GMT 18:58 2017 الإثنين 9 يناير GMT 14:10 2017 الإثنين 9 يناير  :آخر تحديث

أوجاع تراب السكة: أَديم الضُّحى أوَّله

إيلاف

 بقلم عفت بركات

"تراب السكة" الصادرة عن دار نهضة مصر هى المجموعة القصصية الأولى للكاتبة عفاف طبالة للكبار رغم اصداراتها العديدة للأطفال . لكنها تستحق القراءة بعمق فالكاتبة استفادت من خبرتها الحياتية وذكرياتها المختزلة عبر سنين طويلة  راصدة متغيرات الواقع الآني  من خلال القضايا الانسانية التي تزدحم بها حياة المرأة في سرد إنساني يمتلأ بالمشاعر الصادقة .... بدأت المجموعة بقصة 48 فوضعت يديها على ملامحٍ انسانية في غاية الشفافية والبراءة وبلاغة السرد ..تقول على لسان الطفلة:

 - تسمرتُ في مكاني يكاد قلبي يقفز من بين ضلوعي. صرخ أخي بفرح وهو يجري نحو الباب: «بابا».. رمت أمي ما في حجرها من ملابس كانت تطبقها بعد الغسيل...... 
برعت عفاف طبالة رصد التفاصيل الدقيقة في مشاعر الأطفال شخوص الحكايات لديها بنفس المهارة في رصدها لمشاعر الكبار أيضا ، كما أنها لم تنحاز للمرأة في قصصها بل رصدت مشاعر الرجل بنفس الدقة أيضا كما في قصة " السر المدفون"  التي تعبر عن شعور البطل بالعجز ومحاولاته العديدة في ستر عجزه حتى النهاية . 
- اتخذ كل الاحتياطات حتى يضمن أنها لن تثرثر أو تلمح بسره لأحد. أحاطها بسياج خبيث خفي يعزلها برفق عن الآخرين. تنقل من مسكن للآخر حتى لا يسمح لها بتكوين صداقات حميمة مع الجيران تغري بالثرثرة والبوح بالأسرار والهموم.. 
ومشاعر الأب في " البدلة الكاكي " عقب خروجه من الخدمة العسكرية . وقصة " الكلب "  في اجترار البطل ذكريات الطفولة . واجترار توتا كذلك لمأساتها عندما ضربها الأب والأخ ففقدت احدى عينيها.
جاءت قصص المجموعة عبارة عن لوحات فنية كثيرة التفاصيل والحركة و الوصف الذي أكسبها حياة وسلاسة . فهى تزدحم بصور عديدة صانعة للحياة داخل القص وكأنك تتابع مسلسلا مرئيا وتشير إلى أن الكاتبة لديها الكثير من المخزون الذي تود البوح به ، كما أن كثرة الأفعال المضارعة داخل القصص أيضا دلت على استمرارية تعايشها للأحداث التى رصدتها رغم مرور الزمن . 
وكما استخدمت لغة قريبة جدا من المتلقي تنوع اسلوب القص لديها كما  في كل من  ( الاغتسال في البحر – المصير – سمكة على الشط – الجمل ) جاءت هذه القصص عبارة عن قصائد مشحونة بالمشاعر  .
كما تنوعت الأماكن في المجموعة أيضا ما بين البحر والمنزل والنافذة والمكتبة والدولاب والشارع ، ويلعب المكان دورا رئيسيا داخل القصة ليس هامشيا على الاطلاق  ..كما برعت أيضا في رصد المفردات كالحوائط والشرفات والتفاصيل للأماكن كما برعت في رصد مشاعر الشخوص الثرية التي جعلتها أبطالا لمجموعتها والتي جاءت جميعها من طبقة متوسطة تعاني نفس المشاعر والمشكلات .
ولا تخلو قصة من استدعاء الماضي بما يحمل من صراعاتٍ وهموم وتضافر مع الواقع الآني بقدرة فائقة على السرد ، الشخصيات لديها ليست سلبية رغم ما يحيط بها من مفارقات كما في قصة الاثنان  الزوجة التي أصرت الحفاظ على حياتها مع الزوج والابن  رغم المشاعر التي نبتت داخلها نحو الجار . وكذلك قدرة توتا على استكمال حياتها والاستمتاع بها رغم أنها تعلم أنها ستفقد بصرها تماما بعد أعوام قليلة في قصة " الكلب ".. والأم في " تراب السكة " التي أصرت على اقتحام الشارع بمفردها رغم تحذير الابن و .......
يحسب للكاتبة لغتها الشاعرية التي تلتهب بمشاعر صادقة وقوية عبر القصص كما في قصة " الاغتسال في البحر : 
- نافذة مفتوحة على مصراعيها تستقبل نسيم البحر الرطب، وشمس العصاري تهبط نحو الأفق..ناداها البحر .رمت الجميع وراء ظهرها..
وفي قصة " سمكة على الشاطئ"  تقول :
- يحبونه هادئًا.. رقصاته اهتزازة مهد طفل ينام. أحبه عاتيًا.. أمواجه عالية.. تكتسح الرمال الدافئة.. تقتلع ما عليها.. وتردها لجوفه.
وكذلك قدرتها على تغير النهايات والأماكن وقدرتها على رصدها الصراعات الداخلية  للشخوص في معظم قصص المجموعة وهى أقسى الصراعات في حياتنا على الاطلاق . 
وكما بدأت قصص المجموعة بالطفلة البطلة في 48 انتهت بموت الأم في تراب السكة وكأنها كتبت المجموعة ما بين حياة وموت ورصدت ما بينهما من مشاعر حية ، تجعلنا ننتظر منها المزيد ...تهانينا للكاتبة عفاف طبالة  صدور مجموعتها " تراب السكة " .
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات