، ومن ثمّ صار كل شيء، لا يكتسب وجوداً محسوساً، إلاّ إذا أُضفي عليه اسمٌ، يمنحه القوة والديمومة في الوجود، ولهذا ظهرت قيمة الاسم، بوصفها ظاهرة أساسية من ظواهر الوعي والممارسة في بلاد الرافدين، ولم يكن أهالي تلك البلاد، تفرّدوا وحدهم بتلك الظاهرة; إذ كان المصريون القدامى، يعتقدون، أَنَّ الأشياء تتكون، حينما يعبر عنها بالتسمية، ففي النطق يكمن سرّ وجود الأشياء(1). ولم تكن الأشياء الموجودة تثير مشكلة في هذا الأمر، إنما الأمر يتعلق بما من صيرورته أن يكون غائباً، ومثال ذلك الآلهة.
    هبطت الآلهة إلى الأرض في بلاد الرافدين، واتخذت الهياكل والمعابد مكاناً لها، حسب اعتقاد السومريين والبابليين، لأن المتحدثين اجترحوا أسماءها، وتواضعوا فيما بينهم على دلالة تلك الأسماء. وطبقاً لهذا التصور، الذي يقوم على مبدأ الاسم، انتشرت معابد كثيرة في المدن القديمة، وكان عدد الآلهة يتضاعف، فيما يبدو، تبعاً لاشتقاق الأسماء، إلى درجة صارت فيها، فاعلية الاسم في العراق القديم لا تقبل المحاججة(2) لأن من ضرورات التلفظ الملزمة للاسم، أن يتحقق وجود المسمى. ومن الجدير بالذكر، أن هذه الفكرة اطردت في الأديان السماوية، فيما بعد. ومثالها ما ورد في القرآن، كقوله «ويوم يقول كن فيكون ـ الأنعام 73» و«إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ـ النحل 40» و«فإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ـ غافر 68»، وقوله «وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة ـ البقرة 31». ويشمل ذلك، غالباً، جميع الآيات التي يأتي فيها الأمر من «كان». وليس هذا هو الجانب الوحيد في فاعلية مبدأ الاسم في الفكر القديم، إنما كان لذلك المبدأ امتداداته الأخرى، فلأن الآلهة اقتسمت النعوت، صارت تنطوي على قوى خارقة وكثيرة، بسبب من تعدد صفاتها وأسمائها، ومثال ذلك «مردوخ» الذي ظفر بخمسين اسماً، كما ورد في ملحمة الخليقة. وهذه الفكرة، هي الأخرى اطّردت في الفكر الديني، ومنه الإسلامي، ممثلة بأسماء الله الحسنى التي تقارب المائة، فضلاً عن أسمائه المضمرة والمبهمة(3)، وفي صفات الرسول وأسمائه، بل وفي صفات المحدثين عنه وأسمائهم التي قاربت الخمسين(4). وكان ترديد اسم الإله تضرعاً، له أثره في اعتقاد الإنسان بحصول ما يريد، وما زال التضرع موجوداً لأن الفكرة القائلة: إن التقرب إلى صاحب الاسم المقدس يجلب لا محالة أشياء جيدة، ما زالت قائمة في وعي الإنسان(5).
   كانت تلك الفكرة من الأفكار الأساسية السائدة في العراق القديم، ومع الزمن، اكتسب الاسم قوة لا تضاهى، جاوزت قوة المسمى، ليس في أمر الآلهة، إنما في شؤون الحياة الأخرى، وبخاصة في العبادات والحكم والبناء، وفي ضوئها يمكن تفسير كثير من المعضلات القائمة آنذاك. ومنها فكرة الطوفان التي يتردد صداها في الذاكرة، ذلك أن التلفظ بهذا الاسم، كان يعني بصورة أو بأخرى، استدعاء الحادثة المخيفة التي وقعت في وقت سابق في تلك الأنحاء، ففكرة الطوفان بذاتها، لم تكن محصورة في العراق القديم، وإن عُبّر عنها فيه أعمق تعبير; ذلك أنها عرفت على نطاق واسع في العالم القديم، كما أثبت ذلك جيمس فريزر(6)الأمر الذي ترتب عليه ظهور أبراج في أماكن كثيرة في مصر والمكسيك، ومناطق أخرى من آسيا وإفريقيا(7) مما يؤكد أن مبدأ الاسم، كان اعتقاداً إنسانياً عاماً في العصور القديمة، وبقدر تعلّق الأمر ببلاد الرافدين، فإن ذلك المبدأ، وجّه كثيراً من الأمور، توجيهاً يتطابق وماهية الفكرة التي يتضمنها، وبخاصة في العبادة كما تجسد ذلك في حضور الآلهة والطقوس والاحتفالات اليومية، وفي الحكم كما تجلّى في وصايا الآلهة للملوك، وفي العمران، كما تمثل ذلك في ظهور الأبراج الكثيرة في السهل الجنوبي. ولنا أن نسأل الآن، بعد أن وقفنا على فكرة مبدأ الاسم، هل يمكن القول، إن التلفظ بكلمة «برج» أو «زقورة»، كان كافياً لاستحضار صورة برج أو زقورة؟ إن البحث، وهو يتقدم في مضاربة المرويات، سيخلص إلى الوقوف على هذا الأمر، بصورة أو بأخرى، ولكن هذا لا يعني أبداً، أن أبراج العراق الجنوبي، لم يكن لها وجود أبداً. إنما الأمر يتعلق هذه المرة، ببرج بابل على نحو خاص. ذلك البرج الذي عُدَّ أشهر صرح في العالم القديم كله. يقتضي الأمر، بعد هذه التوطئة الخاصة بمبدأ الاسم، أن نقلّب طبقات المرويات حول البرج، وأن نتقدم إلى ذلك النسيج المتشابك من الأخبار الدينية والتاريخية، عسانا نفلح في عرضه، وهو ما سيكون من اهتمام الفقرة اللاحقة.

3. المرويات: عرض
3. 1. الأصل الديني: سفر التكوين وسهل شنعار
   تقدّم التوراة، بوصفها نصاً دينياً ـ أسطورياً «مقتبساً من أصول قديمة»(8) إشارة في سفر التكوين عن بناء برج، وأقدم نصوص التوراة التي عُثر عليها حتى الآن، وهي بعض أسفار العهد القديم، تعود إلى القرنين الأخيرين قبل الميلاد، وقد استمر تدوين تلك الأسفار بلغات مختلفة، وفي مُددٍ متقطّعة، استغرقت نحو ألف ومئتي سنة، أي منذ مطلع القرن السابع قبل الميلاد حتى القرن الخامس الميلادي، باعتبار أنّ سفر عاموس أقدم ما دوّن منها، وكان ذلك حوالي القرن السابع قبل الميلاد(9). ويتفق هذا الرأي، مع كثير من الآراء التي جعلت أقدم تدوين لبعض أسفار التوراة هو خلال المدة التي تمثل القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد(10). القرن السابع قبل الميلاد، هو أقدم زمن تتوفر فيه لدينا مصادر دينيّة تشير إلى محاولة إنشاء برج في سهل «شنعار»، ويتيح لنا هذا التحديد التقريبي إمكانية الانتقال إلى ما أوردته التوراة "كانت الأرض كلها لساناً واحداً ولغة واحدة، وحدث في ارتحالهم شرقاً أنّهم وجدوا بقعة في أرض شنعار، وسكنوا هناك، وقال بعضهم لبعض هلمّ نصنع لبناً ونشويه شيّاً، فكان لهم اللبن مكان الحجر، وكان الحُمر مكان الطين. وقالوا هلمّ نبنِ لأنفسنا مدينة وبرجاً رأسه بالسماء، ونصنع لأنفسنا اسماً لئلاّ نتبدد على وجه كل الأرض. فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما. وقال الرب هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم وهذا ابتداؤهم بالعمل. والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه. هلمَّ ننزل ونبلبل لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض. فبددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض، فكفوا عن بنيان المدينة، لذلك دعي اسمها بابل، لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض، ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الأرض ـ التكوين 11: 1 ـ 9».
    سنعود لاحقاً إلى مناقشة نص التوراة، بيد أنّ ما ينبغي تأكيده هنا، أن سفر التكوين أشار فقط إلى محاولة بناء مدينة وبرج، والشروع بذلك حسب، وأن الرب صرف البابليين عن ذلك، فكفوا عن بنيان المدينة. وترد أيضاً إشارات عابرة في سفر التكوين نفسه 28: 16 ـ 19. عن إقامة يعقوب لعمود من حجر كان يضعه تحت رأسه، بعد أن حلم بسلّم منصوب باتجاه السماء، وملائكة الله تنزل وتصعد عليه، وإشارة أخرى في سفر أشعيا 14: 13 ـ 14 عن جبل الاجتماع في أقاصي الشمال، والصعود فوق السحاب تمثّلاً بالرب. وإشارة في سفر حزقيال 43: 13 ـ 37 عن طقوس الذبح في مذبح مرتفع. وجميع إلْماحات التوراة المذكورة، قد تفيد في تأويل أسباب ظهور فكرة الأبراج، ولكنها لا تفيد فيما نحن فيه; ذلك أنها لا تشير إلاّ إلى مكان مرتفع تمارس عليه طقوس دينية مختلفة; بيد أنّ إشارة سفر التكوين التي أوردناها قبل قليل، كانت وما زالت غاية في الأهمية; إذ عليها قامت الروايات اللاحقة، فوجدت لها مكانة مهمة في التفاسير الدينية كالتلمود، وفي كتب المؤرخين والرحالة، كما سيتضح فيما بعد.
3. 2. القرآن والرواية العربية
  وردت إشارة في القرآن حول غضب الله على قوم ضالّين. فأتى بنيانهم من أسسه"قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بُنياهُم من القواعد، فخرّ عليهم السقف من فوقهم، وأتاهُمُ العذاب من حيث لا يشعرون»(النحل: 26). وتتفق أغلب تفاسير القرآن، على أن المقصود بالآية هو «نمروذ بن كنعان حين بنى الصرح ببابل طوله خمسة آلاف ذراع، وقيل فرسخان. فأهبَّ الله الريح فخرّ عليه وعلى قومه فهلكوا»(11). ويؤكد الطبري أن نمرود(= نمروذ) بعد أن قام برحلة في تابوت حملته نسور أربعة، عاد إلى الأرض، ورغب في أن يبني جبلاً ينظر من فوقه إلى إله إبراهيم، فأخذ في بناء الصرح، فبنى حتى إذا أسنده إلى السماء، ارتقى فوقه ينظر الإله، فأحدث ولم يكن يحدث، وأخذ الله بنيانه من القواعد(12)، ويقرر الطبري أن النمرود هو الضحاك(13) وعنه ينقل المسعودي في «مروج الذهب»(14)، وابن الأثير في «الكامل في التاريخ»(15) ويؤيدانه في أن النمرود هو الضحاك(16). ويضيف ابن الأثير أن الضحاك كان «كثير المقام ببابل»(17). ووجد هذا الخبر صداه في كتب الأدب، قال الأبشيهي: «قال أهل التواريخ ونقلة الأخبار، إن أول بناء على وجه الأرض الصرح الذي بناه نمروذ الأكبر بن كوش بن حام بن نوح...وبقعته بكوثي من أرض بابل، وفيه إلى عصرنا أثر ذلك البناء كأنه جبال شاهقات، قالوا وكان طوله خمسة آلاف ذراع بناه بالحجارة والرصاص والشمع واللبان، ليمتنع هو وقومه من طوفان ثان، فأخرب الله تعالى ذلك الصرح في ليلة واحدة بصيحة، فتبلبلت بها ألسنة الناس، فسمّيت أرض بابل»(18). وبسبب تواتر النقول، في كتب التاريخ والأدب، فإنّ متن الرواية التي أوردها الطبري، ظلت متواترة في العصور اللاحقة. أما ما ورد من أن النمرود هو الضحاك، فإن ذلك، كان معروفاً على نطاق واسع، فيما يبدو، للقدماء، فقد أورد ابن النديم بعض الكتب التي تورد أخبار ذلك الملك باسميه المذكورين(19).
3. 3. المدونة البابلية
   يرد ذكر برج بابل، باسمه «إيتيمينانكي» أي «معبد أساس الأرض والسماء»، أول مرة، بصورة واضحة، في عهد نابو بولاصر(625 ـ 605 ق. م). على نقش مسماري، عثر عليه حديثاً(20). وفيه يشير الملك إلى أنّ مردوخ أمرهُ بإعادة بناء البرج، وعُثر على مدونة أخرى فيها نص، يشير إلى أن نبوخذ نصر(604 ـ 562) وهو ابن الأول وخلفه، سيكمل ما بدأ به والدهُ(21). ويعلق أندريه بارو على هذا النقش، مؤكداً على أنه تكرار لرواية التوراة(22)، التي أوردناها في 3 ـ 1 من هذه الفقرة، فإذا علمنا، أن أقدم نصوص التوراة يرجع إلى حوالي القرن السابع، وأن النصين المذكورين دوّنا بعد ذلك بحوالي قرن، تبيّن أن النصين أخذا في الغالب عن رواية التوراة. وربما ـ في أكثر الاحتمالات ـ أنهما اعتمدا مع التوراة على مرويات قديمة مجهولة لنا إلى الآن.
3. 4. لوح آي ـ ساكلا
 باكتشاف لوح (آي-ساكلا-e-Sag-ila)(23)في عام 1913 توفر لدى الباحثين، أول وصف مفصل للمظاهر الخارجية لـ «برج بابل» ويرجع تاريخ المدونة المذكورة إلى حقبة حكم سلوقس الثاني، وقد ثبت تاريخ التدوين على اللوح نقشاً وهو 12 كانون الثاني 229 ق. م، وتضمن اللوح أبعاد البرج وأطواله مقاسة بالأقدام، كما يأتي(24):

 الطبقة         الطول           العرض        الارتفاع
 الأولى          292           292          108
 الثانية          256            256          59
 الثالثة          197            197        4/3 19
 الرابعة        2/1 167         2/1 167        4/3 19
 الخامسة        138            138        4/3 19
 السادسة      2/1 108         2/1 108        4/3 19
 السابعة         79             79          49
 
  إذا دققنا في مقاسات البرج، تبيّن أنه مربع القاعدة، وارتفاعه يماثل طول ضلع قاعدته، وينتهي بضريح، أو معبد صغير، يدعى «ساحورو»(25).
3. 5. الأصل التاريخي: هيرودتس
   تعد المرويات التي أوردها «هيرودتس 427 ق. م» ـ الذي يوصف، بأنه «أبو التاريخ» ـ أول أخبار تاريخية حول البرج، وعلى الرغم من كونها متقدمة على تاريخ لوح آي ـ ساكلا، إلا أننا تعمدنا تأخير عرضها، لأنها ستتواتر في كتب المؤرخين والرحالة الأجانب، ابتداء من القرن الرابع قبل الميلاد إلى العصر الحديث. يخصص هيرودتس، قسماً من الكتاب الأول في تاريخه، لوصف بابل، فيقول"تقوم مدينة بابل في سهل فسيح، وفي شكل مربع تماماً، يبلغ طول كل ضلع من أضلاعه مائة وعشرين فرسخاً، وعلى هذا يقدر محيطها الداخلي بأربعمائة وثمانين فرسخاً، وإذا كانت المدينة على مثل هذه المساحة، فلم تكن هناك مدينة أخرى تضارعها في أهميتها». وينصرف بعد أن يفرغ من وصف المدينة، إلى وصف معبد «آي ـ ساكلا» وبرج بابل"يقوم في وسط كل قسم من أقسام المدينة حصن، وفي أحد الحصون ينتصب قصر الملوك، يحيط به سور قوي، وساحة واسعة، كما يقوم في حصن آخر المعبد المقدس لزحل(= مردوخ)، وهو بناء مربع طول كل ضلع منه فرسخان، وله أبواب من البرنز الصلب، وكان هذا المعبد قائماً في أيامي، وفي وسط المعبد يقوم برج من بناء صلب يبلغ طوله وعرضه فرسخاً واحداً، أُقيم فوقه برج ثان، وفوق ذلك برج ثالث، وهكذا حتى البرج الثامن وحتى يبلغ المرء منتصف الطريق في صعودهِ، يجد مكاناً للاستراحة، فيه مقاعد يجلس عليها الناس حيناً من الوقت، وهم في طريقهم إلى القمة، وفي أعلى البرج معبد واسع وفي داخل المعبد سرير من حجم غير معتاد، غني بالزخارف، وإلى جانبه منضدة من الذهب، ولا يوجد في هذا المكان أي تمثال من أي نوع كان، كما أن أحداً لا يسكن هذه الغرفة في الليالي سوى امرأة يقول الكلدانيون كهنة هذا الإله، قد اختارها بنفسه من بين كل نساء الأرض»(26).

3. 6. مخيال الرحّالة الجوّابين
   أصبح تاريخ هيرودتس أصلاً قامت حوله كثير من الحواشي، فقد اعتمد عليه الرحالة والمؤرخون، وساروا في هديه صوب «بابل». وممن حذا حذوه، بنيامين التطيلي الذي وصل العراق في عام 1160م، في عهد الخليفة المقتفي بالله(530 ـ 555هـ)، وأكد أنه زار بابل، ووصف الخرائب وأنه شاهد البرج، وارتقى سلالمه الملتوية التي يرقى بها إلى قمة البرج(27). ثم ناقض قوله، مؤكداً صعوبة الوصول إلى القمة بسبب الأفاعي والأبالسة(28). وجاء بعده ليونهارت راوولف الذي شرع برحلته من هولندا في عام 1573 ثم وصل العراق عن طريق نهر الفرات، متجهاً حسب زعمه إلى بابل، وعقد عنها فصلاً في رحلته(= الفصل الثالث عشر). وصف فيه خرابها وأبراجها! وأسوارها المهدمة المطمورة في التراب، وهو في حقيقة الأمر، لم يصل اطلاقاً هذه المدينة، وإنما تحدث عن مدينة(الفلوجة)إذ لم يجتز قاربه هذه المدينة إلى الجنوب، فمنها ترجّل وذهب إلى بغداد، ثم قفل راجعاً إلى الشمال. وينطبق على ليونهارت وصف بارو الذي ذهب فيه إلى أن الرحالة الجوابين في العراق، كانوا يرتحلون على وهم التوراة وكتب الإغريق والرومان، إذ على ضفاف الفرات يتذكرون نوحاً ونمرود العيار الذي ورد في سفر التكوين(29). ويقود الوهم ليونهارت إلى تقديم وصف لبرج بابل الذي يفترض عدم وجوده حسب التوراة، قائلاً: نحن لا نزال نشاهد هذا البرج الذي يبلغ قطره نصف فرسخ، ثم يستدرك ويناقض نفسه، ويقول: لكنه تهدم وغدا واطئاً وسكنته الهوام(30). ولم يستطع نيابوهر في عام 1766م، إلاّ أن يتحدث عن برج «بورسيبا» ظاناً أنه برج بابل، أما بياترو دالافالي، فقد اقترب إلى الخرائب المهجورة في بابل سنة 1616م وقرر أنّ البرج كان وجد في زمن ما، لأنه عثر فقط على بعض القار والآجر في ذلك المكان(31)، وحدس أن ذلك دليل على صحة رواية سفر التكوين، من أنّ البرج بني بمواد مماثلة!.
   ابتداء من القرن الثامن عشر، تضاعف عدد الرحالة والمستكشفين الذين قدموا إلى جنوب بلاد الرافدين، بوحي من أخبار التوراة، أكثر مما جاءوا بدوافع اكتشاف الحقيقة، وقد أثارت انتباههم التلال الخربة، وظنوا أنها بقايا البرج في بابل، وتحولت تلك البعوث، بعد مدة قصيرة إلى بعثات علمية أثرية هدفها التنقيب عن الآثار، ومن ثم، أزيحت، إثر ذلك، كثير من الحجب التي كانت تخفي تاريخ هذه المنطقة عن العالم، وحينما أفلح الأثريون في فك رموز اللغات القديمة في بلاد الرافدين، انزاح الغبار عن جزء كبير من الماضي، بيد أنّ ما توصل إليه الأثريون، حول برج بابل بالذات، لم يقدم جديداً، لأنهم جعلوا رواية التوراة، ومرويات هيرودتس، أصلاً قاسوا في ضوئه كشوفاتهم. فما وافق الأصل عُدّ مقبولاً، وما خالفه لم يعن به أحد، ومرة أخرى، تمركزت الأوهام، وتعالت رواية التوراة لتصبح حقيقة من حقائق التاريخ، وإن كانت حقيقة من حقائق الخطاب ليس إلاّ وقد غذّيت بالمرويات التاريخية القديمة والحديثة.

4. بابل/ برج بابل: لمحة تاريخية
   ينبغي، وقد فرغنا من عرض أبرز ما أوردته المرويات والمدونات من إشارات إلى برج بابل، أن نلقي نظرة عجلى على تاريخ مدينة بابل، بوصفها مسرحاً لأسطورة البرج. لقد أصبح مؤكداً، بفعل الكشوفات الأثرية، أن صور الأبراج المنقوشة على الأختام الأسطوانية، ترجع إلى زمن قديم، هو الألف الثالث قبل الميلاد، وربما ستظهر كشوفات لاحقة، لما هو أبعد تاريخياً من هذا، وتتفق المصادر على أن صور الأبراج وجدت على ألواح تعود إلى عصر «غوديا» حاكم لكش في حدود القرن الثاني والعشرين قبل الميلاد. ومن المؤكد، أن مدن القسم الجنوبي من بلاد الرافدين، عرفت الأبراج، وبخاصة المراكز الدينية، إذ أحصى بارو الأبراج الكبيرة، فوجدها ثلاثة وثلاثين برجاً في سبع وعشرين مدينة قديمة(32). فإذا استحضرنا تأكيد هيرودتس أن بابل أشهر مدن العالم القديم على الإطلاق، وأنها أيضاً من أقدم المدن(33)، فإنّ خلو مركزها من برج عظيم يفوق أبراج المدن الأخرى، أمر عجيب وغير مقبول في نظر هيرودتس نفسه ومن جاء بعده، وحذا حذوه. بيد أن نظرة موضوعية إلى تاريخ بابل، ستبدد كثيراً من الأوهام، فليست هي بأقدم مدينة، وليست بأعظم من غيرها، إلاّ في عصور متأخرة، حيث أصبحت مركزاً للصراعات السياسية، ويمكن تحديد ذلك في حوالي القرن السابع قبل الميلاد.
   لا يرد ذكر لـ «بابل» قبل حادثة الطوفان، في ثبت ملوك سومر الذي يؤكد على وجود خمس مدن، عرفت قبل الطوفان، وهي: أريدو، بادتبيرا، لاراك، سبار، شروباك، وهو ثبت نادر وقيّم يحتوي قوائم بأسماء السلالات الحاكمة وملوكها وفترات حكمها، وعهود ملوكها منذ عصر ما قبل الطوفان، وصولاً إلى سلالة آيسن(2000 ـ 1650 ق. م) على الرغم من أنّ الدولة البابلية الأولى ظهرت إلى الوجود في منتصف هذه المدة تقريباً(1894 ق. م). وطبقاً لثبت ملوك سومر، فإن أول مدينة «هبطت فيها الملكية من السماء، بعد الطوفان، هي كيش»(34). ولا وجود لبابل في عصر فجر السلالات، ولا ترد عنها سوى إشارة ثانوية، بأنها مدينة صغيرة يشرف عليها حاكم محلي تابع لسلالة أور الثالثة(2113 ـ 2006 ق. م). وربما تعد هذه الإشارة أقدم ما كشف عنه إلى الآن. وعلى هذا، وتبعاً للمصادر، فإنه لا دور يذكر لبابل منذ الطوفان الذي يحتمل أن يكون حدث في الألف الرابع قبل الميلاد، إلى أن تأسست الدولة البابلية في عام 1894 ق. م، على يد سومو ـ إيم(1894 ـ 1881 ق. م)، وهو الجد الأعلى لـ «حمورابي» ـ(1792 ـ 1750 ق. م). إذ بدأت في عهدهِ شهرة المدينة. وبسقوط السلالة البابلية الأولى(1595 ق. م) تتضارب الآراء حول المدينة، ويغيبُ دورها في التاريخ، لمدة تقرب من ألف عام، إلى زمن نبوخذ نصر(604 ـ 562 ق. م) إذ تنهض المدينة من سباتها الذي قُسرت عليه، ولكن سرعان ما يحتلها كورش(478 ق. م) ـ(إذ يفترض أنه في هذا الزمن دمّر برجها)، ويليه الاسكندر، ثم قوّاده، وتغيب بابل ثانية عن مسرح التاريخ، لتخلد في الذاكرة. إنّ عرضاً سريعاً ومكثفاً، بيّن لنا أن بابل ازدهرت في عصري سلالتيها اللتين يفصلهما قرابة ألف عام. وأنّ الأخبار الأسطورية التي حيكت حول برجها الشهير، تقع في زمن السلالة الثانية.
   كانت عادة ملوك السلالة البابلية الأولى، أن يوثّقوا سنوات حكمهم، وأبرز أحداث عهودهم، ولم ترد أية إشارة إلى برج بابل في عصر السلالة الأولى. فقد أورد سابئيم الذي حكم مدة أربع عشرة سنة، أنه أسس في عام حكمه العاشر معبداً للإله مردوخ. وطوال تاريخ حكم السلالة، عثر على مدونات توثق الحوادث الحربية والفتوحات والأعمال العمرانية وتعيين الملوك والكهنة، وعثر على مدونات تصف المدينة ومواقعها المشهورة، ولم يرد ذكر لبرج بابل، بل إن وثيقة قيّمة وأصيلة، مثل شريعة حمورابي، لم تأت على ذكر البرج، مع أنها أوردت في مقدمتها أسماء معظم المعابد، بما فيها آي-ساكلا(35) الذي لا يبعد غير مرمى حجر، عن المكان المتخيّل للبرج، كما أورد ذلك كولديوي وأندراي في خريطة مدينة بابل(36) مع أن حمورابي، اتصف بالحرص على تثبيت صور مفصلة لإنجازاته، ومعالم مدينته. وإلى جانب هذا، عثر على مدونات مسمارية أوردت أسماء 1179 معبداً في مدينة بابل، بلغ عدد المعابد الكبيرة منها 153، في مقدمتها آي-ساكلا، وننماخ، وعشتار، وننورتا، ومعبد كولا(37)، ولم يرد تفصيل للبرج، وهو أمر يعمق الريبة والشك، ونخلص من ذلك إلى أنه لا تتوفر لدينا أدلة على وجود البرج، في أي عصر أو حقبة، وتدعم ذلك التوراة التي أوردت أنّ الإله قد غضب، فعصف بمن هم في سبيلهم إلى بناء برج. لقد عرضنا المرويات الخاصة بالبرج، وأوردنا تاريخاً موجزاً لمدينة بابل، وأصبح من اللازم أن ننتقل إلى مرحلة مضاربة المرويات بعضها ببعض، ومضاهاة مضامينها، وتركها تتساجل فيما بينها، لكشف التناقضات الداخلية التي تقوم عليها، وهو ما ستتكفل به الفقرة الآتية.

5. تفكيك المرويات
5. 1. رواية التوراة: الجوهر المتناقض
   ثبت أن بعض أسفار التوراة دوّن بعد عهد نبوخذ نصر(604 ـ 562 ق. م) بدليل وجود اسم ابنه أويل مردوخ(= نركلصر)الذي يعتقد، أنه حكم في الفترة الانتقالية بين وفاة أبيه في عام 562 ومجيء نابونئيد في عام 556 ق. م. ورد ذلك في سفر الملوك الثاني 25: 27، وكان نبوخذ نصر ورد ذكرهُ في سفر أرميا 34 ـ 1 وأشير كثيراً للأحداث التي كان معاصراً لها. وفي هذا إنما نريد تعزيز ما كنا أوردناه في 3 ـ 1من أمر عصر تدوين بعض أسفار التوراة، لكي نكشف الفاصل الزمني الكبير بين التاريخ المحتمل لما يسمى بدمار البرج، وبين تاريخ تدوين المرويات التوراتية التي أتت على ذكره.
  قرر «وولي» أن الطوفان حدث في حدود 4000 ق. م(38) ولمّا كانت المدونات السومرية، دوّنت في مرحلة لاحقة، وبخاصة ملحمة كلكامش التي تعود إلى زمن يسبق العهد البابلي القديم، كونها تستلهم بطولة أحد ملوك سلالة الوركاء الأولى(2800 ـ 2500 ق. م) وهو كلكامش الذي يعتقد أنه حكم في حدود 2700 ق. م. وأنّ التوراة دونت بعد القرن السابع ق. م، وهي استلهمت رواية ملحمة كلكامش لحادثة الطوفان، فإنّ ثمة فاصلاً زمنياً يزيد على ثلاثة آلاف سنة، بين حادثة الطوفان، وبين أول تدوين لروايتها في التوراة. فإذا علمنا، أنّ برج بابل يقترن بشخصية الحفيد الثالث لنوح وهو نمرود بن كوش بن حام بن نوح(سفر التكوين 10: 1 ـ 9)الذي ابتدأ يكون جباراً في الأرض(تكوين 10: 8)، أو هو حسب الطبري أول جبار في الأرض(39). والذي كان معاصراً لإبراهيم وأنه أراد أن ينظر إلى إله هذا الأخير، فأتى الله بنيان برجه من القواعد(حسب الرواية العربية). فإنّ ثمة تناقضين أساسين تنطوي عليهما هذه المرويات، أولهما أنّ عصر نمرود متقدم كثيراً إلى زمن الطوفان، فهو إنما حفيد ثالث لنوح، الذي كان بطلاً لحادثة الطوفان، في حدود الألف الرابع قبل الميلاد طبقاً لما يقررهُ «وولي». وثانيهما، أنّ إبراهيم الذي يفترض أن يكون خصماً لنمرود، إنما عاش في القرن التاسع عشر قبل الميلاد(40)الأمر الذي يستحيل معه لقاؤهما، لوجود فاصل زمني يزيد على ألف وخمسمائة سنة بينهما في الأقل. فإذا كانت تواريخ السلالات قامت على النقوش والرُقم المدونة، فإنها لا بد أن تكون أصلاً تنهار أمامه الرواية الأسطورية التي جاءت بها التوراة، ويعود ذلك، فيما يعود، في هذهِ القضية وغيرها، إلى جملة الأخطاء التاريخية التي وقع فيها مدوّنو أخبار التوراة الذين أعياهم، فيما يبدو، تعقّب تاريخ المفاصل الرئيسة فيما يزعمون أنه تاريخ، ويذهب سوسه إلى أن أمر تدوين التوراة، كان خاضعاً للكتبة الذين كانت آثار السبي البابلي لهم طغت على طبيعة تدوينهم للأخبار والمرويات، ليس فيما له علاقة بالوقائع والأحداث حسب، بل فيما يتصل بالصفات الدموية التي نسبوها للرب الذي يحثُّ على قتل الأطفال والنساء والشيوخ(41).
    استعنا بالزمن والتاريخ، بوصفهما موجهين خارجين، لبيان التناقض الذي تنطوي عليه رواية التوراة، وآن لنا أن نقترب من نص الرواية من الداخل. إنّ الخبر لا يقرر وجود برج، فالبناة قالوا «هلمّ نبن لأنفسنا مدينة وبرجاً» والرب فاجأهم، وقال: «هذا إبتداؤهم بالعمل». ثم أضاف «هلمّ ننزل ونبلبل لسانهم». لذلك «كفّوا عن بنيان المدينة»، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإنّ دلالة الفعل «بلبل» لا تشير إلى التفريق والتبدد والتشتت، بل إن حقلها الدلالي ينتظم حول دلالة اختلاط الألسن واللغات، وإن كان يدل على اختلاف الآراء(42). السياق الدلالي الذي ترد فيه الإشارة إلى «البلبلة» يرجِّح النفي خارج بابل «ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الأرض». فضلاً عن هذا، فإن دلالة المفردة «بابل» لم تعد مقترنة بـ «بلبلة الألسن»، إنما هي تحيل على «باب الأله». ونخلص إلى تناقضين اثنين يحكمان رواية التوراة من الداخل، الأول الدعوة إلى إيجاد أواصر وثيقة بين الألسن واللغات، كما بين التحليل الدلالي، والثاني النفي عن المدينة وطردهم عنها، «بددهم الرب على وجه كل الأرض». أمران متناقضان، يفسدان صحة الرواية من الداخل، لا يمكن أن يجتمعا معاً. ثم إن الغريب في الأمر، هو موقف الرب الذي صنعهُ الكتبة من الأحبار، الذي لا يتردد من الغضب على قوم، أرادوا أن يصنعوا لأنفسهم ما يشير إلى وحدتهم، كيلا يتبددوا على وجه الأرض! واضح أن الموجهات الخارجية التي ألمح إليها سوسه، كانت تفرض حضورها على الأحبار إبان تدوين مرويات التوراة.

5. 2. هيرودتس: المؤرخ مضللاً
   استأثر تاريخ هيرودتس بعناية قلّ مثيلها، كونه من أوائل النصوص التي قام عليها فن التاريخ، وفي الوقت نفسه طعن تاريخه في كثير من الأخبار التي تضمنها، وشكك في صدق مشاهداته ومروياته. وعرضت أخباره لحقائق الجغرافيا والتاريخ وثبت بطلان بعضها، وبخاصة ما يتعلق منها ببابل.عدَّ كثير من المؤرخين هيرودتس مُضللاً، وشكك في موارد تاريخه الذي انطوى على نوع من المبالغة، لأنه لم يستطع أن يتخلّص من ربقة الميثولوجيا اليونانية، وسيطرتها على تفكيره إلى حدٍّ حشر كثيراً من الأساطير والخرافات الموضوعة في تاريخه، مما جعل المؤرخ الروماني «بلوتارخ» يتهمه بالكذب والخبث. وأثبت العالم البريطاني سايس، وجاراه في ذلك الألمانيان هايدل ووايدمان، بأنه ملفق أخبار. وكان هدفه من المبالغة والتهويل في الوصف، استنهاض همم قومه، بما يقدم لهم من صور ساحرة عن البلدان الأخرى، وبخاصة الشرق، محرضاً، إياهم لغزوه. ويرى كثير من المؤرخين أن اندفاع الاسكندر إلى الشرق، كان أحد أسبابه الأوصاف المغرية التي قدمها هيرودتس عنه(43).
   يحوم الشك حول إمكانية زيارة هيرودتس بابل في ذلك العصر، لظروف الحرب القائمة مع الفرس آنذاك، ولهذا ذهب بعض المؤرخين إلى أنه كان يروي عن رواة، لم يلتزموا الدقة، ولهذا كان يسمي بلاد بابل ببلاد آشور(44). بل إن كونتينو يقول إنه كان يقدم وصفاً لبابل من الدرجة الثانية(45). أي أنه يروي مرويات ولا يورد مشاهدات شخصية. ليس هذا كل ما يمكن أن يمثل طعناً في تاريخ هيرودتس فقط إنما الأمر الأهم، هو أوصافه لبرج كان يفترض، حسب بعض التواريخ أنه خرّب قبل وصوله المفترض إلى بابل. إذ تقرن بعض المصادر تخريب البرج على يد كورش الذي استباح المدينة في عام 479 أو 478 ق. م، ودمر برجها، في حين أن زيارة هيرودتس المزعومة حصلت في عام 450 ق. م، مما يؤكد أنها جاءت بعد حادثة التدمير بحوالي 18 أو 19 سنة. فإذا صحت كل من وقائع التخريب والزيارة، يكون هيرودتس يتحدّث عن برج لا وجود له. يضاف إلى ذلك أوصافه المبالغ فيها لمدينة بابل وأسوارها وبيوتها التي تتألف من ثلاثة أو أربعة طوابق، أما أوصافه للبرج فيصعب قبولها تماماً تبعاً للأطوال التي يضعها له، ولما كانت تنقصه الحيلة في الوصف، لا يتردد بالقول، إنه لم ير ذلك بعينه، إنما يروي ما رواه له الكلدانيون، الأمر الذي يؤكد أنه اعتمد على الرواية بدل المشاهدة، وكانت تلك المرويات، فيما يبدو، من المأثور الأسطوري الذي تختزنه الذاكرة، وتلقّحهُ المخيلة عصراً بعد عصر، مما لا يمكن أبداً عدّهُ جزءاً من الحقيقة، ومرة أخرى نجد مرويات هيرودتس تصطدم مع الأخبار التاريخية، وتتعارض تماماً مع مرويات التوراة حول برج أمر الله بتقويضه حال الشروع ببنائه.
5. 3. التاريخ وقراءة اللوح البابلي
   حددنا في 3 ـ 4 تاريخ لوح «آي ـ ساكلا» وهو يعقب تاريخ دخول كورش إلى مدينة بابل بحوالي 250 سنة. فإذا صدّقنا المرويات التي تقول بأن الفرس دمروا البرج، وأن الاسكندر حاول إعادة بنائه، فإن زمن خراب البرج(479 أو 478 ق. م) يسبق زمن تدوين أوصافه في اللوح المذكور(229 ق. م) بقرنين ونصف. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن اللوح يعود إلى نسخة توجد في «بورسيبا» حيث يشمخ برجها الشهير أيضاً، والتي ما زالت بقاياه موجودة إلى الآن، مما يبعث الشك في أصالة لوح آي ـ ساكلا، وفي الأقل بمعلوماته حول البرج، فلا يستبعد أنها معلومات تخص برج بورسيبا. فإذا علمنا أنّ ذلك اللوح دوّن في عهد سلوقس الثاني(245 ـ 226 ق. م) وهو عهد اضطراب وغموض يقع بين عهدي أنطيوخس الأول(281 ـ 261 ق. م) وأنطيوخس الثالث(223 ـ 187 ق. م) بسبب الحروب مع الحكّام البطالسة في مصر، وأن بابل لم تعد عاصمة، بل حلّت سلوقية محلها، حيناً، وأنطاكية حيناً آخر، فإنّ الظروف الموضوعية والتاريخية لا توفر صحة كاملة لما ورد في متن ذلك اللوح. وإذا قيست الأمور بنظائرها، فإنّ أمرين اثنين يبطلان ما جاء في اللوح: الأول: هو أن كاهن معبد آي -ساكلا، حيث نقش اللوح المذكور، وهو «بيروس» كتب باليونانية كتاباً عن تاريخ بابل، تطرّق فيه إلى كثير من شؤون تلك البلاد، وأورد ملحمة «أترحاسيس» التي تماثل ما أورده «أتونابشتم» في ملحمة كلكامش، دون أن يأتي على ذكر البرج، مع أنه كان كاهناً للمعبد المجاور. والثاني: أن أنطيوخس الأول، كان يلقب نفسه، بألقاب ملوك بابل القدامى، مثل «حامي أو مزّين آي ـ ساكلا»وكان عني بتعمير هذا المعبد، ومعبد «نابو» في بورسيبا المجاورة، وحمل الحجر بيديه إليهما(46)، دون أن ترد أخبار مؤكدة عن وجود برج في بابل لا في زمنه ولا زمن خلفائه، باستثناء اللوح ذي الأصول البورسيبيّة. ومادام الأمر، على هذه الصورة، فكيف تقبل أخبار عن برج، تشير المعلومات أنه لم يكن موجوداً في هذا المكان، أو في أضعف الاحتمالات أنه كان قائماً قبل قرنين ونصف، أو أن الرب قوّضه بعد الطوفان مباشرة، كما تورد ذلك التوراة؟
5. 4. المؤرخون وبابل
   لم يورد زينفون(430 ـ 355 ق. م)وهو معاصر لهيرودتس، أي ذكر لبرج بابل في كتابه «الحملة» مع أن أخباره أوثق من أخبار معاصره(47) ; لأنه من ناحية موضوعية كان قادراً على زيارة بابل، كونه موالياً لكورش الأصغر ضد الإغريق. كما لم يذكر المؤرخون اللاحقون أمر البرج، ومنهم بوليبوس(202 ـ 120 ق. م)وهو أول من اصطلح على العراق بـ «ميزوبوتامية»، وسترابو (64 ق. م ـ 19م) الذي ذكر أن مدينة بابل مهجورة تقريباً، وديورس الصقلي(40م ـ؟) الذي وصف معبد مردوخ والجنائن المعلقة، أما كوريتوس روفس(القرن الأول الميلادي) وبلبني الأكبر(23 ـ 79م) وجوريفس(37-100م)وإريان(95-175م) ويوسيبوس(265 -340م)وبرخوني(893م)فلم يأتوا على ذكرهِ أبداً، مع أن بعضهم قدّم أوصافاً للمدينة(48).

5. 5. القرآن والموروث الفرعوني
   لا نستبعد أن تكون الإشارة القرآنية في سورة النحل، تشير ضمناً إلى صرح فرعون وهامان التي أفصح عنها صراحة في سورة المؤمن «وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً لعلّي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فاطّلع إلى إلــه موسى وإني لأظنّه كاذباً. وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصُدّ عن السبيل وما كيد فرعون إلاّ في تباب»(غافر: 36 ـ 37) وما يرجّح هذا، أن القرآن فصَّل في الموروث الفرعوني الذي يكوّن حقلاً دلالياً رمزياً يحيل على التجبر والظلم والعدوان، فاسم فرعون، يتردد في تضاعيف القرآن أكثر من سبعين مرة مقترناً بأوصاف الطغيان والظلم، في حين لم ترد أية إشارة إلى النمرود، مما يغلّب أمر ترجيح الأول.

5. 6. المرويّات:تضارب وتعارض
   ما الذي نخلص إليه ونحن نفكك المرويات حول برج بابل؟ إنه ببساطة تعرية لمأزق المرويات، وهي تتضارب وتتناقض وتتعارض فيما بينها، بما يجعل كل رواية تقوض الأخرى، ولتعميق تلك التناقضات، ينبغي أن نضيف ما يأتي:
1.غضب الرب في رواية التوراة ينصب على قوم حاولوا أن يبنوا مدينة وبرجاً، فلم يسمح لهم بذلك.
2. غضب الرب في تفاسير القرآن ينصب على النمرود لأنه بنى صرحاً فقط وأراد أن ينظر إلى إله إبراهيم.
3. الإشارة القرآنية حول ذلك، يرجح أنها تخص فرعون لا نمرود، لوجود أسباب ترجح ذلك.
4. رواية الأبشيهي، تقرر أنّ الرب غضب على قوم، لأنهم فكروا بالنجاة من طوفان ثان.
5. الرواية التاريخية تؤكد أن كورش هو الذي أمر بتخريب البرج في حوالي عام 479 ق. م
6. مدوّنة آي ـ ساكلا، تقدّم في حدود عام 229 ق. م أوصافاً متكاملة للبرج.
7. هيرودتس يؤكد أن البرج كان موجوداً في أيامه، حوالي 450 ق. م.
8. هنالك اختلافات في عدد طوابق البرج بين رواية هيرودتس ورواية لوح آي ـ ساكلا.
9. هنالك في جميع الروايات تناقض كبير جداً في زمن الحادثة، فبعضها تُرجع خراب البرج إلى عصر الطوفان، وبعضها إلى قرون قريبة قبل الميلاد.

6. برج بابل، برج بورسيبا: الحضور والغياب
     لم يثبت لدينا، ونحن نعرض المرويات والمدونات، وجود برج عظيم في مدينة بابل، ولم يستطع أوسكار رويتر في كتابه «بابل: المدينة الداخلية ـ المركز» الذي خصصه لتفاصيل العمران في المدينة، أن يقدم أدلة على وجوده، بما يجعله موضوعاً للبحث شأن المباني الأخرى التي وصفها. ولم ترد إشارة في مستند الملك نابونئيد الموجّه إلى عشتار العظيمة حول البرج، على الرغم من إشارته الواضحة إلى معبد آي ـ ساكلا الذي هو قصر الآلهة(49). وإذا كان بعض الباحثين يؤكد أن البرج يقوم فوق معبد مردوخ مثل هيرودتس وعكاشة(50)، وآخرين يؤكدون انفصاله عنه، مثل رويتر وكولديوي وغيرهما فإنّ ذلك، إنما يعزز الفرضيّة الضبابيّة حول وجوده في قلب المدينة، بما يغذّي قيمة التناقض في جوهر المرويات حوله،
   أشار هـ. ج. ويلز إلى أن فكرة البرج لا تعدو أن تكون غير بقايا أسطورة بناء السومريين برجاً في نيبور للإله أنليل، وأن ذكرى ذلك البرج، ما يزال أثرها باقياً في قصة برج بابل(51)، شاهداً على توالي الأساطير في ذاكرة إنسان، ما زال وعيه بمفهوم التاريخ طريّاً. وإزاء مرويات كثيرة تتقوض، وتبطل قيمتها التاريخية، تظهر إلى العيان أخرى، تكتسب قيمتها بفعل الزمن، وحقائق التاريخ. فإذا أخذنا بالرأي الذي يقول إن البرج ينسب إلى النمرود، فإن بعض الأدلة ترجّح ذلك وتعززه، فقد أشار بنيامين التطيلي من قبل إلى أن البرج ما هو إلاّ برج بورسيبا الذي هو برج نمرود، وأن أصل لوح آي ـ ساكلا، كما أشرنا، يعود إلى بورسيبا حيث يوجد برج نمرود، وهو على مبعدة 20 كم عن مركز مدينة بابل، وأن البرج الذي ما زالت بقاياه قائمة، يماثل في أوصافه «برج بابل». وما يدعم هذا الاتجاه في الرأي، أن نمرود، كان أعدّ حيراً بحصى، وأوقده بالحطب وألقى ابراهيم فيه(52).
  ويقدم فريزر شكوكاً، تبدو في بعض مناحيها، تدعم كون برج بابل ما هو إلاّ برج بورسيبا وتخالف الرأي التقليدي حول البرج. يقول"ولا تزال الآثار الترابية لمعبدين هائلين من هذه المعابد ترى حتى اليوم في بابل، ومن المحتمل أن أسطورة برج بابل تصل بإحدى هذه المعابد أو بالآخر. ولا يزال أحد هذين المعبدين يبرز بين حطام بابل نفسها ويحمل اسم بابل. أما المعبد الآخر فيقع حطامه عند النهر قرب «بورسيبا» على بعد ثمانية أو تسعة أميال جهة الجنوب الغربي ويعرف باسم «بئرز نمرود» وقد كان الاسم القديم لهذا المعبد الذي يقع في مدينة بابل هو «آي ـ ساجيل». وكان مخصصاً لعبادة الإله «مردوك». أما الاسم القديم للمعبد الذي يقع قرب بورسيبا فهو «آي ـ زيدا» وكان مخصصاً لعبادة الإله «نبو».
    لم يتفق الباحثون حول أي من المعبدين كان في الأصل هو برج بابل، فالحكايات المحلية واليهودية تربط بين البرج الأسطوري وحطام «بئرز نمرود» الذي يقع عند بورسيبا. ونحن نعلم من مخطوط عثر عليه في هذا المكان، أن الملك البابلي القديم الذي بدأ في بناء برج المعبد عند «بورسيبا» تركه ناقصاً بدون قمة، وربما كان منظر هذا الصرح الهائل في شكله غير المكتمل هو الدافع وراء نشأة أسطورة برج بابل»(53). فضلاً عن كل هذا، فإن «النمرود» وبيوراسب والضحاك تختلط أسماؤهم وأدوارهم في التاريخ، بما يرجح أنهم كانوا شخصاً واحداً عرف في بابل في زمن ابراهيم، وأن بين خرائب «بورسيبا» وعلى مقربة من برجها، آثاراً قديمة تعرف الآن باسم إبراهيم الخليل، وهو فيما يقال المكان الذي طرح نمرود فيه ابراهيم في آتون النار، وهنا تندغم إلى حد ما رواية التوراة حول موضوع الألسن، لأن كلمة «بورسيبا» آشورية مركبة معناها «برج اللغات». مما يرجح أن أسطورة البرج، تتصل ببرج نمرود الذي حسب رواية الابشيهي، كان قائماً في عصره كأنه جبال شاهقات، دون أن تهمل العلاقة الجذرية في الأصول التي تربط «بيوراسب» بـ «بورسيبا» الذي يحتمل كثيراً أن عوامل التغيير اللغوي ميزتهما قليلاً، بعد أن كانا كلمة واحدة.

7. الأبراج الرافدينية: الفروض النظرية والتعليل
    اختلف في شأن الأسباب الكامنة وراء فكرة ظهور الأبراج في العراق القديم، وقدمت فروض نظرية، أبرزها: أن الأبراج كانت مقابر للملوك، أو أنها مراصد للمراقبة، أو أضرحة للآلهة، أو عروش للرب، أو أماكن استراحة للإله في صعوده من المعبد إلى السماء، أو أنها أماكن اقتراب للتضرع إلى الخالق، أو هي سلالم ترقى بها الملائكة إلى الله، أو أنها وجدت خوفاً من طوفان آخر(54)، وكل هذه الآراء، أو بعضها، يصلح تعليلاً لظاهرة الأبراج كونها تضع في اعتبارها، حدود تطور وعي الإنسان آنذاك، وإمكانية وجود مظاهر من التفكير الميثولوجي في بنية العقل البشري في تلك العصور، ومن بين تلك الآراء، يكتسب التفكير بأمر حدوث طوفان آخر، أهمية استثنائية، ذلك أن حادث الطوفان، تواتر واقعةً وفكرة في الذاكرة القديمة، وأصبح ـ طبقاً لمبدأ الاسم ـ التلفظ به، فعل يستحضرهُ إلى الذاكرة، وهكذا استقر في الوعي، مما جعل التفكير بدرء الخطر أمراً ملحّاً وحاضراً بصورة دائمة. فكان التفكير ببرج يحتمى به وقت الحاجة، على غرار سفينة نوح، هو الحل المقبول، لقد كان الكهنة سباقين إلى ذلك، فلا غرابة أن تظهر الأبراج بجوار المعابد، وإذا جارينا التاريخ في تياراته المتموّجة والعاصفة والغامضة، فربما يكون النمرود من أوائل من صدحت تلك الأفكار في ذهنه، فبنى نموذجاً خاصاً، سرعان ما انتشر في تلك الأنحاء، ولمّا أصبح لـ «بورسيبا» برجها الذي هو برج نمرود، كانت صورة البرج تحولت إلى قوة فاعلة في الوعي، فانزاحت الصورة لدى البابليين، لتصبح مأثرة أسطورية من مآثرهم، وتحت هذا الهاجس، المصحوب بهاجس الخوف من إله غاضب، دوّن الأحبار المرويات الأسطورية التي في حقيقتها، تحيل على أفكار أكثر مما تحيل على وقائع. وعلى هذا النحو اكتسبت الحقيقة الخطابية قوة تزيد، عن الحقيقة لو كانت أمراً واقعاً، ذلك أن تلك الحقيقة الخطابيّة كانت تُغذّى بضروب التأويل يوماً بعد آخر.
   الحاجة المستمرة إلى التعليل، والقناعة الذاتية، والطمأنينة، جعلت من اللغة قناعاً لما يمور في النفس، ونشأت الأساطير بوصفها بلاغة روحية لإقناع الذات أولاً. وأصبح لزاماً أن يعاد في المخيلة إنشاء ما كانت تقررهُ الأسماء، ولقد جرى تخصيب مستمر للمخيلة، عبر التاريخ، كي تفلح في إنشاء هياكل وصروح وجنان تطابق قوة الاسم، وتجاريه في فاعليته ودلالته. وهكذا ظهرت أساطير الخلق والمعاد. فكرة المعاد من نتاج مبدأ الاسم، لأنها نظمت مكاناً لوقائع لم تحصل بعدُ، استناداً لما تحيل عليه الألفاظ، فيما سيأتي من الزمان. الذاكرة كيان لغوي استعاري تنشط في اختلاق مسميّات غائبة وغير موجودة، إذا ما أحسّتْ بالحاجة إليها، فيمارس الاسم فعل المسمّى، ويمثل دوره في الذاكرة والمخيلة معاً، وبرج بابل، إنما هو أحد إنشاءات الاستعارة اللفظية، شأنه، شأن الفراديس الشائعة في كتب الأدب وغيرها.
   إن اللفظ الذي يستبدّ بقوته، ويولِّد سلسلة من حقائق لغوية، سرعان ما تتطور إلى حقائق خطابية، هو ما كان يتصف به الفكر القديم، فكان يحتال على نفسه بشتى ضروب البلاغة، وحسب كافكا، فإن حاجة الإنسان إلى مستقر آمن، تجعله يمتزج في الفكرة التي يريد التعبير عنها، فيصبح هو جزءاً من النظام الذي يريد وجوده، لكي يسد الشقوق التي تفتحها الحياة في أفكاره، وهكذا تكون الغربة شاملة، وآنذاك يدرك أن عالمه لا يستقيم مع نفسه، فبناء برج، على غرار برج بابل المتخيّل، إنما يعبر عن طموح بروميثيوسي عند الإنسان الذي يريد أن يبلغ عنان السماء، اعتماداً على قوته الذاتية، خوفاً من شيء أو استجابة لرغبة، فجوهر المشروع هو بناء برج يلمس السماء، أما ما عدا ذلك فهو ثانوي، وبمجرد ما نشأت هذه الفكرة العظيمة، لم تختف أبداً. فطالما وجد الإنسان على الأرض، فستكون هناك أيضاً الرغبة المتأججة، الرغبة في بناء البرج(55). أسطورة برج بابل، تسلط ضوءاً قوياً على كيفية عمل مبدأ الاسم، وعلى كيفية تمركز الأوهام حول أمر ما، وتبيّن القوة الابستمولوجية بمناحيها المختلفة للخطاب وهو يمارس حضورهُ الميتافيزيقي في تشكيل وعي الإنسان القديم.

8. المخيال الغربي: الاستعارة وإنتاج الواقعة الخطابية
   بابل، اسم علم مُسلّم به، كما يقول دريدا، ولكن حين نقول «بابل» اليوم، هل نعرف ماذا نسمّي؟ وهل نعرف منْ نسمّي؟. يضع دريدا الجواب الآتي: «إذا تأملنا ديمومة نصٍ يعدُّ تراثاً، ألا وهو حكاية أو أسطورة برج بابل، نجد أنه لا يؤلف استعارة واحدة فقط بين الاستعارات الأخرى. وبعد أن يكشف النص على الأقل عن عدم كفاية لغة بالقياس إلى لغة أخرى، وعدم كفاية مكان في الموسوعة بالقياس إلى مكان آخر، وعدم كفاية لغة بالقياس إلى نفسها وإلى المعنى وما إلى ذلك ـ يكشف أيضاً عن الحاجة إلى الاستعارة، إلى الأسطورة والمجازات والانفتالات والانعطافات» ثم يخلص قائلاً: «بهذا المفهوم سيكون أسطورة أصل الأسطورة، ومجاز المجاز، وحكاية الحكاية»(56). أيمكن توظيف هذا الأمر، في سياق البحث في أمر «برج بابل»، وهل يكون الوهم بفعل تمركزه، قد قام على وهم سابق؟
   كشف لنا استنطاق المرويات، وبينت لنا المضاهاة بينها، أن ليس ثمة واقعة، وليس يحتمل أن تكون هنالك حادثة تاريخية. إذن فكيف استقامت الأسطورة؟الأمر من ناحية أولى بسيط; فالأسطورة تقوم على أسطورة، كما يقول دريدا، وهو من ناحية ثانية، مركّب ويحتاج تعليلاً، يأخذ في الاعتبار قراءة المرويات قراءة تضع في أولوياتها الموجهات المحركة لها، والمحددات التي تحكمها من الداخل. وسيقوم لدينا البرهان، حينما نتنبه إلى ماهية رواية التوراة من جهة، وكيفيتها من جهة أخرى. وكان التحليل الداخلي والخارجي أبطلهما كما اتضح من الفقرات السالفة، ولكن تقويض رواية ما، لا يعني إبطال مفعولها، والتناقض القائم في مكوناتها، لا ينهض دليلاً على عدم أهميتها، وبخاصة في بنية ثقافية شفاهية، كان التراسل اللفظي، غير المقيّد، هو الوسيلة المهيمنة، الأمر الذي يغري بتوجيه مقاصد المرويات حسب حاجات القراءة. وهنا تتضح وجوه البرهان، فلأن رواية التوراة كانت أصلاً، بفعل عوامل دينية ووجدانية وتاريخية، لم يقمْ التفكير بإبطالها، إنما بشحنها كلما سنحت الفرصة لذلك. فالمتون الدينية تغذّيها الحواشي المتعاقبة بالقوة عبر العصور، أكثر مما تنطوي عليه هي من قوة.
  كانت قراءة التوراة محكومة بموجهات خاصة، شحنت ما تنطوي عليه بقوة جعلت المطابقة بين الدال والمدلول حقيقة، فيما تعد العلاقة بينهما عرفية ـ اعتباطية، فكيف بدالٍ لا يستوحي دلالته من أي أصل، كما هو الأمر بالنسبة لـ «برج بابل». وهنا غذّى المجاز القراءة بأسبابها، ولعبت الاستعارة دوراً حاسماً، ولأنه ليس ممكناً إبطال رواية دينية، إذن لا بد من تغذية ما توحي به، بمنظومة وقائع، تجعل الرواية سامية ورفيعة. كانت قراءة الحواشي لرواية التوراة وضعت أساساً قوياً لفعالية الاستعارة، ثم انعكست القراءة في مخيال المتلقي ليعيد إنتاج الواقعة، على سبيل الاستعارة أيضاً، كلما اقتضى الأمر ذلك، وشيئاً فشيئاً، فرضت موجهات القراءة ومحدداتها أهدافها، ولم يعد الأصل مهماً، وهو ليس مهماً في كل قراءة مماثلة، إنما أصبحت قراءة القراءة هي المهمة، بفعل تراكم السياقات وتداخلها أولاً، وبفعل تغيّر البنى الثقافية عبر العصور ثانياً. وفي كل مرة، كان يعاد إنتاج ما أوردته التوراة بصيغة تراعي عصر القراءة، أكثر مما تراعي عصر الرواية ـ الأصل، التي لم يقم الدليل على أنها كانت معنيّة بتوثيق واقعة محددة.
   كان «المخيال الغربي» ولأسباب دينية ـ حضارية بدأ ينتج، بآلياته الخاضعة لضرب معين من الثقافة، أسطورة البرج، بما يستجيب لحاجاته وتصوراته، بل وللرؤى الميتافيزيقية التي تحركه، وهو الأمر الذي يفسر لنا قول أندريه بارو إنّ الرحالة الجوابين، كانوا يرتحلون على أوهام التوراة وما جاء في سفر التكوين، ثم دعّمت هذه الركيزة، بدعامة مماثلة، فكما أن رواية التوراة أصل، فلا بد أن تكون رواية «هيرودتس» المناظرة لها في التاريخ أصلاً أيضاً، ونحن نعلم تماماً الأسباب الكامنة وراء تاريخ هيرودتس، فلم يكن التوثيق التاريخي الدقيق هاجسه، كما قال منتقدوهُ. وفيما يتصل بالشرق، فقد «صنع شرقاً» خاصاً ومغرياً، مهّد الأرضيّة الكاملة لانتشار النفوذ الروماني فيه، وهكذا، كانت «قراءة» هيرودتس للشرق عامة، وما يتصل منها ببابل على وجه الخصوص، قراءة محكومة بأهداف، وخاضعة لموجهات محددة. ثم إن التواريخ اللاحقة، لم تنقض الأصل، ولم تدقق فيه، وكل ما استطاعت أن تقدمه «التواريخ الموضوعية»، أنها لم تتفق مع «بعض» ما قالهُ هيرودتس، أو تجاهلت الأمر برمته، وصارت التواريخ اللاحقة تحتذي السابقة، وتعيد قراءتها بظروف تتغير بين زمن وآخر. إلى أن استقامت رواية الأصل في المخيال، بحيث لم يعد ممكناً نقضها، شأنها شأن رواية التوراة. وبتضافر الروايتين، والحواشي حولهما، غذّي المخيال الغربي، بموضوعه الأثير الذي جعل الأمر، يستأثر باهتمام الرحالة والمؤرخين والفنانين والكتاب لمدة طويلة من الزمن.
  وهكذا أصبحت تلك المرويات جزءاً من استراتيجية المخيال الغربي الذي يريد أن ينتج مأثور الآخر، طبقاً لحاجاته هو، وكان كل هذا قد تداخل مع استراتيجية عمل مبدأ الاسم، فتمركزت الأوهام دفعة واحدة، لأنها وجدت انسجاماً في تداخلها، الأمر الذي يفسر عدم تقاطع الرؤى القديمة الخاصة بالمرويات العراقيّة القديمة، مع ما ورد في التوراة وكتب المؤرخين، فإذا استقصينا كل ما يتصل بـ «برج بابل» وجدناه قد استأثر بـ «المخيال الغربي»، أكثر ما استأثر بعناية «المخيال الشرقي». ذلك أنه في أسطورة البرج وجد المخيال الغربي، إمكانية غير محدودة، لأن يعبر عن ماهية استراتيجية في إنتاج الآخر، وليجعل الآخر موضوعاً له وجزءاً من رؤيته ونتاجاً من نتائج قراءته الخاصة.

المصادر والمراجع
 1. سونيرون، كهان مصر القديمة، ترجمة زينب الكردي(القاهرة،الهيئة المصرية العامة للكتاب،1975)ص 138
2. روثن، علوم البابليين، ترجمة يوسف حبي، ص 47.
3. التميمي، أصول الدين(استانبول، مطبعة الدولة، 1928) ص114-130
4. الخطيب البغدادي، شرف أصحاب الحديث، تحقيق محمد سعيد أوغلي،(أنقرة، دار إحياء السنة النبوية، 1971)  ص 145 -146.
5. علوم البابليين، ص 47.
 6. جيمس فريزر، الفلكلور في العهد القديم، ترجمة نبيلة إبراهيم(القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1974) ج 1: 91 - 219 و220.
7. الفلكلور في العهد القديم، 1: 220.
8-9. أحمد سوسة، مفصل العرب واليهود في التاريخ (بغداد، دار الرشيد، 1981) ص108
 10. طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة(بغداد، دار البيان، 1973)، ص 108.
11. الزمخشري، الكشّاف(القاهرة، مطبعة الحلبي، 1968) 2:602
12-13. الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم(القاهرة، دارالمعارف، 1987) 1:
   298و291
14. المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر(بيروت، دار الأندلس، 1973)، 1: 53.
15. ابن الأثير، الكامل في التاريخ(بيروت، دار الفكر، 1978) 1:166.
16. مروج الذهب، 2: 109، والكامل، 1: 42 و196.
17. الكامل، 1: 195.
18. الأبشيهي، المستطرف من كل فن مستظرف(د. م.،  دار الفكر)، 2: 139.
19. ابن النديم، الفهرست، تحقيق رضا تجدد(طهران، 1971)، ص 105، 109، 364.
20. اندريه بارو، برج بابل، ترجمة جبرا ابراهيم جبرا) بغداد، الموسوعة الصغيرة)، ص 19.
21. روتن، تاريخ بابل، ترجمة رينيه عازار وميشال أبي عاصي، ص 102.
22. برج بابل، ص 19.
23. يرسم اللفظ بصور متعددة مثل «إيساغيل» و«ايساجيل».
24. ينظر:مقدمة في تاريخ الحضارات، ص 572، وبرج بابل، ص 22، وتاريخ بابل، ص 116.
25. ينظر، جورج رو، العراق القديم، ترجمة حسين علوان(بغداد، دار الحرية للطباعة، 1984) ص527، ولوكاس،حضارة الرقم الطينية، ترجمة يوسف عبد المسيح ثروت، بغداد، ص83، والعراق في تاريخ هيردوت، ترجمة سليم طه التكريتي، ص 15. وجدير بالذكر أن المصريين كانوا يستعملون المصطلح نفسه، انظر كهان مصر
القديمة، ص 104.
26. سليم طه التكريتي، العراق في تاريخ هيرودت، مجلة المورد، بغداد، 3/1979، ص14-15
 27. مقدمة في تاريخ الحضارات، ص 114.
28. تاريخ بابل، ص 16.
29. برج بابل، ص 28.
30. ليونهارت رادولف، رحلة المشرق، ترجمة سليم طه التكريتي(بغداد)، ص 164.
31. تاريخ بابل، ص 17.
32. برج بابل، ص 32.
33. دائرة المعارف الإسلامية، 3: 147، وابن عقيل، كتاب الفنون، تحقيق جورج مقدسي(بيروت، دار المشرق،
   1971)، 2: 725.
34. طه باقر(= مترجم) ملحمة كلكامش(بغداد، دارالرشيد للنشر، 1980)، ص244، ومقدمة في تاريخ
  الحضارات، ص 288.
35. انظر التفاصيل، مقدمة في تاريخ الحضارات، ص 428و444 و569.
36. تاريخ بابل، ص 18.
37. مقدمة في تاريخ الحضارات، ص 568.
38. م. ن. ص 301.
39. تاريخ الرسل والملوك، 1: 287.
40. مفصّل، ص 338.
41. م. ن. ص 355.
42. ابن منظور، لسان العرب، والجوهري، الصحاح في اللغة والعلوم، مادة «بلبل».
43. العراق في تاريخ هيردوت، ص 7 - 8.
44. مقدمة في تاريخ الحضارات، ص 109.
45. كونتينو، الحياة اليومية في بلاد آشور، ترجمة سليم التكريتي وبرهان التكريتي(بغداد، دارالرشيد، 1979) ص
  461.
46. 47. 48. مقدمة في تاريخ الحضارات، ص 595 و109و 110 - 114.
49. رويتر، بابل: المدينة الداخلية - المركز، ترجمة نوال خورشيد وعلي يحيى، ص 132 و76.
50. ثروت عكاشة، الفن العراقي: سومر وبابل وآشور، ص 612.
51. ويلز، معالم تاريخ الإنسانية، ترجمة عبد العزيز جاويد، ج 1: 153.
52. ابن سعد، الطبقات الكبير، تحقيق ادوارد سخو(ليدن، مطبعة بريل) 1:21
53. الفلكلور في العهد القديم، 1: 223.
54. ساكز، عظمة بابل، ترجمة عامر سليمان ابراهيم، ص 409 -410، وبرج بابل، ص 79، 81، والحياة اليومية، ص 459.
55. غارودي، واقعية بلا ضفاف، ترجمة حليم طوسون) القاهرة، دار الكاتب العربي، 1968)، ص182.
56. دريدا، برج بابل، ضمن كتاب «الترجمة والاختلاف»، تحرير جوزيف غراهام، ترجمة ماجد النجار(بغداد، دار الشؤون الثقافية 1991) ص 161.
 
www.abdullah-ibrahem.com

في ثقافات