GMT 21:54 2017 الجمعة 6 يناير GMT 16:12 2017 الجمعة 6 يناير  :آخر تحديث

إبراهيم أحمد: ملكة البر والبحر

إيلاف
قطة نحيفة رشيقة  يافعة. 
كأنها فتاة حسناء ناضجة. 
بشعر أبيض ناعم يراقصه  النسيم، يلمع تحت الشمس كنثار من غيوم.
 في عنقها قلادة؛ تنتهي تحت ذقنها الجميل بربطة على شكل فراشة. 
هي طيبة كيسة جدا.
أعرفها لكثرة ما مررت بها على هذا الطريق.
 تخرج كل يوم بمثل هذا الوقت، تجلس على هذه الصخرة تتأمل البحر،
إنها تخرج لتفكر !
 ليس فرارا من البيت وصاحبتها العجوز التي تنثر من الصباح إلى المساء ذكرياتها على حجارة الجدران، وعشب الحديقة الأصفر!
 وتنسى أن تضع في طبقها شيئاً،
غير هذه الذكريات التي تحسها القطة بطعم اللحم المجفف! 
ذكريات مالحة جدا تارة، فاهية تارة أخرى؛ كأنها من صنع طباخ أعمى!
تصيب القطة بعسر الهضم. 
القطة تخرج، بالمشي تساعد المعدة على هضم الذكريات، ولتفكر.
كثير من المارة يقفون أمامها،وهي على الصخرة المطلة على البحر، الموج يكاد يصفعها، والرذاذ يتحول في عينيها العسليتين إلى دموع! 
المارة يغادرونها؛ بين مستلطف مبتسم، ومشفق! 
لا يخطر ببالهم أبدا عجوز تطعم ذكرياتها لقطتها!
كلما حدقت بها أجدها تفكر.
 أتفكر أن تبقى وفية لهذه العجوز؛ كثيرة النشيج، العصبية أيضا؟ 
بالهرب مع أول هر يطلب يدها، أم تبقى مع العجوز؛ تواسيها حيث لا تنفع المواساة؟  
  مؤمنة هي أم ملحدة؟
بدينها وطائفتها وقوميتها؟
أنها عنصرية، أم رحبة القلب؟
في أي بلد هي؟ في أي  كوكب من هذا الكون الشاسع؟
 بحقوق الحيوان والإنسان والنبات؟
 قطار الزواج قد فاتها، وعليها أن تلحق به بالطائرة؟ 
 تشتغل بالسياسة؟  أم تنفق عمرها القصير بما هو أفضل: اللعب في سيرك،  مداعبة الأطفال في الحدائق، بيع وريقات كشف الحظ على الرصيف؟  
 لا رصيد لها في البنك، وإن عليها أن تعمل أو تسرق أو تنهب؟ 
أتفكر القطة بكل هذا؟  أم بالعجوز فقط، كيف تشفيها من هذه الذكريات اللعينة!
لا أدري!  فقط أعرف؛ 
إنها جميلة جدا، حزينة بعض الشيء، وتفكر، فهي ستعود بعد ساعات إلى البيت وقلبها يخفق بقوة، أن تجد العجوز ميتة، مختنقة بالذكريات! 
فهي تحبها كثيرا، وتبكي معها أحيانا آخر الليل!
وهي مرة أخرى جميلة جدا. 
حتى إنني كلما أعطيت مواعيدي فإنني يجب أن أحسب حسابها! 
ساعتان لتلافي التأخير!
لا مناص من ذلك، فالقطة بجمال يجعل صخرتها تعلو وتعلوا فوق الماء الهائج حتى لتغدوا عرشا لملكة على البر والبحر !
هي حزينة يصعب المرور بها سريعا. 
مهما أصطخب البحر القريب، وهاجت أمواجه، وهدد بالمد والجزر!
ibrahimhit@yahoo.com
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات