GMT 18:03 2016 الجمعة 1 يناير GMT 16:47 2016 السبت 2 يناير  :آخر تحديث
الثقافة العربية بين الرفض والتلكؤ

مثقفون عرب: كلنا في هواء داعش سواء

محمد الحمامصي

لا شك في أن داعش أثرت في الثقافة العربية، إذ شكلت أنموذجًا تحاول أسر المسلمين كلهم، وبينهم المثقفون، في داخله. أما المواجهة فصعبة، وتستدعي العودة إلى التربية، وإلى الانصراف عن كل تلكؤ.

محمد الحمامصي: مع تسرب التطرف إلى أغلب المجتمعات العربية، والدولية، تسود اليوم ثقافة التوحش التي تطرح تساؤلات مهمة ومحورية على المثقف العربي: فهل علق هذا العربي في قفص الثقافة الداعشية ولا يستطيع الفكاك منها؟ هل يخطو المثقف العربي في 2016 خارج مقاربة "تقسيم العالم إلى كفر يجب غزوه وإخضاعه، وإسلام يجب إخضاعه لتطهيره"؟ هل يصح التمسك بالقول إن داعش والقاعدة من صنع المخابرات أو الظلم السياسي أو الحرمان الاقتصادي أم هو هروب من أس المشكلة: قصور تربوي ثقافي؟ هل يتنبه المثقف، وغيره، إلى أن الحرب على الداعشية طويلة، تبدأ الآن من التربية على الوسطية في الفكر والممارسة اليومية؟ بدا المثقف في 2015 متلكئًا، أفهذا سمة الثقافة من الآن فصاعدًا؟

لا أثر في صيرورة الفكر العربي

يقول الناقد والمفكر المغربي عبد اللطيف محفوظ إن القول إن العربي عالق في قفص الثقافة الداعشية هو في الحقيقة اعتراف بسلطة الإعلام العالمي الموجه، الذي لا تستطيع وسائل الإعلام محدودة الانتشار أن تغيره، "أما في الواقع، فما يصطلح عليه بالفكر الداعشي لا تأثير له في صيرورة الفكر العربي الحالي، فكل النصوص الإبداعية والفكرية متشبعة بوعي حداثي، والفكر الأكثر تصديًا لظاهرة الداعشية هو الفكر العربي، من خلال التحليل والنقد المتشرب بعمق للثقافة العربية".

ويرى محفوظ أنه لا يمكن جعل بداية سنة معيارًا لتغيير جدري في شكل تمثل الواقع وتمثيل حلوله، "فالوضع سيظل كما هو لأن سنة غير كافية لتغيير واقع حتى يتغير شكل تَمَثُّلِهِ، ولأن معادلة تقسيم العالم إلى كفر يجب غزوه وإخضاعه، وإسلام يجب إخضاعه لتطهيره، تقر بمحدودية هذه التصورات الاختزالية وقصورها عن إدراك واقع الفكر العربي في تعدده وغناه، فوظيفة المثقف الحقيقي هي الكشف عن زيف مثل هذه المعادلات، وإظهار النسبية والموضوعية بالاستناد إلى معايير العقل".

داعش والقاعدة من صنع المخابرات، أو... أو... قصور تربوي ثقافي، هي تأويلات تنطوي على قدر من الصدق، بحسب محفوظ، وإن كان استحضار بعضها من دون الآخر يوقع في اللبس، فلكي يعقل المرء هذه الظاهرة، لا بد أن يتصورها نتاج تخطيط متحكم به، وأن يقر بأنها وجدت التُّرْبَةَ الملائمة المتمثلة في القصور التربوي والثقافي الذي يعانيه ملايين المسلمين، وانتفاء مثل هذه الظواهر مشروط بتغيير حكوماتنا سياساتها في التعليم والإعلام، فلا بد من سياسة تعليمية مدروسة تهدف إلى تحصين الفرد من الانخداع بالإيديولوجيات الشمولية، وغرس قيم الحرية في إبداء الرأي واحترام الآخر في الرأي والاعتقاد والتَّفَكُّرِ".

ويرى محفوظ أن المثقف العربي اليوم منشغل بذاته ومشاريعه الخاصة، أو في حيرة إزاء ما يقع، "لأنه يدرك أن الظَّاهِرَ ليس سوى ظُهُورٍ ملموس لفكرة خفية مشدودة بخيوط شتى لا يعرف لا مصدرها الفعلي، ولا من يجرها ويرخيها، لذلك توارى، تاركا مكانه للإعلامي والسياسي".

سؤال عالمي

يتناول الروائي المصري صبحي موسى الأسئلة المطروحة على المثقف العربي، فيقول إنه لا يعتقد أن العربي وحده هو المعلق في الثقافة الداعشية، "فالعديد من الجنسيات معلقة بنفس المرجعيات التي تعلق بها الدواعش، والثقافة الإسلامية تحتوى على العديد من النصوص التي تحتاج إلى اتفاق جديد في تأويلها وتفسيرها بما يتناسب مع ما شهدته الحضارة الانسانية عامة من تطور أخلاقي وفكري، والمدهش أن بعض أبناء الحضارات والجنسيات الأخرى ينضمون إلى داعش ويذهبون لتفجير أنفسهم أو يقطعون أيد غيرهم أو يحرقونهم، وهو السؤال الذي ينبغي أن ينهض علماء الاجتماع وعلم النفس للإجابة عنه، وأعتقد أن داعش تخطت المسألة الاسلامية وصارت سؤالًا عالميًا عن مدى الصحة النفسية والفكرية للمجتمع الانساني في القرن الأول من الألفية الثالثة".

يرى موسى أن عام 2016 سيظل عام دهشة المثقف العربي، "ففي ظل تصاعد الأحلام بربيع عربي كبير صرنا في جوف ظلمة وتيه كبيرين، تيه لا نعرف فيه من الصواب ولا من الخطأ، لا تعرف الكفر من الإيمان، وهذه المتاهة شكلت للمثقف العربي كبرى دهشاته، ونحن جميعًا أبناء الثقافة التي اتكأ الدواعش على بعض عناصرها، ويمكن القول إن مساجدنا ومدرسونا وبعض النماذج الناجحة من أهلينا صوروا لنا هذا الأنموذج الجهادي الذي تمثله داعش الآن على أنه قمة الايمان، وتركنا نظام مبارك لهم كي يكبروا في مخيلتنا هذا الخيال والنقاء الانساني العظيم، كنا نخرج في تظاهرات لأهل بورما وفلسطين والشيشان وغيرهم هاتفين خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود، كنا نحلم أن نكون خالد بن الوليد وعمر ابن الخطاب وعبيدة ابن الجراح وغيرهم من المجاهدين، وأعتقد أن أغلبية المنطوين تحت لواء داعش الآن مؤمنين بهذا النقاء البشري الذي نسجته بفتنة عارمة اساطير المؤرخين والخطباء، إلى جانب ما لعبته أجهزة المخابرات لانتاج فيروس من نفس الثقافة، يشتبه على الخلايا البيضاء فتقوم بمهاجمته لتكتشف أنها تهاجم نفسها وتدمر نفسها بنفسها".

برأي موسى، المشكلة تكمن في أنه لا يوجد وسطية أو غير وسطية، ولا ما يسمى بتجديد الخطاب الديني، "فهذه مقولات للتورية على الاشكالية الحقيقية، وهي أن أدبياتنا التاريخية والفكرية والدينية لعبت على فكرة خلق العداء مع الآخر، والآخر استطاع أن يستفيد من هذه الرؤية العدائية ليضعنا في موقف المدافع عن الذات والهوية والثقافة، موضع المتهم دائمًا، فالمشكلة صارت في ما يعرف بالأساطير الكبري التي قيل إن ما بعد الحداثة اسقطتها، فوجدناها تعلن عودتها المسلحة بقوة".

يدافع موسى عن المثقف فيقول إنه لم يكن متلكئًا، "لكنه كان مندهشًا، وأعتقد أن دهشته ستطول قليلًا، فلم يعد الكاتب وحده هو متابع الشأن العام ومعني به وبمجرياته، لم يعد وحده صاحب القدرة على تحصيل معارف متعددة ولا صاحب القدرة على تحليلها بشكل جيد، وأعتقد أن ثورة الاتصالات جعلت المثقف القديم مجرد مهني في مجال الكتابة والقراءة فقط".

العرب والعالم

ويجيب المفكر والروائي العراقي رسول محمد رسول عن تساؤلات "إيلاف"، فيرى أن العرب مروا بمهالك فاقت المهلكة التي يتعرضون لها الآن على نحو مضاعف بسبب فئة مجرمة يقودها عقل تدميري مطلق بإدارة توحُّش فادحة. "فالعرب الآن في قفص داعش، بل العالم أيضًا، لكنّه ذاك القفص الذي تصنعه دول مارقة، عربية وغير عربية، فهل يُعقل أن يعلن العالم حربه ضد هذه الجماعة المجرمة من دون حسم؟ هذه ليست حرب على داعش، إنها مغازلة متروية قذرة، يريدها الغرب أن توجد وتكون مثلما يراد للإنسان العربي أن يكون أسيرًا داخل هذا القفص بغية إهلاكه، لكن داعش ستكون ماضٍ مثل النازية".

يقول محمد رسول إن دار الكفر ودار الإيمان ثنائية زائفة، فالمثقف العربي مبتلى بهموم عصره، لكنه الكائن الضعيف المهزوم، مشلول الفعل، وأقصد بذلك المثقف التنويري الباحث عن حرية الإنسان وأمانه في أزمنة العصف المدمر؛ فما الذي يفعله المثقف العربي ودول عملاقة بسلاحها ومالها غير قادرة على فض الاشتباك بين مطامعها وأمراضها وما يجري في عالمنا العربي، لكن هناك إرادة خلاص من كل هذا الضيم الكوني الذي يعيشه الإنسان".

ويتمسك محمد رسول بأصول داعش المخابراتية والتربوية، يقول لـ"إيلاف": "لو تسنى لأحدنا قراءة ملفات التحقيق مع مجرمي داعش الملقى القبض عليهم في العراق لبانت الحقيقة، أبو بكر البغدادي أو إبراهيم البدري كان معتقلًا في سجن بوكا، وأطلق الأميركيون سراحه بعد أن وظبوه لما يفعله الآن. أما الباقي ففقر وسوء تربية ونفخ الذاكرة بثقافة الموت، وتعبير عن حرمان جنسي، وميول مرضية أخرى".
لا توجد وسطية في قاموس محمد رسول، "وإن وجدت فدربها طويل، وفكرة الوسطية نخبوية، إلا أن الطريق إليها يبدأ الآن، فبعد حفلات جز الأعناق ومراقص جهاد النكاح وفتاوى قتل الحكام، وحروب كونية لا طائل منها، يمكن لرب أسرة ما أن يفكِّر بوسطية خجولة قد تؤت ثمارًا في يوم ما".

ويرى محمد رسول العالم اليوم كله يدور في فلك التلكؤ، "والمثقف العربي يبكي زمانه كما يبكي أي فرد في هذه المعمورة حرائق بيته ومدينته، ويبكي سبي نسائه كما يبكي أن يرى ولده وقد أصبح داعشيًا من دون علمه".

ليست فكرًا

لا يرى الروائي والمترجم التونسي جمال الجلاصي الصورة بهذه القتامة، "فالدّاعشية ليست فكرًا أو ثقافة، بل حالة نفسيّة مرضيّة وجدت في الأوضاع المتردّية للبلدان العربيّة أو بعضها مناخًا خصبا للتكاثر، ووضعيّة الاستبداد السّياسي التي تعيشها بعض البلدان العربيّة وحالة التشرذم الاجتماعي والطّائفي من السهل اختراقها، ومع وجود قوى دولية داعمة للإرهاب بالسّلاح والمال تكتمل الحلقة".

يقول الجلاصي لـ "إيلاف" إن المثّقف العربي الحقيقي لم يقسّم العالم إلى أرض جهاد وأرض سلام، ولن يفعل ذلك مستقبلًا، "فحتّى التقسيمات القوميّة لم تعد تصمد أمام خريطة المصالح السياسية الاقتصاديّة، والأرض تقسّم الآن إلى حليف اقتصادي ومنافس اقتصادي، ونظرة الأحلاف الإقليمية ستكون الأكثر عقلانية ومنطقية".

ويرى أن رد داعش إلى القصور التّربوي الثقافي وغياب الأمل وانغلاق الأفق يجعل من كلّ قاصر، فكريًّا أو عمريًّا، هدفًا سهلًا لكل الاختراقات النفسية والفكرية والدّينية، "فقلعة الموت مفتوحة منذ الأزل وتستقطب الانتحاريين المتطوّعين في كلّ الدّيانات، وعلينا أن نقرأ التاريخ مليًّا حتى نعرف أن قوانين الحضارة واحدة، والتحليل الجدلي يمنحنا استنتاجات قريبة جدّا من الموضوعيّة: لا يمكن أن تنجح مخططات الاختراق المخابراتي والظلم السياسي إلا في ظلّ واقع هشّ، والسّلطة والمثقف العربيان يعيان ضرورة التربية، فلا إمكان لمحاربة داعش بنفس السياسات الثقافية والتربوية القديمة، ولا بالأحياء القصديرية المهمشة المستثناة من برامج التهيئة والأنشطة الثقافية".

أين الرؤية؟

بالنسبة إلى الناقد حاتم الجوهري، الداعشية رد على غياب النمط والمشروع الحضاري العربي وحضور التهميش السياسي والاجتماعي والاستبداد الديني وفقهاء السلطان، "والمثقف العربي القادر على تقديم نمط حضاري وإعادة إنتاج البلاد بجدية يتم تهميشه، ونحن بحاجة إلى رؤية للتعامل مع الذات العربية وعلاقتها بالآخر، لكننا ندور في حلقات مفرغة في إنتاج فعاليات ثقافية مستهلكة جل دورها احتفالي طقوسي، لكن سقطت جدران المعبد على رؤوس كهنته".

يقول الجوهري لـ "إيلاف" إن الثقافة والتربية انعكاس للعلاقة الأساسية بين السلطة والمجتمع، النمط الحضاري وغيابه هو لب الأزمة، وكل الفعاليات التي تدعي محاربة الإرهاب بالثقافة تظل تفاصيل جزئية للاستهلاك الإعلامي، طالما لم يتغير النمط الحضاري، ولم نسع لاحترام آدمية الإنسان وتجاوز أزمة مجتمع الدوافع البدائية.

يقول الجوهري إن هناك ميراث ثقيل لتركة ثقيلة منذ التسعينيات وأسطورة مثقف السلطة الذى يدعى تنويرًا! المثقف الذى قبل أن يتفكك المشروع الحضاري لقضايا صغيرة منفصلة، قضايا المرأة والطفل والأقليات والمثليين، "وبكل صراحة إذا لم نقدم فكرة مركزية تعيد صف الواقع العربي واحدًا، سنستهلك الوقت ونحن نضع للثقافة معايير متآكلة".

قصور عام

يسلط الشاعر والباحث اليمني هاني الصلوي الضوء على قصور في الوعي والتربية ومواجهة الظواهر، يقول لـ "إيلاف": "الإعلام الموجه والغربي خصوصًا يجعلنا نتساءل إذا كان باستطاعة العربي الخروج من مأزق داعش أو لا، مع أن التساؤل المفترض لا بد أن ينحو نحو: هل علق العربي في قفص الثقافة الداعشية في أقل الأحوال، إذا لم يكن ماذا يفعل العربي تجاه من يوحون للعالم أن الظاهرة الداعشية عربية وإسلامية وخاصة بالإسلام السني تحديدًا. فنتأمل احتفاء الإعلام بالأصوات الناشزة التي تقول بالذبح والقتل وإغفال إيصال آراء الناس المتسامحين إلى المجتمعات الغربية".

ويرى الصلوي أن المثقف العربي الحقيقي خارج تقسيم العالم إلى كفر يجب غزوه وإخضاعه، وإسلام يجب إخضاعه لتطهيره،  "أما المثقفون المحسوبون على توجهات بعينها مستفيدة من نفي الظاهرة أو تأكيدها فلن ينتهوا سوى بانتهاء المصالح المرتبطة بتلك الطروحات أو غيرها، وبغض النظر عن كون داعش والقاعدة وغيرهما من صنع المخابرات أو النظم القمعية، فهناك قصور في الوعي وفي التربية وفي مواجهة الظواهر كما هي لا ما تنشده من مثاليات دوغمائية وتاريخية وعقدية، لأن ما نعول عليه في التفسير قابل للاستخدام بصيغ تتراوح من أقصى اليمين إلى أقاصي اليسار، والأديان في شكلها التراكمي تعيد كل تفسير إلى الماوراء، لذا يخلط ممارسوها بين العقائد كيقينيات وبين أبعادها العملية واليومية، ولا بد من التنبه إلى دور التربية قبل فوات الأوان، حتى لا نجد أنفسنا إزاء جيل كامل يؤمن بكل هذه القيم الطارئة، فالتربية على الوسطية إرجاء لتعرف النشء على النصوص الإشكالية حتى يمتلكوا القدرة على تفكيكها وقراءتها بحسب السياق الجديد للحياة البشرية".

يقر الصلوي بأن المثقف في 2015 بدا متلكئًا، "وهو في هذا التشتت منذ فترة طويلة، وهناك من يقول إنها بدأت مع بداية الألفية الثالثة، وهناك من يرد بداياتها إلى زمن انتهاء الحرب الباردة نهايات ثمانينيات القرن المنصرم. وهي الفترة الأكثر سيولة في تاريخ البشرية مع بزوغ أشكال جديدة للحياة وتقاطعها مع الحياة التي ولد الإنسان عليها وتطوراتها اللاحقة".

مصطلح مجاني

بالنسبة إلى الكاتب والمترجم طاهر البربري، ليس هناك ما يسمى بالثقافة الداعشية، "فهذا مصطلح ينطوي على الكثير من المجانية، ويصح أن نقول هل علق العربي في قفص الثقافة المنتجة للداعشية؟ أتصور أن الإجابة هي نعم، هو مثقف حبيس هذه الثقافة طالما ظل التعليم في العالم العربي على هذا النحو من التردي والتراجع؛ وظلت الرؤى الظلامية لفكرة الدين على حالها من الجمود. ومن ثم لن نجد في عالمنا العربي ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح مثقف أو مفكر؛ ومسألة أن يخطو المثقف خارج "تقسيم العالم إلى كفر يجب غزوه وإخضاعه، وإسلام يجب إخضاعه لتطهيره" ليس قرارًا فرديًا، ومن ثم لا توجد منظومة تجعل منه ممارسة جمعية، لأن الأمر يحتاج إلى رؤى حقيقية ونشاط يربط الإنسان بمجتمعه ومجموع أفكار هذا المجتمع وتوجهاته وأهدافه".

ويضيف لـ إيلاف": "فكرة داعش ليست صناعة عربية. العرب لا يفكرون مطلقًا. وحضور خط إنتاج دائم في الحياة العربية لإنتاج داعش وطالبان والقاعدة والإخوان وعشرات التيارات الأخرى الخارجة من عباءة الدين مسألة حيوية بالنسبة إلى الولايات المتحدة والأنظمة التي تريد إفراغ حمولة مخازنها من الأسلحة بين الحين والآخر، والحفاظ على سوق استهلاكية دائمة تستقبل منتوجات الشركات العابرة للبحار، إضافة إلى أمن الكيان الصهيوني".

ويرى البربري أن المثقف ابن ثقافته، وابن ضميره الجمعي، وابن منظومته الحاكمة حتى لو كان متمردًا عليها أو رافضًا لها، "فلا يمكن بأي شكل من الأشكال فصل المثقف عن كامل محيطه المعيشي والمعرفي والسياسي والاقتصادي".

السلطة هزمت المثقف

يقول الروائي مصطفى البلكي لـ"إيلاف": "هناك أحلام معلقة على مشانق اليأس، تملك في عمق تكوينها بذورًا يمكن بواسطتها الوصول إلى بداية جذورها، قد تسقط من طوقها فتنطلق من مساحة عدم الرضا على ما كان وما سوف يكون، وتملأ الفراغ الذي تم التخلي عنه، تدور في دوائر مغلقة لا رابط بينها وبين ما يحيط بها".

ويرى البلكي إن المثقف العربي يشبه أي مثقف في العالم من حيث تكوينه المعرفي، "لكن الاختلاف يظهر في حيز وجوده وتأثيره، فهو رغم أنه يعرف واقعه والدور المفروض أن يؤديه، فهو يبني واقعه في فضاء بلا جمهور، ولا أعتبر هذا تقصيرًا منه، فهو مشارك فيه بسبب تخاذله وعدم وجود قوة كافية تسمح له بأن يؤسس لواقع ثقافي صحي، لذلك تظل رؤيته محبوسه في أوراقه وروحه".

وفي محاربة داعش، "أن نبدأ اليوم أفضل من البداية غدًا، والمثقف يدرك هذا، وهو وحده من يملك المعرفة القادرة إلى جعله على طريق الادراك، ومن أدرك وصل، ومن وصل ثبت، والوسطية طريق واضح عليه أن يسيره".

يضيف: "حين هزمت السلطة المثقف وهمشت دوره، لزم صومعته لكنه لم ينس دوره، وما زال يحتفظ بالمساحة التي يملكها والقائمة على المعرفة".

سبات عميق

يجيب الكاتب اللبناني فادي العاكوم  عن تساؤلات "إيلاف"، فيقول: "بعد انتشار ثقافة التوحش في المنطقة العربية والعالم، لا بد من الاعتراف بأن اللوم لا يقع على الحكومات والانظمة الحاكمة وحدها، بل ايضًا على المثقفين بكافة مدارسهم ومذاهبهم الفكرية، فالأمر كان في السنوات الاخيرة أشبه بمبارزة بين المذاهب الفكرية وبين الافكار الرجعية الارهابية، والغلبة كانت للفكر الارهابي الذي تم تامين الارضية الصلبة له من قبل جماعات اسلامية كالإخوان المسلمين والجماعة الاسلامية وحزب الله، إلى أن وصل المد الفكري الارهابي إلى اوج انتشاره، بينما كان المشهد الثقافي العام يغط بسبات عميق".

بحسب العاكوم، المشكلة الاساسية التي ادت إلى انتشار القاعدة وداعش وغيرها من الكوكتيلات الارهابية تنحصر بثلاث محاور: الاول هو البيت- العائلة؛ والثاني هو المدرسة؛ والثالث هو الكتاب. لا الروابط العائلية والسلطات الابوية حافظت على وجودها، ولا المدارس حافظت على مهمتها، ولا الكتاب الصادر عن المثقف حافظ على جوهر محتواه الذي من الممكن أن يحدث الفرق، "وبإلقاء اللوم على المثقفين يُلقى اللوم ايضًا على الاحزاب السياسية التي كانت تعتمد على الثقافة لنشر الوعي والفكر الوسطي الجميل، والاغرب أن نرى بعض التنظيمات الحاملة للفكر والثقافة الارهابية تحافظ على كياناتها ووجودها وتنتشر في ظل انكماش الاحزاب العقائدية الفكرية، وهذا ما احدث فجوة استطاع الارهاب التسلل من خلالها إلى العقول الشبابية".

ويشير العاكوم إلى أن القائمين على نشر الفكر الارهابي ليسوا متوحشين غير منظمين كما يحاول البعض تصويرهم، "فإنهم لا يتحركون إلا ضمن خطط مدروسة محسوبة النتائج، ففي الغرب توجهوا نحو الجيل الثاني والثالث من المهاجرين مستغلين الشعور الدائم بالاحباط والتهميش، كما توجهوا إلى شباب الغرب الاصليين من خلال فجوة الفراغ والرغبة في القيام بنشاط مميز يخرجهم من الروتين اليومي الفارغ، اما في البلاد العربية فالفقر المدقع كان ممرًا سهلًا إلى عقول الشباب بالاضافة إلى استغلال الغرائز الجنسية والفتاوى المشبوهة الداعية إلى جهاد مزعوم يدخلهم الجنة، وبالتالي المسؤولية الملقاة على المثقفين كبيرة، والامر يحتاج إلى سنوات طويلة لتنظيف العقول من قاذورات هذه الجماعات الارهابية، فالعمل يجب أن ينصب على الفئات الشبابية الصغيرة عمرًا لتحصينها من الافكار الشاذة".

ويدعو العاكوم المثقف ليستيقظ ويبتعد عن المعارك الثقافية محدودة الافق، ويلتفت إلى محيطه الذي من المفترض أن يتلقى افكاره، "والا وصلنا إلى وقت يسطر فيه التوحش على عقول الأغلبية وتصبح المهمة اصعب، فالوسطية في الدين والافكار التنويرية والحياة الحزبية الحقيقية والفعاليات الثقافية بانواعها والفن بتفرعاته تنقلنا إلى بر الامان".

دعشنوا عقولنا

يقول الشاعر والناقد محمد الدسوقي لـ "إيلاف" إن الثقافة العربية وصلت إلى مرحلة تفتيت القيم الكبرى، "ولا يجب أن يستثني المثقف من تهمة الضلوع في دعشنة العقل العربي، فهذه مسّلمة يجب التسليم بها وإلا نكون قد فرطنا في أهم أسباب الثقافة الداعشية التي تغلغلت في المجتمعات العربية".

وبحسب الدسوقي، الحق عند مثقف في بيئة بترولية كالخليج يختلف مفهومه عن مثقف في البيئات العربية الأخرى، "ولهذا فالحق أصبح نسبيًا، ولا تعجب حين نجد بعض المثقفين يؤيدون غزو دولة كسوريا، أو يدفع باتجاه معاداة إيران الشيعية ويدعو إلي تكفيرها، هذا ليس اختلافا دينيا بل القصور في العقل الثقافي العربي بعيدا عن الكفر والإيمان".

يضيف الدسوقي: "كمثقف أرى أن داعش صنيعة دول تلعب الدور التفتيتي منذ فترة غير قصيرة، ربما تصل إلى أكثر من 30 سنة أو يزيد، فدول عربية على مدار ربع قرن أخير حرصت علي شراء السلاح الحديث بكل أنواعه وبالمليارات رغم أنها دول بلا جيش وهو شيء يشد انتباه قلة قليلة جدا من المثقفين، وفي ذات الوقت تشتري العقول والنفوس بطرق عديدة، وبالتالي بدأ الانسان المستخدم عندها قابلًا للاستعباد بعد أن برمجته علي قبول ما لم يكن يقبله في مجتمعه، إذ فرضت عليه حتى أن يرتدي أزياء معينة، بدعوي أنها تقاليد المجتمع أو الدين، وبالتالي يتعود المستخدم على طريقة حياة هي في حقيقة الأمر ثقافة مختلفة ومتخلفة هيمنت على عقله، ولهذا فانتقاله إلي مجتمعه الأصلي مصحوبة بثقافة مادية جعلته أقوى من مجتمعه الفقير، ولهذا فهو بشكل طبيعي يريد أن يمارس نفس القمع مع المحتاجين إلى ما أتي به من أموال أقترفها بالذل والخضوع والتدين الكاذب".

وعن تلكؤ المثقف في 2015، يقول: " بدا المثقف الحقيقي في حيرة من أمره، يشعر بالغربة، ولهذا هو لم يتلكأ لكنه عاجز عن الفعل، خصوصًا أن التشرذم العربي على أشده، وكل دولة تحاول النجاة بنفسها من هذا الطوفان".


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات