GMT 4:00 2017 الثلائاء 24 يناير GMT 5:19 2017 الأحد 29 يناير  :آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

"مرثية التخلف": هل صدقتم ترامب؟

إعداد: ابتسام الحلبي

في هذا الكتاب - السيرة، يبدو المؤلف جي دي فانس متفاجئًا من تصديق الأميركيين أن دونالد ترامب سيعيد الوظائف الصناعية ويمنع تدفق المهاجرين.

إبتسام الحلبي من بيروت: المرشح الأوفر حظًا للطبقة العاملة البيضاء في حملة الانتخابات الرئاسية هو رجل يسافر على طائرته الخاصة، ويجري مقابلاته من شقة "بنتهاوس" يملكها في مبنى مزيّن بأحرف اسمه الذهبية. عندما بدأ العمل في العقارات، "اقترض مبلغًا صغيرًا قدره مليون دولار" من والده.

السيرة الأميركية المعاصرة هي سيرة الخيبة

في صفوف الناخبين البيض غير الحائزين شهادات جامعية، يتفوّق دونالد ترامب بفارق كبير على منافسته الديمقراطية، هيلاري كلينتون. (بعد أحد انتصاراته المتعددة صاح قائلًا: "أنا أحب المفتقرين إلى العلم").

رأى فرصة وتحيّنها
يسأل جي دي فانس في كتابه "مرثية التخلف: مذكرات عائلة وثقافة في أزمة" Hillbilly Elegy: A Memoir of a Family and Culture in Crisis (منشورات هاربر. 264 صفحة؛ 27.99 دولارًا.  منشورات وليام كولينز. 14.99 جنيهًا إسترلينيًا) كيف نجح ترامب في إنجاز هذه المهمة؟، الجواب ليس بعيدًا من متناول اليد: بالطريقة نفسها التي ينجح فيها غالبًا معدومو الضمير... رأى فرصة وتحيّنها.

في الواقع، شعر الناخبون البيض المنتمون إلى الطبقة العاملة بأنّ الحزبين تخلّيا عنهم. ومع تراجع قوة النقابات، أصبح الديمقراطيون حزب الأقليات والناخبين الساحليين المتعلّمين. وما ساهم في تعزيز هذا الانقسام كانت السنوات الثماني التي تولى فيها باراك أوباما الحكم، فالناخبون البيض من الطبقة العاملة المنجذبون إلى السحر الشعبي الذي يملكه بيل كلينتون نفروا من رئيس أسود يحمل اسمًا أجنبي اللفظ وشخصية باردة بعيدة من العواطف.

في هذه الأثناء، يطالب الجمهوريون بإصرار بمسألتين: التجارة الحرة ورفع القيود، وهما سياستان، بغضّ النظر عن مزاياهما العامة، تركتا بعض الناخبين من الطبقة العاملة في وضع أسوأ. 

وفي الوقت نفسه، كان الفحم في تراجع، والأتمتة تزيد صعوبة إيجاد الوظائف الآمنة في الصناعات التحويلية ذات المهارات المنخفضة. وأصبحت الحياة بالحد الأدنى للأجور أكثر هشاشة: الدخل الأسري المعدّل، وفقًا للتضخم الذي يديره أشخاص لا يحملون شهادات جامعية، انخفض بنسبة 19 في المئة بين عامي 1999 و2014.

عظيمة من جديد
خلال تلك الفترة، ارتفعت ببطء معدلات الوفيات لدى البيض في منتصف العمر الذين لم يتلقوا تعليمًا جامعيًا، حتى في الوقت الذي انخفضت فيه هذه النسبة عند السود في منتصف العمر واللاتينيين. لم يكن المرض هو السبب، بل الانتحار وآثار تعاطي المخدرات.

تودد ترامب إلى أولئك الناخبين بالدأب نفسه الذي أهان به ناخبين آخرين، فوعد بإرجاع وظائف التصنيع ومنع تدفق المهاجرين. بالنسبة إلى الأقليات من النساء والأميركيين المثليي الجنس، يبدو شعاره "جعل أميركا عظيمة من جديد" مثل وعد بإعادة النظام الاجتماعي الذي قمعهم. لكنّ هذا لا ينطبق على الناخبين البيض من الطبقة العاملة، فالنظام السياسي الأميركي والطبقة العاملة البيضاء فقدا الإيمان في بعضها البعض.

تقدّم مذكرات فانس "مرثية التخلف" نظرة صادقة جدًا إلى ما يبدو عليه موت الإيمان بالنسبة إلى أسرة اختبرته فعلًا. لا ينتمي الناخبون البيض من الطبقة العاملة إلى منطقة أبالاتشيا الريفية، مثل عائلة فانس، لكنّ المشكلات التي يصفها واسعة الانتشار، ولن تقرأ كتابًا أهم عن أميركا هذا العام.

آتون من كنتاكي
تنحدر عائلة فانس من جاكسون، البلدة الصغيرة في كنتاكي. نشأ في ثقافة تقدّر الصلابة والشرف تقديرًا عاليًا، وكانت أسرته من عائلات الريف المَلكيّة: فجدّته تنتمي إلى سلالة "تفضّل إطلاق النار عليك على أن تتجادل معك". في أحد الأيام، جاء جده إلى المنزل ثملًا فقامت جدته التي كانت قد حذّرته من قبل أنّها ستقتله إن ثمل مجددًا بصبّ الوقود عليه، ورميه بعود كبريت مشتعل، لكنه نجا مع حروق طفيفة، بعدما أخمدت النيران ابنتهما البالغة من العمر 11 عامًا.

في عائلته، كما في عائلات أخرى مماثلة ريفية متحدرة من العرق الإسكتلندي الأيرلندي، الفقر تقليد عائلي. ففي الاقتصاد الجنوبي حيث تركّزت العبودية، كانوا عمالًا مياومين ومزارعين مستأجرين، وفي النهاية أصبح بعضهم من عمال المناجم أو المصانع.

في أربعينيات القرن الماضي، غادر أجداده المكان، مثل حال ملايين الأبالاتش البيض الفقراء، للعثور على وظائف أفضل (تزامن ذلك مع الهجرة الضخمة للأميركيين من أصل أفريقي تركوا الجنوب الريفي قاصدين مدن الشمال والغرب والوسط الغربي والشمال الشرقي). انتهى المطاف بأسرة فانس في ميدلتاون، الغنية بالفولاذ في جنوب غرب ولاية أوهايو. وعمل جده في مصنع للفولاذ، وربّى أسرة من الراتب الذي يتقاضاه.

دروس الوالدة

جي دي فانس يعرّي الأزمة الأميركية بسيرة عائلته المفصلة

بعد ذلك، تدهورت الأمور. أدمنت والدة فانس الكحول، وعاشرت رجالًا غير ملائمين. كان فانس بالكاد يعرف والده حتى أصبح في سن المراهقة تقريبًا. أما الدروس التي تعلمها من والدته عن العلاقات فتضمّنت: "لا تتحدث بنبرة طبيعية عندما يكون الصراخ نافعًا... لا بأس بالصفعة أو اللكمة، طالما أن الرجل لا يضرب أولًا... عبّر عن مشاعرك دائمًا بطريقة مهينة وجارحة لشريك حياتك".

ثم أصبح من الصعب على العمال إيجاد وظائف ثابتة من دون شهادات جامعية. في القرن العشرين، استخرج الأبالاتش الفحم وصنعوا الفولاذ الذي بنى أميركا؛ لكن، في القرن الحادي والعشرين، اتّسعت الفجوة بين أبالاتشيا والسواحل المزدهرة، ولم يتمكّن إلا عدد قليل من الناس في ميدلتاون من ردمها.

عزم وإصرار
وجد فانس الحل، فانضم إلى المارينز، ثم تخرج من ولاية أوهايو وكلية الحقوق في جامعة ييل. واليوم يعمل في شركة استثمار في سان فرانسيسكو، ويعيش حياة زوجية سعيدة. ما الذي يميّزه عن غيره؟، في الواقع، حرص جدّاه على أن يدرس بجهد، وأعطياه وأخته الكبرى نوعًا من الاستقرار. لكنه تمتّع أيضًا بالعزم والإصرار. وهو يرفض تعزية سهلة عن طريق الأعذار. 

فالإدمان مرض نوعًا ما، لكنّ الإيمان مرض بالفعل، يجعل من الأسهل تناول المزيد من الكحول. ومن الممكن أن يعتبر المدمن نفسه غير مسؤول عن أفعاله، لكنّ الحكومة لا تفرض عليه التغيّب عن العمل أو ضرب أولاده أو تحويل كل خلاف إلى نزاع دموي.

تجدر الملاحظة أن فانس من المحافظين بالمعنى الأقدم للكلمة، ووصفته العلاجية منشط منعش ضد السم الذي يبيعه لشعبه بائعون متجولون يسعون خلف مقعد الرئاسة، فيحثّ قارئ كتابه قائلًا: "علينا، نحن الريفيين، أن نصحو، ويبدأ ذلك عندما نتوقف عن إلقاء اللوم على أوباما أو بوش أو الشركات مجهولة الهوية، ونسأل أنفسنا ما الذي يمكننا القيام به لجعل الأمور أفضل".
 


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات