GMT 12:00 2010 الإثنين 3 مايو GMT 21:09 2010 الجمعة 28 مايو  :آخر تحديث

رحيل مبتكر "العقل المستقيل" المفكر المغربي الكبير عابد الجابري

أيمن بن التهامي

الدار البيضاء: توفي، صباح اليوم الاثنين، المفكر المغربي محمد عابد الجابري، وذلك عن سن تناهز75 عامًا. وقد ولد المفكر محمد الجابري، الحاصل على دكتواره الدولة في الفلسفة- جامعة محمد الخامس، أستاذ الفلسفة والفكر العربي الإسلامي، العام 1936. وأغنى المفكر المغربي المكتبة العربية بتأليفه 30 كتابًا تدور حول قضايا الفكر المعاصر. ويعد "توطين الفكر العربي" أهمها، كما أنه ترجم إلى عدة لغات. وحصل الجابري على جائزة بغداد للثقافة العربية من اليونسكو العام 1988، والجائزة المغربية للثقافة في تونس العام 1999.

ويعتبر د. الجابر من أهم المفكرين المغربيين الذين تركوا بصمة واضحة في الأدب العربي المعاصر. واستطاع محمد عابد الجابري عبر سلسلة نقد العقل العربي القيام بتحليل العقل العربي عبر دراسة المكونات والبنى الثقافية واللغوية التي بدأت من عصر التدوين ثم انتقل إلى دراسة العقل السياسي ثم الأخلاقي وهو مبتكر مصطلح "العقل المستقيل"، وهو ذلك العقل الذي يبتعد عن النقاش في القضايا الحضارية الكبرى. وفي نهاية تلك السلسلة يصل المعلم إلى نتيجة مفادها أن العقل العربي بحاجة اليوم إلى إعادة الإبتكار.

وتأرجح د. الجابري طوال مسيرته الفلسفية بين التعمق في قضايا التراث العربي والعقل العربي، وبين الانخراط في العمل السياسي الحزبي. وكثيرًا ما مال الجابري إلى اعتقاد

عبدالعزيز الحيص : رحيل الجابري... الرجل الذي كتب

مفاده أن المثقف الحقيقي ينبغي أن يظل دائمًا "فوق" السياسي، أي أن يكون المثقف هو الذي يوجه السياسي، وأن تكون السياسات التي يبنيها السياسي مبنية على ما وصل إليه المثقف من تأسيسات نظرية ومن تقديرات للمواقف.

للجابري رؤية للدين وعلاقته بالسياسة تختلف عن رؤية معظم الاتجاهات "الحداثية" على طول عالمنا العربي، فالدين بالنسبة إلى الجابري ينبغي ألا يطرح كشيء يمزق الهوية. ويعتقد أن الذين يطرحون الدين كمشكلة في المغرب -مثلا- يبالغون كثيرا! فالدين في تصور الجابري قد يكون مشكلة عندما يكون هناك تعدد ديني أو مذهبي أو طائفي.

ود. الجابر بدون منازع هو من بين الباحثين العرب القلائل، الذين كرسوا حياتهم الفكرية للحفر في قضايا التراث. وكان الدكتور محمد عابد الجابري فجر مفاجأة بقوله إن "القرآن وقع به بعض التحريف، وأن علماء الإسلام السنة اعترفوا بذلك". وقال الجابري، في مقال له بعنوان "ما قيل انه من القرآن"، إن"جميع علماء الإسلام من مفسرين وراوة حديث وغيرهم يعترفون بأن ثمة آيات وربما سورًا قد (سقطت) أو (رفعت) ولم تدرج في نص المصحف، وأنواع النقص في ذلك كثيرة".

وأضاف الجابري في رواية عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت كانت آيات سورة الأحزاب في عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم، تبلغ نحو مائتي آية، فلما كتب المصحف لم يقدر منها إلا ما هي عليه الآن، وفي رواية أخري أنها قالت: "نزلت آية الرجم ورضاع الكبير عشراً، ولقد كانت في صحيفة تحت سريري، فلما مات الرسول "صلي الله عليه وسلم" وتشاغلنا بموته دخل داجن "شاه" فأكلها. ويعد محمد عابد الجابري من بين المفكرين العرب ذوي المشاريع النظرية الأكثر لفتًا للانتباه واجتذابًا للنقاش والجدل في اللحظة الراهنة. وإذا أردنا جمع هذه المشاريع حول سؤال مشترك، يمكن القول إن الهاجس الغالب عليها هو التفكير في سؤال النهضة، مع اختلاف في كيفيات طرق السؤال والإجابة عنه، بسبب تعدد واختلاف المداخل المنهجية التي توسل بها أصحاب تلك المشاريع.

أما المدخل المنهجي الذي اختاره الأستاذ الجابري فلم يكن مدخلا سياسيا ولا اقتصاديا بل أبستملوجيا، إذ يرى أنه لا نهضة دون تحصيل آلة إنتاجها أي العقل الناهض. ولا يمكن تحصيل هذا الفكر القادر على صناعة النهضة دون نقد للعقل العربي وبحث صيرورته التاريخية وتحديد المفاهيم المتحكمة في بنيته، من أجل بيان الحاجة إلى عصر تدوين جديد يؤسس للعقل نظامًا معرفيًا قادرًا على الاستجابة للتحديات الراهنة.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات