&

&
في أفقها التعبيري الذي يسعى إلى مزج الذات بعوالمها، بأشيائها ومعارفها صغيرة كانت أم كبيرة تمضي القصيدة، وهي إذ تفعل ذلك عبر مُنتِجِها إنما تقوم بتشكيل وعي ما خاص بالمنتِج من جهة، وخاص بطريقة إنتاجها هي نفسها من جهة أخرى.&
إن القصيدة لم تعد منذ زمن تعبر عن موضوع محدد، أو أن يكتب منتجُها في مجال: الحب، أو الوطن، أو التاريخ، أو عن حدث أو مناسبة، بل إن هذا كله أصبح يتحرك داخل القصيدة وخارجها أيضا حركة شاملة، عبر إشارات القصيدة وكلماتها، وعبرمجازاتها ورموزها وأخيلتها وصورها ومشاهدها. هكذا فإن القصيدة اليوم هي قصيدة فضاء يتسع لأكثر من رؤية وأكثر من قيمة.&
وفي ديوانها :" عشرون سيرة ذاتية للقهوة" (دار أزمنة، عمان، الطبعة الأولى 2016 ) تقفنا الشاعرة الأردنية ( الفلسطينية ) د. سميحة المصري على هذا الفضاء الذي تنتجه قصيدتها، فثمة جملة من المعارف والرؤى، وثمة مزج بين الأسطوري والمقدس، وبين الذاتي والوجودي، بين اللحظة الراهنة والتاريخ. سميحة المصري تقدم هذا كله حيالنا عبر نصوص ديوانها الذي يتشكل من ( 22) نصا. فكيف قدمت الشاعرة هذا الفضاء؟&
لقد نوعت الشاعرة في قصائدها بشكل استدرج للقصيدة جملة من المعارف، طقوسية وتاريخية وأسطورية، واحتشدت لمجموعة من الأمكنة والوقائع ، فيما مزجت هذا كله في العلاقة التقليدية الأثيرة بين الذات والعالم.&
يحمل النص الأول:" تمنيتُ لو أنهم أقاموا" بعدا رومانتيكيا حواريا بين طرفي علاقة الحب، فالمقطع يحاور المقطع، مرة بصوت الأنا ومرة بصوت الآخر، وتصبح الوردة هي المفتاح الدلالي الأول للنص الذي تستهله الشاعرة بالقول:
تمنيتُ لو كنتُ شجرة ورد كبيرة على جانب الطريق
يمرون، يحلمون، يختبئون من المطر، يتمرغون
يتفيأون ويبثون حنينهم وأنفض أوراقي عليهم&
مدعية أنها : الريح .. . / ص 13&
&
الشاعرة تتحرك أحيانا في منطقة التداعي التي قد يتيحها التكرار، بيد أنه تداعٍ يستقصي الشيء أكثر من كونه استطرادا أو إطنابا، فالقهوة التي تشكل ركنا دلاليا جليا بالديوان تصبح أكثر إغواء لهذا التداعي والاستقصاء، تقول في نهاية نصها:" كانت قهوتك أيها المساء " ( ص.ص 45-47) :&
اقرأ قهوتكَ في هبل العرافات
واكتبْ قهوتكَ حبا منقوعا في الغياب
وشمّ قهوتكَ من ثقب حلمين ليطل الصبح
هناك قهوة تُشربُ .. قلبكَ فيها بوصلة الأبد
هناك قهوةٌ تُكتبُ فاكتبها لدروب ضائعة
وقهوة تُشمّ فعطّرْ بها رحلة الوداع الأخير
وقهوة تُقرأ .. فأقرأها سلاما على من قبّلَ قلبكَ
ليرتق فتقًا هناك&
بحجم مجرة .&
&
في النصوص تتأسلبُ الكلمات لتصنع نسيجًا مخايلا، ويبدو أن الشاعرة تعمل بدقة لأسلبة كلمات محددة، ووضعها في سياقاتها المغايرة. فكما رأينا – تمثيلا – القهوة تقرأ وتكتب وتشم، كأنها تصنع حواس جديدة ، وتتخايل أبعد لتشارك القلب في رتق فتق بحجم مجرة. نجد أنها تستخدم حتى السؤال في صنع نسيجها الاستقصائي:
أنا أتصببُ ياقوتا من ندوب في كل الأماكن
من يقايضني الندوب بفراديس .. بفوانيس
؟
من يهذي بنشيد مرتجل بنقاء؟
من يقبض على حلم بلسان محب لم يأفل سحره؟
من يفصح عن سر الرمز المتقدس في هذي القصيدة؟
من يسكبه في قدح من سكر ؟&
من يعتذر لكمأة القصيدة ولسرب البندق المنتظر؟ / ص.ص 70-71&
تتتالى الأسئلة كثيرا في نصوص الديوان، وتشكل طيفًا أسلوبيا متنوعا، فيما يشكل الخطاب الدرامي بين أنا وأنت صورة أسلوبية مكبرة للحوار بين طرفين، وقد يكون حوارًا متأملا، وقد يصير حوارًا أكثر صخبًا.&
والشاعرة بالفعل في أجواء نصوصها ترسم ما عبرت عنه تماما بالقول:" وفي مثيلات هذه القصيدة، غالبا ما تجد الألوان والظلال والعطور والورود .. إلى جانب أجراس الصلوات " ص 83 .
&
سيرة القهوة
&
هل للقهوة سيرة ذاتية؟&
عنوان النص الثاني بالديوان يقول ذلك:" عشرون سيرة ذاتية للقهوة" وهو العنوان الذي اتشح به الديوان. لكن ما هي سيرة القهوة كما يقول النص ؟&
تستقصي الشاعرة القهوة إلى مداها الأبعد، فهي القهوة التي تنتجها القصيدة، وهي التي تسهم في خصوبة الشعر. القهوة عالم من الحب، وعالم من التأمل. القهوة متنوعة ، والقهوة فعل أسطوري وصوفي، وجمالي، والقهوة هي الطالع، وهي الرؤيا، وهي تستحضر عبر الموت، وتستحضر في الفرح، وتستحضر وقت الغربة، مع " العابرين والوافدين والمفرطين في الحب، مع الذين يكتبون القصائد عنا وعنهم، ويقرؤون القصائد عنا وعنهم، ويسكتون من الدهشة وثم الهشاشة عنا وعنهم" / ص 20
وإذا كانت القهوة تطوف في كل هذه المدارات، والمشاهد، - كما في الديوان - فثمة تعريفات وتسميات تزجيها الشاعرة للقهوة، كما في هذا المقطع من النص:&
أفادني طالع القهوة بأن:
القهوة: نص باذخ المرارة والغناء والرائحة
القهوة : تلك التي تذكرك بكَ .. بابيكَ وجدك ووجدك وسلالتك
القهوة: &تفسدُ بنكهة الاسمين
القهوة: تريد أهلها ندمانها سمارها . القهوة تريد أوطانها&
فريحُ الوطن قهوة، ورائحة القهوة وطن. / ص.ص 25-26&
&
...لكن من الذي يشرب القهوة وكيف؟
هذه أمور أخرى تضيفها الشاعرة كذلك لتوسع من مدارات دلالة القهوة:&
قد حانتْ ساعتها فاشربها بحرقة واكتبها بحرقة
كن شيئا جميلا وأنت تهاذيها&
كن نجديّ الهوى مثلا، كن تميميّ القصيد
كن رومي الغزل شيرازي العشق، تبريزيّ الوصول
وهاتها عاليا هاتها غاليا هاتها ابنة الروائح سليلة الشامات
المنشورة كإعلانات سوداء على جدران العالم وبواباته
وإن حانت ساعتها في الشرفة المطلة على وجدهم
ألا إن لكل شرفة قهوتها ولكل ناحية قلبُها العاشق
ولكل كأس مزاجها ورائحتها وأجفانها . / ص 21&
&
قراءة حيوية للوعي:&
تشكل القصيدة عند الشاعرة الدكتورة سميحة المصري عالما مكثفا من القراءة الحيوية للوعي، بكل صخبه ومعارفه وسكونه معا، فالقصيدة لا تعبر فحسب وإنما تكوّنُ وتشكّلُ وتصوغُ . &
في نص بعنوان:" لا تنتظرها" نحن حيال هذه الكثافة التي تُثاقفُ النص من جهة، وتمده بأوردة تناصية وفيوض معرفية تنهض بطاقات الكلمات، وتبتكر بحضورها الإشاري سياقاتها الجديدة. إنها كثافة مثاقفة متتالية تبرهن على أن الشعري قد يحتاج لارتكازات موروثة، معرفية وأسطورية، وشعرية. إن حضور هذه الإشارات هو حضور يتسلل إلى الوعي القارئ ليحكك فيه شفراته الكامنة، ويثير فيه هوى الماضي المخايل مما يجعل للنص عمقه الزمني، ويجعل الكلمات تتنفس لحظاتها القديمة والحاضرة والمقبلة، وفي مشهد من هذا النص تقول الشاعرة:
مر المواظبون على الخلود
ومر الهكسوس وثمود الأولى، وقوم نوح وجدّتكَ،&
وديميتر، وأبو لهب، وعزير، وصاحب كليلة ودمنة
وابن زيدون، والراقص مع الذئاب
وغرناطة، والهادي آدم الذي شد لك:" أغدًا ألقاكَ ؟"
ولكنها لم تمر .. يا ويح قلبك كم كان أخضر مثل خضراء الله
يا لشؤمك ، ما هازمكَ وجد إلا هزمك
يا لغباركَ ما غابرتكَ ريح إلا عفرت سكينتكَ .. ما أغبركَ
عدْ، فلا بثينة على الدرب ولا دعد، ولا يزال ميعاد هند (بعد غد)&
بقصيدة ثكلت قوافيها وتركت ضغينتها
وبخجل الندوب العتيقة على خدك وإصبعيكَ
همْ، واترك على الطريق منارات الرماد أثرًا
قد آن أن تستريح .. / ص 32&
&
لا استرابة هنا في أن الشاعرة تتحرك على مستوى زمني رأسي، يستعيد اللقطات الإشارية البادهة تاريخيا وأسطوريا وعقديا، وهذه الاستعادة تشكل عمقا للنص، بعيدا عن كونها تشكل بعدا تناصيا أو غير تناصي، فمن المهم أن تلوذ القصيدة بالتاريخ والزمن، وهي إذ تبتدع شعريتها تحرك أحداث التاريخ ووقائعه وشخوصه لا كمجرد أيقونات، أو تمائم أو حتى كقطع شطرنج لكل منها دلالة ما في حضورها، ولكن لأنها توائمُ بين لحظات ووقائع وشخوص لا يمكن أن تتلاقى إلا على الصفحة الشعرية وفي نص شعري. وإلا فما الذي يربط بين : &" ديميتر، وأبو لهب، وعزير، وصاحب كليلة ودمنة وابن زيدون" كما جاء في النص؟ وما الذي يربط بين غرناطة والشاعر الهادي آدم؟ سوى أن الشعر يجوس هنا وهناك، ويلتقط إشاراته الخصبة الدالة، صانعا مفارقاته وأيقوناته ومجازاته بقدر من الوعي الجمالي الحيوي؟&
حتى هذه اللقاءات الإشارية تلتقطها الشاعرة من وجهتها اليومية، ولكن بشكل أسطوري عقيدي أيضا، إذ تشكل أيام الأسبوع لوحة زمنية فسيفسائية – إذا صح التعبير – لتشكيل مشهد شعري متميز، تقول في النص نفسه:
لا تنتظرها في سبت الخديعة حيث تُطفأُ أنوارُ العاشقين
ولا في أحد النبي موئل الطواويس ومهبط الفراشات
ولا في ثلاثاء العسس حيث يتقاصرُ ظلها وتتهيأ أنت، ثم تتهيأ أنت
ثم تكسو السريالية الأغاني
ولا أربعاء التطير والعواصف، والحلم من أجل الهباء والبدادات
ولا أحد يسأل عنك قبل أن تنام وبعد أن تصحو
ولا الخميس حيث ترفع منارات العشق ليلا
وأنتَ لم ترمم أرواحكَ الأربعة بعدُ
ولا جمعة المنتهى والهدآت وفتح الصناديق المعبأة بالحنين.&
تجربة هذه النصوص التي تقدمها الشاعرة تجربة تحف بمكان الاستقصاء، ولا تترك الدلالة الكلية للنصوص وحيدة أو عارية إنما تستبطّنها، وتتعمقها، وتُثاقفها بقدر من الأسئلة وصولا إلى قدر من اليقين الجمالي المتميز.&
&