GMT 23:59 2017 الأربعاء 18 يناير GMT 15:36 2017 الأربعاء 18 يناير  :آخر تحديث

من قصد الكتابة إلى تعدد الإيقاع: رقية مهدي في "مناورات الخلود"

عبدالله السمطي
 
 
يظلُّ قصد الكتابة عنصرًا مهمًّا من عناصر إيضاح التوجه الأدبي اليوم، خاصة مع تداخل بعض الأجناس الأدبية، وتكامل الفنون قولية وبصرية قصد إنتاج نصوص ليست لها هويتها الإجناسية الكلاسيكية بالضرورة، ولكنها بمثابة نصوص مفتوحة تقدم بهاءها التعبيري الذي يستثمر جوانب من آليات فنية متعددة، حيث يمتزج الشعري بالسردي، والقصصي بالرمزي، والحكائي الإطنابي بالمكثف، والبلاغي بالمشهدي، فضلا على استثمار المعارف والجماليات البصرية والدرامية والسينمائية التي تثري النصوص المكتوبة بشكل أو بآخر. 
هنا سيؤدي قصد الكتابة وظيفته النوعية ليشير لنا بشكل جلي، وربما تأويلي، إلى نوعية هذه الكتابة أو تلك، وإلى انتماءاتها الفنية والجمالية والتعبيرية. 
ومع نصوص الشاعرة السعودية رقية مهدي التي ينطوي عليها ديوانها:" مناورات الخلود" ( دار مسعى، البحرين الطبعة الأولى  2016) نحن حيال كتابة مفتوحة ، يمتزج فيها الشعري بالسردي، وتتطلع اللغة فيها صوب كثافتها ومجازاتها، وصوب ابتكار دهشتها الدالة. فالشاعرة تقدم بحق تجربة جديرة بالتأمل واستنطاق خصوبتها التعبيرية التي لا تقف عند حدود الشكل وهرطقة تساؤلاته، ولكنها تلج إلى الشعريّ من أبواب متعددة ورؤى تحدق فيما هو تصويري وجمالي في الدرجة الأولى. 
بداءة يتبدى من العنوان أن الشاعرة تصبو إلى قراءة أخرى للعالم، لتقفز من الواقعي إلى الميتا- واقعي، إلى هناك، حيث فرادة المطلق. هي تلك التفاصيل الخفية المخايلة المتخيلة التي تشرق في وعي الكلمات قبل أن تشرق في الوعي الداخلي للذات الشاعرة. 
ولذا تفارق الشاعرة في مناوراتها اليومي والبسيط والمألوف وهي ضمن الآليات الدلالية التي تنطوي عليها نماذج متكثرة في قصيدة النثر اليوم ، لتنتهك القصيّ والنائي عن حركة الحواس وملامساتها الحسية للأشياء .

في البنية الشكلية:
تصبو رقية مهدي إلى أن تشارف المطلق، مطلق الرؤية الشعرية للعالم، وهي لذلك تنتهك حدود الأفق الضيق لتوسع من رؤاها في استشفاف مكونات العالم. هي تكتب البعيد المخايل المتأمل، ومن هنا لا يصبح كبير استرابة في أن السؤال سوف يكون مدرجا لإجابة ما، أو للبحث عن هواجس مفتوحة لا تتأثر بالوعود الجاهزة للواقع، ولا بشجونه أو قضاياه، فثمة شجن أبعد، وثمة تحريك لحجارة العقل وفتحها كمصبات نوعية لينابيع طليقة. هكذا تكون الكتابة الشعرية سابحة وأكثر انفلاتا ومغامرة، لأن ما هو كوني يشكل أيضا سلالة تساؤلية لدى الإبداع الشعري، ولا تقف المسألة عند حدود اليومي والمألوف والمعيش وهي عناصر قريبة مشتركة لدى الجميع، لكن ما هو أبعد يظل أيضا سؤالا ملحا في التجربة الشعرية التي تبحث عن اختلافها وتميزها.  وقد اعتمدت  الشاعرة على بنية شكلية لنصوص الديوان تتمثل في تقسيمه تقسيما ثلاثيا :
- الأول: يضم سبعة نصوص حملت عناوين : السماء الأولى، السماء الثانية، حتى السابعة ( ص.ص 11-80) 
- الثاني: ما بعد السماوات، ويضم خمسة نصوص (ص.ص 81-111) 
- الثالث: جاء في عنوان : التراب قبل السماوات وبعدها ، ويضم نصًّا واحدًا بعنوان: أول الفزع (ص.ص 113-116) 
وتصدّرُ الشاعرة كل قسم بتصدير نثري لا ينأى عن لغته الشعرية، كما تصدّر كل نص من نصوص السماوات السبع بتصدير يدرج في مجال السؤال العرفاني الذي يخاصم ما هو محسوس ومجسّد، ويلاقي ما هو روحي معقول، وهذه التصديرات مكونٌ من مكونات النصوص رغم أنها أُفردت في صفحات خاصة بها، لكنها تشكل نوعا من المدخل الدلالي الذي يقود إلى التعرف على ماهية النصوص وقسماتها أو على الأقل يسعى لوضع الضوء الأول في قراءتها. 
وإذا كانت القراءة هنا تصبو للاقتراب المبدئي من الهاجس الشعري لدى رقية مهدي فإننا سنقفز مبدئيا إلى العنوان الذي يحمل :" ما بعد الشعر" ثم نعود لقراءة  بعض سماواتها بشكل مكثف. 
يتسنى لنا أن نستنتج حال قراءتنا للنص هوية شعرية ما لدى الشاعرة عبر قراءة مستهل نص:" ما بعد الشعر" وهذه الهوية تشكل رؤية الشاعرة لفن الشعر، وتشكل على الأقل نظرتها للذات وللعالم، كما تشكل كذلك الحالة الدلالية التي تبزغ من خلالها نصوصها، يقول مستهل النص: 
الشعرُ حين يكون عينًا تحدّقُ في وجه الكون المجرد، إلا من ترقب إيقاع الفتنة، الشعرُ حين يكونُ نفَسًا حارقا يلهبك، يشق طرقات روحك، يشنقك على صراط أمنياتك المضطرب، الشعر حين يقول: تخيلوا ، فيهب لك الله جناح ملك وأرواح أولياء تطوف جنة البلاغة وأضلاع الحلم المثنى. / ص 107 
 
فالشعر يحدث حين يلوذ بالرؤية/ الرؤيا، ويستند على الإيقاع بتنوعه وفيوضه، ويشق طرقات الروح ليصل إلى هناك عبر الخيال. الشاعرة تبسطُ حيالنا جملة من الدلالات التي تبين هذا الطريق القاسي الممتع طريق الشعر، وهو إذ يحدق في وجه الكون المجرد ، لا بما أثر عن هذا الكون من ثقافات أو معارف، بل في سطوعه الأوليّ بعناصره الأولى المجردة، سيُعاد تشكيله من جديد عبر الشعر، ولذا فإن الشاعرة تتوجه إلى البدء لتخلق مجالات نصوصها، وهذا البدء هو بدء كوني، بسماوات، ورؤى وكلمات وإيقاع وخيال. 
وتصبح اللغة التي يؤديها الشعر هي الكائن الأجمل:
"وفي لجة الانتظار.. يمكنكَ أن تعرف الكائن في اللغة حين يقضم خطاك، يشد صدرك، ينبهك لعاصفة ملحّة على هدير قلبك، يخبئك في دهاليز ظلك الشريد، لتستظل وحيدا بأنين البهاء بفضة وذهب يصكّان الزهر المتكئ على خاصرتك، وتكتشف الحقيقة حين ينطق فيك المحال، ويحيي ما اعتقدَه ميتًا" . / ص 108 
الكائن اللغوي يستثير التجربة، وذهنية الإبداع حتى يصل بالقصيدة إلى طرف المحال الذي يحيى عوالم وينبه فضاءات. اللغة- المحال لغة الشعريّ الذي يصل أقصى وأبعد. 

سماوات الكلمات وما بعدها: 
هي سماوات إبداعية بالتأكيد تطل من فضاء النصوص، وتصدر الشاعرة نصها:" السماء الأولى" بالقول:" دخان وماء يذرفان الصباحات، ويطوقان الذاكرة بأنهار متشحة بما يرتل على قناديل الروح" وفي أدبيات التأويل الإسلامي أن السماء الأولى من دخان، وتضيف الشاعرة إليه : الماء، وكما للدخان رمزيته التي تنجم عن تصاعد الأدخنة والآثام للأعلى، فللماء كذلك رمزيته المتعالية التي تشير أولا إلى العرش وثانيا إلى الخصوبة والحياة. 
تستهل رقية مهدي وعيها التعبيري في نص :" السماء الأولى" بحيوية الخلق الذي يتدفق عبر أشواق رائية، فالمشهد الأول من النص يرصد سيرة الكينونة، وسيرة الخلق بكثافة رائية، وقد استخدمت كلمة :" الشوق" للدلالة على هذا الشوق الأبديّ لرؤية المطلق للقبض على تجلياته وانبثاقاته، وهي كلمة لها بريقها الصوفي والروحي في الأدبيات العربية، ومنذ البدء:" كيف يبدأ الشوق بسردياته العنيفة ورياحه التي ترتفع بعواصف النهارات ورمالها، فتقتحم العروق وتتمطى داخل دواماتها المحاصرة بالهواء إلا من جهة العرش حيث الرعد الفاتن يشق غطاءها، فتنبلج قمتها وتنفرج أفخاذ خيالها عن لآلئ وياقوت وملائكة تضرب القاع فتنفجر حمى مياه وينابيع تمضي على رسلها إلى رئة الغياب الأبدي وأزقة الموت الباذخة" / ص 13 
وتتكرر أداة الاستفهام (كيف؟) لتعبر عن سؤال الماهية والكيفية التي خلق بها هذا الجمال بكل حيويته وطزاجته ومداراته، وتستمر فيوض الأسئلة التواقة بحيث " لا ينقصنا تأويل ولا تأمل" بحيث " كلما اتسعت الزرقة وزاد التصاق راحة الكف على النبض امتدت الحكاية" / ص 18 وحيث جاءت من هذا المشهد تسمية عنونان الديوان:" مناورات الخلود" . 
وتعتني رقية مهدي بالصورة بشكل جلي ، على الرغم من سردية العبارة الشعرية عندها، لكن هذه السردية مبررة جماليا لأن الشاعرة ترى هناك، وتقص رؤاها وأشواقها وحنينها، وشغفها بالمطلق، كما تعبر في نصوصها، وهي تفتح مجال" المناورات" على زخم لا يتوقف :" في زخم المناورات يزاحمنا حنين لا قدرة لنا على عنونته بحصار بهيج" / ص 19 . والنص حافل بالأسئلة المكررة من سؤال الكيفية إلى أسئلة : من، وهل، وبأيّ؟
وتحضر الشخصيات المقدسة والتاريخية ، مريم والحسين، كما تحضر المدن العتيقة (سمرقند) ويحضر السلطان والشاعر والأمير، والعالم الثمل، وغيرها مكونة عوالم هناك مجردة في المطلق كذلك حيث يتسنى للشاعرة أن تراها بعيون أخرى هي عيون التخييل الشعري.
وتختتم الشاعرة نصها :" السماء الأولى" بعبارات شعرية من بحر " الكامل" :" يا مريمية يا بتول القلب يا لحنا مضاء من حكايا .... / ص 26 لكن في رأيي أن الكتابة عبر الإيقاع العروضي لها فرادتها التعبيرية والأسلوبية ولها أسسها البازغة التي لو نقص منها عنصر نحوي أو عروضي سيخل بالمعنى وهو الأمر الذي نراه يتكرر لدى الشاعرة في عدد من الجمل والتعبيرات حيث يختل الوزن – مثالا- في هذا التعبير: " كم من نبتة تنمو على جفنيك إذ يحويهما ليل يا ريانةً مري على حلمي" . 
وقد كررت الشاعرة هذا الختام الإيقاعي لبعض نصوصها حيث اختتمت النص الثاني بإيقاعات المتدارك/ المتقارب ص.ص 34-38، وفي النصوص التالية في الصفحات 48،49/ 56،57/ 83، 87/ 88،91، 100 في إيقاعات الرمل والخفيف والكامل والمتقارب، كأنها تطرز نصوصها النثرية بهذه الإيقاعات لتثبت قدرتها الإيقاعية من جهة، وتنوع حالات التعبير الشعري بإيقاعات متعددة سوى إيقاعات النثر نفسها. بيد أن هذه المغامرة الإيقاعية تحتاج للكثير من الدأب والاعتياد لا للتخلص من أخطاء العروض والإيقاع ، ولكن للتماهي التعبيري مع الإيقاع بحيث يصبح أداة طبيعية غير مجلوبة للنصوص ، ويحدث نوعا من الهارمونية الحقيقية المستثمرة بإتقان.
ولأن الأفق الذي تصوره الشاعرة أفق كوني فإنها تلوذ بجملة من البنى الدالة التي تدور في مدارات ما هو كوني، ومن هذه البنى : ابتكار الرؤيا، فعالم الرؤى يدرج فيما هو مطلق، غيبي ، معقول، ناء غير ملموس، تصبح الروح والبصيرة والوعي الذاهب بعيدًا مناط تشكيل هذا العالم، ومن هنا تكثر دلالات الرؤى في نصوص الديوان في مشاهد متعددة . 
ومن هذه البنى الكونية كذلك : النبوءة، حيث إن استشراف القادم استشراف غيبي في المحل الأول، وهو ربما يعتمد على وقائع ماضية لتعرف القادم والتنبؤ به، والتنبؤ ربما يرتبط بالإلهام والوحي، وهما يأتيان من أرواح خفية علوية، أو من إلهامات سماوية وإلهامات إلهية، هكذا تنبثق النبوءة لتخاصم الحيز العقلي الواقعي إلى حيز ميتا – واقعي، غيبي، وتشير الشاعرة إلى النبوءة والنبوءات كما في قولها:
" لم أكن أعرف أن النبوءات تتحقق" / ص 42 ومن البنى التي تدور فيما هو كوني أيضا :" المدارات"  " ويخترق المدارات " ص/ 44 
وإذا كانت هذه الدلالات: الرؤيا، النبوءة، المدارات، تتجلى أحيانا في النصوص بشكل إشاري لا يستقصي دلالاتها الكثيفة وعمقها السماوي القصي، إلا أن كثافة التعبير الشعري واللغوي الذي تنتهجه الشاعرة هو الذي يحفزها على أن تمثل هذه الدلالات إشاريا حيث لا إطناب ولا استطراد، وحيث إن الإشارة تكفي لاستنطاق الهاجس وتتبع السؤال. 
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات