يطرح ديوان الشاعرة حنان علي :" من يحمل لوني عني" إشكالية التوازن النسيجي التعبيري بين الشعري والسردي. هذه الإشكالية الجمالية التي تتجلى بشكل ملحوظ في المشهد الشعري الذي تطرحه قصيدة النثر منذ سنوات عدة، فسردية المشهد الشعري قد تحف بمناطق جمالية خصبة، تجعل النص الشعري أكثر استرسالا في التعبير، وأكثر تخليا عن بنيته المركبة المحكمة التي قد تتكئ على كثافة الصورة، وكثافة المعنى وعلى تجريده بما يضمن على الأقل وجود عناصر كلاسيكية في القصيدة كالاختزال والحذف والإيجاز.&
في سردية النص قد تصبح الكتابة أكثر حيوية ، وأكثر تلمسا واستقصاء لعناصر درامية وقصصية، من دون أن يتخلى بالضرورة عن هويته التعبيرية، وعن إشراقه الشعري الباحث عن صور، ومشاهد، وأخيلة.&
إن الشكل الذي صدر فيه الديوان لا يفارق هذه الاجتهادات التي جاءت بها قصيدة النثر عبر استقصاءاتها المتتالية.&
يقع الديوان الصادر عن دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق ، الطبعة الأولى 2016 &في 96 صفحة، وقد قسمته الشاعرة إلى مقاطع مرقمة طويلة أو قصيرة بالترقيم الروماني حيث يحوي الديوان (105) مقطع ، تتراوح طولا وقصرا فأكبر المقاطع تتجاوز العشرين سطرا، وأقلها قد يقع في سطرين.&
وتختتم مقاطع الديوان بالرقم ( CV) ( 105) حسب الترقيم الروماني، وقد نجد دلالة ما في الانتهاء ب CV ربما للإشارة إلى الاختصار الإنجليزي لمصطلح: سيرة ذاتية بالمعنى العملي للسيرة لا بالمعني الأوتوبيوجرافي، كأن الشاعرة قصت سيرتها الشعرية في هذا الديوان، حيث يقول المقطع الأخير:
يلف دروبه الكونُ
يصغرُ ، يضيقُ
ينحشر في قادم الحكاية / ص 96&
وتستهل حنان علي ديوانها بالقول:&
"صراخي الأخير خلف صندوقك، كان وراءك، بعدها فقدتُ ذاكرة الصوت. لم يفهموا البارحة ما أعنيه وأنا أشير، بإيماءات الألم، البشرُ جاهلون. تتجول في المكان، رأيتك، كنتَ ترقب جسدا يتضخم، جسدي ينتفخ جذعه. لا قيمة لدموع خلف الستارة، لا ثمن لأسى يخفي في أحشائه طفلا لا يأتي، وفي البهو يندبُ أبًا لا يجرؤ على طرق الأبواب .. تغيرت كثيرا. كسولا في اقتلاع خوذة الحرب، الغبارُ يكتظّ بوجهك، يتناثر خلفكَ يلطّخُ المكان، يحط فوق حبالي الصوتية" . / ص 5&
المشهد يشير إلى حالة الفقد، وإلى حالة الأسى التي تهيمن على مقاطع الديوان ككل، وعلى آثار الحرب الحادثة التي غيرت كثيرا من المفاهيم والرؤى لدى الأجيال الشعرية السورية. إن الديوان أحد الأصداء التعبيرية لهذا الفضاء المأساوي المهيمن اليوم، ومن هنا تتوجه الشاعر إلى آخر غائب، ربما غيبته الحرب، ربما غيبه الموت، لكن هذا الآخر يومئ إلى شخصيات عدة: الأب، الأخ، الزوج، الابن... إلخ هذه الشخصيات التي تسهم في الحرب من جهة، وتشارك بحضورها أو بغيابها في صنع حالة الفقد وفي صنع هذه الأجواء المأساوية.&
صناعة الأجواء تتم عبر استحضار أماكن محددة، واستحضار شخصيات لصنع واقع شعري درامي متحاور أو متجادل، ومن هذه الأجواء يستقطر الشعر صنعته وصياغته، الشاعرة كثيرا ما تشير إلى الضيعة، تنادي الآخر : تعال إلى ضيعتنا، تعال إلى حواكيرنا المتعرجة..&
ولأن الواقع مشحون بتوتره، ومأساويته فيما تعبر الشاعرة بآماله المحتلة، وأوجاعه وقهره، فإن الشاعرة تدعو الآخر للتمرد معها : " تعال نعلن قيامتنا. أخرج من كتابك ومن أصابعك الحبر تسكبه. لنخلع عنا الضوء والعتمة... تعال لثورة تخصنا وحدنا لا أمكنة فيها لا دهور . تعال إلى قدرنا القاتل تعال " / ص 7&
ويحضر الأب ويحضر العاشق ويحضر المحارب، وتحضر الزوجة المقتولة، وتحضر الجدة & ، وتحضر الأم التي تنتظر ابنها الذي ذهب إلى الحرب، :" بك أم تهذي . أمهلها تكمل طقوس انتظارك. تشعل بخورها، توزع النذور. دعها تتجرع سمها حنينا مكتوما. لا تبعث بعودتك حياتها، اتركها بموتك تحياك. بسكينة تطفئ صوتها، اسمك تشعله. تغلق بثوبها قبرك الخاوي، بأبديّ الابتسامة تمضي إليك " / ص 16 وفي مشهد ثان:&
أريد أن أصالح ذاتي مع (الآن) الأنثى التي اغتالت قلبها الحربُ فقدت هويتها. والأب استهلكته قصاصاتُ شعره والرصاصة المرة، خذلها.. طفلته الأرملة . أعبر الحي المنكوب، أغادر كبرياء العزلة بغرفتي، أهجر القتلى. للجثث المتنقلة عطور تشي بها، ومفاتيح صدئة تهتز في الجيوب، أنجو من صميم الحكاية، من ثرثرة خيوطها من فوهات المداخن الباردة هاربة " / ص 21 وفي مشهد ثالث يعبر عن اللحظة المأساوية الراهنة:&
" يا دمشق ! لو أني مثلك يطوقني قاسيون، لم أكن لأرتاب من أسود الدخان في أطراف الحارة البعيدة، فأستعيدُ برعب ذاكرة الاتجاهات، كنت أدركت أن غيمة ملطخة بالرصاص تعبر الأمكنة وتسحل ذكراها تحاول الهروب " / ص 23&
وتتكرر مفردة" الحرب" بشكل مباشر في مقاطع متعددة بالديوان، فيما إن آثارها تصنع الأجواء الأسيانة التي تفضي إلى شعور باللا جدوى والسدى، والاغتراب الذاتي، التي تسللت إلى الفضاء الشعري السوري الراهن، صانعة أجواء مأساوية ستستمر طويلا معانقة أفق الكتابة الإبداعية الجديدة، حتى أصبح الموت أنيقا وصديقا لمختلف التعبيرات:&
"دمرت الحربُ القواعد، شطرت مكعبات البيوت، غرفها الباهتة، خشبها المهترئ. فضحت مساحات النخر ومحيطه. تعال نهرب من أضلع المستطيلات لنحرر من مخازن الزوايا القائمة أوجاعنا ودموعنا . لنقتل فيها خنوعنا . لنختر موتا أقل أناقة / ص 11&
تأكل رغيفك الحرب ص 12&
لا تزال الحرب تراوغ فجر الضيعة / ص 14&
" قابل سحنة &الحرب بأناقة، لعلها ترى في وسامتك قباحة وجهها فتنوء " / ص 17&
ومع هذه الدلالات الحربية فإن الشاعرة أحيانا تستعيد الذاكرة، هربا من المأساة الراهنة كما في المقطع الثامن عشر (ص 34-35) &– مثلا، &زمن الطفولة والصبا، الأم، الرفقة، ثوب العيد، هذه الاستعادة تصنع زمنا آخر يقاوم دلاليا زمن الواقع بقبحه وعبثه. هذه الاستعادة نوع من التضامن مع ماض مطلق في تخيله وفي جماله المقدس الذي لا ينفد.&
ومع ذلك كله يتبقى ما هو رومانسي، كأنه استعادة أخرى ضد قبح الواقع بعد استعادة الماضي، والتذكير بالحلم، رومانسية تكتب واقعها ضمن إطاره الوجداني:
لفني حول قامة الكأس فأدندنُ سكرة وجعك الأصيل
ازرعني في الأصيص المجاور للصالة. انسَ أمري
أريدُ أن أجرب غيابنا، انتظارنا ولقاءنا
أتعرف على القلق والحنين من جديد
كيف يرحلُ الخريف منا كل مرة
هناك...
في بيتكم ! & / ص 39&
&
وتستمر هذه الرؤية في نصوص كثيرة بالديوان في معظم الصفحات التي تلي الصفحة (40) بدءا من المقطع الثاني والعشرين حتى نهاية الديوان، وهي رؤية تمزج الوجداني بالواقعي المتذكر بالمتخيل، وتصبح الذات الشاعرة هي مركز التعبير ومنشأ انثيالاته.&
وعلى الرغم من عناية الشاعرة بالبعد السردي في النص، إلا أنها قد تقع أسيرة الأسلوب القصصي فيتحول النص أحيانا إلى قطعة قصصية، كما في المقطع الثالث والعشرين، في صفحة (41) الذي جاء بما يشبه القصة القصيرة على الرغم من شعريته الجلية.&

التشكيل الثاني:
بدءا من النص الحادي والعشرين ص 39 تتخذ الكتابة منحى آخر، حيث تقصر الجمل الشعرية، وتتوزع الأسطر لتأخذ شكل الكتابة الشعرية المعهود، مفارقة التشكيل السردي الأول الذي يخامره الشعريّ ، ويصبح شكل الكتابة هكذا:
&
أريد أن أجرب غيابنا، انتظارنا ولقاءنا
أتعرف على القلق والحنين من جديد
كيف يرحل الخريف منا كل مرة
هناك ...
في بيتكم / ص 39&
وبدءا من هذا النص وهذه الصفحة لا تعود الشاعرة سرديا تارة أخرى إلا في خمس نصوص، لكنها تستقصي نصوصها القصيرة التي تتناقص عباراتها تدريجيا لتقدم نصا في جملتين ص 80 يقول:
للروح سكينة
يستحضرها القهر.&
أو تقدم نصا في سطر واحد مثل: " أسير محارته، زرقتي وطنه" / ص 86&
أو حين تعبر :" للاختلاف لعنة تتلاشى عند عتبة القلب " / ص 93&
مكررة هذه الكثافة في عدد من النصوص الفلاشية الكثيفة التي تتراوح بين سطرين وأربعة أسطر .
وهذا التنويع الشكلي منح الشاعرة القدرة على بسط النصوص وقبضها تبعا لما تتيحه فاعلية الكلام الشعري واستقصاءاته.&
إن النصوص القصيرة المكثفة تعطي أن بنية الحذف تكون ماثلة، وكامنة، وتعطي أن الطاقة التشعيرية للكلمات تصبح أكثر حدة وأكثر استقطارا وإشعاعا دلاليا ورمزيا، وتعطي أن الجملة الكلمة لا الجملة هي مناط التعبير الشعري المكثف وسبيل ارتهاناته.
وعلى مستوى تشعير العبارات النصية في الديوان فإن ثمة أساليب عدة تنهض بها الشاعرة عبر كتابتها، من التكثيف، للحذف، للسؤال، لبنية النفي، لاستثمار البنى الوصفية، كذلك تتكرر آلية التعجب، كأنه فعل اندهاش ذاتي لما يحدث من مفارقات مأساوية :&
"يا لأساطير الدفء الأخضر! يا لطقوس الضوء الغريب! يا للشمس . يا لمرايا قامتي. أنسلُ النور وأرتق. أغزل وأحيك، يا للآلئ الغبار ، يا للثوب الذهبي. يا لأمنيات عتمتي / ص 6&
وتتكرر هذه الآلية في مشاهد متعددة:" يا للفقر الكريم/ يا لزحمة الوحدة/ يا للإحباط العظيم . آه منه الحنين " .
&
وبالطبع تتناثر الصور بشكل مدهش في المقاطع السردية – الشعرية، فنعثر على تعبيرات تصويرية مثل:
بوردة مجلدك القديم ألصقتُ نبرتي/ أوقدتُ هواجسي في جرف السطور/ نراقص الخراب نزرعنا في أول درب يعود/ الأجنحة المصابة بالنضوج تسحلنا صوب الجرف المنحدر/ لنختر موتا أقل أناقة/ وهي تشكيلات شعرية تحفها الاستعارات والمجازات، مشكلة بعدا بلاغيا لقصيدتها، فيما تنهمك في مقاطع عدة في استقصاء الأنا، وكتابة شجنها الذاتي، خاصة ما يتعلق بالحزن والفقد، فقد الأب، فقد الأقارب والشهداء.&
وفي كل الأحوال لا تغادر الحرب ودلالاتها المأساوية التي تهيمن حتى على العلاقات الوجدانية وتكللها بدراميات منكسرة سوداء، لا تغادر معظم صفحات الديوان، بل إنها تقود أحيانا من شدة مأساويتها إلى التأمل واستقطار الحكمة في أسئلة الوجود والمكان والزمان:
"هل رأيت اللاوجود يلتصق بالوجود، مثلنا نقيضان يتكاملان لا يفترقان لا يلتقيان... هل سألتَ اللا مكان عن هويته؟ تضاريسه، عن لهفته ومواعيده السرية؟ هل شكى لك الزمان شيبه؟ لعنة العدد وتيه الأيام ؟ / ص 44&
إن ديوان الشاعرة حنان علي يقول كثيرا فقده وأحزانه ومكابداته، سواء على المستوى السرد- شعري، أم على مستوى بناه الشعرية الفلاشية القصيرة، والشاعرة تسعى عبره إلى استقطار هذه المأساة واستقصائها عبر دلالات الكلمات كنوع من استشفاف الرؤية الإنسانية أبعد بكثير مما يفعله الفقد، ويفعله الموت، وتفعله دراما الواقع المتسارع المتقلب
&