GMT 8:00 2010 الإثنين 15 مارس GMT 17:48 2010 الخميس 18 مارس  :آخر تحديث

ويليام فولكنر “اب الواقعية السحرية”

حميد مشهداني

حميد مشهداني: حرفية فولكنر الادبية وجديته لم تسحر جيله على الاطلاق، لانه كان أكاديميا بحتا ذا أسلوب جاف وحتى خاليا من الانفعالات أحيانا. لذالك كان يعتبر كاتبا كلاسيكيا مقارنا مع معاصريه من المبدعين، يقول”جبرا إبراهيم جبرا” في مقدمته لترجمة “الصخب والعنف” في 1963. ”كتابات فولكنر ليست يسيرة القراءة. بل ان أكثر القراء كانوا يجدون بادئ الامر في أسلوبه، الطويل الجمل، المركب الصور، المعقد المبنى و المليء بالكلمات المزدوجة الصياغة إشارة الى ضرب من الفوضى الذهنية والعاطفية في المؤلف، وعائقا لهم عن تذوق فنه ”أنا شخصيا اربكتني كثيرا قراءتي الاولى لرواية “الصخب والعنف” والثانية ايضا، الى ان قرأت الترجمة الاسبانية.
فولكنر كان متقشفا جدا في حياته اليومية ذات البساطة العجيبة. هذا ما يقوله كل مرة ابن أخيه “جيمس فولكنر” الحارس الوفي ومدير تراث عمه الادبي والفني في بيته القديم في “اوكسفورد. ميسيسبي”. لا أحد يعرف سبب انزوائه في اوكسفورد، هل كان بسبب ضيق مالي أو عدم طموح بالسفر؟ رغم انه في شبابه الاول زار أوربا متصعلكا كما العديد من معاصريه مثل “همنجواى. فتزجيرالد، وهنري ميللر” وأخرين. وبعدها تسكع في “نيويورك، و نيو أورليانز ”لفترة ليعود بعدها عالمه الخاص، الذي كان يشعر بنقصه وفقدانه عناصر السحر، ومواصفات مقاطعة، كانت تتمتع بنوع من الحساسية الشاعرية والفنية. فعاد ليصوغها عالما جديدا في كتاباته، ولم يتزحزح منها الا مرات معدودة اهمها هو عقده مع شركة ”مترو غولدوين ماير” السينمائية في بداية الثلاثينيات، لذالك فمسرح معظم رواياته كان خياليا سماه “يوكناباتونا” وتعني بلغة الهنود الاصلية ”الارض المفطرة” وربما “فولكنر” كان يريد استذكار ”اليوت” ويباب ارضه. ورسم لها حدودا وأعد لها احصائية بسكانها “6298 من البيض، و9313 من السود. وهذه الخيالية سمحت له التعبير عن “هوسه” بالتاريخ والعنف وقسوة التقاليد الجنوبية، والمشاعر المكبوتة، والعنصرية والانحطاط العائلي، كثمار لتلك الحرب الاهلية بين الجنوب والشمال. 
  هو في معظم رواياته لم يترك حجرا على حجر، فبين حساسيته من اللبرالية الشمالية، وكرهه لنفاق الجنوب الاخلاقي اضطر الى خلق عالم روائي خيالي، وحتى جغرافي مفترض وهنا أستطيع القول ان “فولكنر” هو اول من وضع بذور “الواقعية السحرية” ففي مقدمة لدليل مئويته في عام 1997 التي احتفلت بها جامعة المسيسيبي كتب “غابرييل غارثيا ماركيث” التالي: “منذ قراءتي الاولى- لفولكنر- في العشرين من عمري ”الحرم” و”النور في اب” بدا لي كما كاتب من الكاريبي وصار لي واضحا اثناء وصفي أجواء ”ماكوندو” ووجدتني ابذل جهدا مريرا لكي اتجنب التشابه معه، وهذا عكس ما يعتقده البعض، فمن الصعب على كاتب محترم، هو ليس تمثيل وتقليد كتاب يحبهم بل العكس تماما وهو معرفة كيف تجنبهم. وأكتشفت لب المشكلة، وهي ان الكاريبي ليس بقعة جغرافية تحاذي البحر فقط، وإنما فضاء اكبر حجما وأكثر تعقيدا مع تركيبة ثقافية شاملة تبدأ من شمال البرازيل حتى جنوب الولايات المتحدة، ويشمل هذا بالطبع مقاطعة “يوكناباتوما”، وفي داخل هذا المنظار الواقعي لم يكن فولكنر وحده، وانما معظم روائيي الجنوب الامريكي المليئين ”بعفاريت” الكاريبي ولكن “فولكنر” هو الذي علمني الوعي بها” هنا ينتهي ماركيث.
فولكنر، بدأ شاعرا فبين عمر 16 الى 27 سنة كتب شعرا أكثر من اي شئ أخر، وقرأ واستوعب كل الرومانسيين وما بعدهم من الانجليز، وفهم الرمزية الفرنسية، والشعراء الامريكيين مثل “روبرت فروست” و”ريتشارد الدغتون” ولكن تأثره الاكبر كان ب “ت. س. اليوت” الذي الهمه في كتابة اجمل قصائده في اول دواوينه "رؤيا الربيع".
معظم الكتاب اللامعين في القرن الماضي كانوا قد بدأوا شعراء وانتهوا روائيين وقاصين من الدرجة الاولى، فطموح “فولكنر” في ان يصير شاعرا انتهى، حينما أكتشف بنفسه اولا وثم النقاد ان شعره النثري القصير والطويل، لم يستجب لروحه المبدعة، وهو عرف ان تعقيد اسلوبه في الشعر النثري كان له فضاء محدود بسبب غموض مفرداته، وسرده، لهذا يكتشف قارئ “فولكنر” في معظم رواياته حسا شعريا مرهفا يقوده احيانا الى وهمية توحي باختلاط في الاسلوب، لان مفرداته الكلاسيكية الاكاديمية، توهم القارئ بمعنى ما يريد قوله، لذالك كان كاتبا صعب القراءة جدا. احد النقاد سأله مرة ”ماذا عن القراء الذين قرؤوك مرتين أو ثلاثة ولم يفهموا شيئا؟” فأجاب الكاتب “عليهم ان يقرأوا مرة رابعة” وهذا يعني ان “فولكنر” لم يكن ليعير اية أهمية، لا للنقاد ولا حتى لقرائه. لذالك بقى سنين عديدة مجهولا من النقد والشهرة في بلده، ويبدو ان نشره رواية “الصخب والعنف” و “بينما احتضر” لم تكن كافية، كان عليه ان ينتظر نشر رواية “الحرم” لكي ترفعه الى الشهرة والثراء، وهذه الرواية بالذات كان يعتبرها من اسوأ رواياته، لانه كتبها بتكليف حسب اعترافه لاحقا، وهي الرواية التي جعلت النقاد يعتبرونه كاتبا مثيرا، بسبب كونها تصف انحطاط الجنوب الاخلاقي، وتناقضاته، اضافة الى العنف الجنسي. المعروف حينذاك عن فولكنر هو عدم شغفه بالسينما على الاطلاق، ولكن الضائقة المالية التي كان يعانيها اضطرته ان يقبل وبسرعة عقدا مع شركة “مترو غولدوين ماير” ككاتب سيناريو مقابل 500 دولار اسبوعيا، لم يكن ليصدق ان يربح هذا الراتب. فأنتقل الى “هوليوود” التي لم ينسجم معها أبدا ولكن علاقته الحميمة بسيد الانتاج والاخراج انذاك “هيوارد هيوز” الذي كان يعتبر “فولكنر” كاتبه المفضل ساعدته على تحمّل مدينة صناعة السينما، بكل تناقضاتها وريائها، وكان يخاف طعنة في الظهر صاعدا سلم شقته كما كتب مرة لواحد من اصدقائه، رغم ذلك كتب وساهم في أفلام “هيوارد هيوز” مثل “التملك أو عدم التملك” و“النوم الابدي” وأعاد كتابة العديد من السيناريوهات التي كتبها اخرين بتكليف من شركة “مترو”، وأشتغل مع “جون هيوستن” في اهم افلامه. 
  هذه تفاصيل، اكتشفتها حين وصولي اوربا، فالترجمات المحدودة الى العربية لمؤلفاته وسيرته لم تشر ولا واحدة منه الى عمله السينمائي، في اسبانيا، عدت وقرأته مرة أخرى، ولحسن الحظ أكتشفت عدم أسطوريته كما كنت أتخيله في “بغداد” الان أراه رجلا عاديا شاعرا و روائيا وكاتب سيناريو. ارى اسمه في العديد من الافلام السينمائية التى تعتبر جواهر تلك الفترة، وهذه الرؤيا الجديدة كانت تريحني فمعظم كتابات “شاندلر” وداشيل هامت” البوليسة هو حولها حوارات لافلام تأريخية معظمها كانت ببطولة “همفري بوغارت” الذي صار من أعز أصدقائه.
يحكى مرة انه كان في رحلة صيد مع “هيوارد هيوز” و”كلارك غيبل” وهذا الاخير أنفرد بفولكنر وسأله عن الكتب الحديثة التي تستحق القراءة و من هم في اعتقاده أحسن الكتاب في تلك الايام، اجاب الكاتب (همنجواي، توماس مان، وجون دوس باسوس.. وأنا) فعلق الممثل، ها؟،، حضرتك تكتب؟ فأجاب “فولكنر” نعم.. وحضرتك ماذا تعمل؟؟. هذه الحكاية تصور عدم أهتمام فولكنر بالسينما، اضافة الى عدم انسجامه مع جو “هوليوود” فلجأ الى الويسكي، وهذه كانت بداية صداقته الحميمة مع “همفري بوغارت” وبعد عدة أفلام مع شركة “مترو” انتقل الى “فوكس القرن العشرين”.
فترة “هوليوود” كانت متقطعة ففي اي مناسبة، ولو كانت قصيرة، كان يختفي سرا ليعود الى مقاطعته في “الميسيسبي” دون دراية رؤسائه في الشركة الذين وبخوه أكثر من مرة سلوكه هذا ”الصبياني” حسب تعبيرهم لذالك كان يحسد في كل مناسبة “مارسيل بروست” قائلا، ”هو يضطر مصارعة ثعابين هوليوود، يا ليتني كنت لو عشت حياتي مع “الربو” في غرفته الوثيرة تلك” ولكنه رغم ذالك يعترف متأخرا ان سنوات علاقته بالسينما كانت تجربة مثيرة أغنت رواياته اللاحقة. 
 
برشلونة. اسبانيا


في ثقافات