GMT 17:00 2017 الإثنين 30 يناير GMT 15:39 2017 الأربعاء 1 فبراير  :آخر تحديث

يسر بن جمعة تهتف: "ليتني عاهرة": نصوص مارقة بين الصخب والتأمل

عبدالله السمطي
 
اختيار العنوان المثير كوسم تعبيري لعمل إبداعي يعطي مساحة تلقِّ مشمولة بالتساؤل وبالتأويل الدينامي الذي يحرك الهواجس، ويبعثر الدلالات صوب الوصول إلى مغزى ما لقراءة هذا العنوان أو ذاك قراءة واعية، ولقد اختارت الشاعرة التونسية يسر بن جمعة عنوانا مثيرا وملفتا لديوانها الشعري حيث أصدرته تحت مسمى:" ليتني عاهرة" ( العربية برانت للطباعة والنشر، تونس – ديسمبر 2016) وإذا قرأنا العنوان من جانبه اللغوي سوف نحرك القراءة صوب أسلوب التمني ، ونقول : إن الشاعرة تتمنى أن تصبح " عاهرة" بما للكلمة من رنين وأصداء تقع في نطاق الخطيئة، والفساد، والشر. وأن هذا التمني سيصبح وفق الأعراف والتابوهات جريمة اجتماعية في حق من يتمنى ذلك. ف " ليت" المضاف إليها ياء الملكية، الفاصل بينهما نون الوقاية تومئ مباشرة إلى صاحبة العمل الإبداعي، أو بتأويل ما إلى الذات الشاعرة وقت إصدار العمل الشعري، والذات الشاعرة قد تتبدل وتختلف وتتناقض شعريا ما بين عمل شعري وآخر، بل بين قصيدة وأخرى، و" عاهرة" صفة ضد التابو بمختلف أنواعه، على الأقل المقدس والاجتماعي. هذه قراءة أولية قد يثيرها العنوان للوهلة الأولى. 
بيد أن التأمل في العنوان، وما ينطوي عليه من نصوص، يشير إلى وجهة ضدية أخرى، قوامها المفارقة، والسخرية من التقاليد، فالشاعرة لا تتمنى هنا، لكنها تنفي هذه الصفة، بشكل مفارق. كأنها ترد على متسائليها ضمنيا بالقول:" ليتني عاهرة" كنت فعلتُ كذا وكذا. لكنني لست عاهرة. وهذا الأسلوب / النقيض الضمني موجود في اللغة العربية، ففي القرآن الكريم: ( فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا )  ( مريم الآية 23) وفي الشعر مثلا كما في الشطر الثاني من البيت:
وليت الذي بيني وبينك عامر
وبيني وبين العالمين خرابُ 
فالسيدة مريم لا تتمنى الموت تماما، والشاعر لا يتمنى خراب العالمين، لأنه لن يوجد وتظهر براعته وفروسيته إلا بوجود الآخرين. ولكنها المبالغة الضدية المفارقة. ومن اليقيني أن هذا العنوان يحدث نوعًا من الجاذبية القارئة، كما أنه يصدم القارئ ليبحث في وعي آخر، وفي تأويل آخر. 
وليس بعيدا عن العنوان تصدير الشاعرةُ ديوانَها بإهداء يقول:" إلى الإنسان الحرّ أينما كان" فالحرية نسق ونظام ورؤية ضد أنساق جامدة، وضد رؤى أخرى مغايرة، وهي فضاء طليق كلما صعدت أسوار سعى لهدمها وابتداع حريات أخرى أكثر طلاقة. 
 
ضد العهرأم ضد التابو:
تستهل الشاعرة ديوانها بالعنوان المثير :" ليتني عاهرة" ( ص.ص 4-6) نفسه كنص أول يشارف مغزى الضدية ، ويقف هناك – بوجه تأويلي- في الطرف النقيض لما يدل عليه العنوان في بداهته الأولى، والنص يتشكل من ثلاثة مقاطع، تختتم كل مقطع بتكرار لازمة تعبيرية هي :" وتحبني ابنتي أكثر" يقول النص:
ليتنس عاهرة 
أنامُ كل ليلة
على فراش وثير
بجانب كتلة من المال
تُسمّى : زوجي
وأصحو كل صباح
أتقيأ من رائحة يديه الثريتين
وتحبني ابنتي أكثر
 
ليتني عاهرة
أعيشُ في منزل فخم
مليء بالخادمات الأجنبيات
فيقال عني سيدة مجتمع
أشتري فساتين كثيرة
على الموضة، 
وآكل على الموضة
وأشرب على الموضة
وأتبرز على الموضة
وتحبني ابنتي أكثر
 
أقضي إجازتي السنوية في جزر ال " باليار"
وأنام مع أول شاب يطلبني للرقص
ويقال عني: زوجة فاضلة، وأم رائعة
ليتني عاهرة
أملك صندوقًا كبيرًا من المجوهرات
وحسابًا بنكيا أكبر أنفق منه على عشيقي الأصغر مني سنا
وتحبني ابنتي أكثر ...
يندرج النص في مجال النقد الاجتماعي، كهوية تأويلية أولية، وهو بمباشرته، وتخليه عن عمق التصوير، وتخليه عن الحالات الرمزية للمعنى الشعري واصطفاؤه أن يكون مباشرا وحادا مسنونا يشارف هذا الأفق التعبيري التداولي الذي يلعب بشكل كلي على المفارقة الضدية، فهو إذ ينقد صورة من صور المجتمع الذي تتخلى فيه المرأة عن رزانة الكبرياء وجسارته، لتلهث وراء المال بأية وسيلة حتى لو كانت هذه الوسيلة هي " العهر" يسعى إلى مشارفة الوجه الآخر الرافض لهذه الوسائل، وعلى الرغم من اندراج النص من وجهة فنية في المجال السردي وتوظيفه لآلياته بيد أن صرخته الضدية المفارقة أضفت عليه صبغة شعرية مع اللازمة المكررة، ومع حضور الأفق الساخر المتواري / الجلي معا. 
ربما يمضي هذا النص فنيا على خلاف ما تقدمه الشاعرة من نصوص أخرى بالديوان، حيث تستشعر قيمة أن يؤكد ما هو جمالي على صورة أداء الشاعرة ، وعلى مدى انشغالها بهويتها الفنية، وهو الأمر الذي تؤكده نصوص كثيرة مثل: فسيفساء جبل جليدي ( ص . ص 7-8) و" حكمة فراشة " (ص.ص 13-14) ونحيب الكمان (ص.ص 15-17) و" الفراشات الزرقاء" (ص.ص 18 -19) – تمثيلا- حيث التصوير الشعري ذو الإيقاع الأكثر تأملا، والأقل صمتا، حيث صوت الكمان يعزف نحيبا صامتا " يقرر أن يسميه حياة واحدة لا تكفي لنكون معا" و" المدينة نائمة تماما، والشمس متطلعة لغد يأتي من زوايا الغياب" / ص 21 
بيد أن الصورة الأكثر صخبًا بالديوان تتجسد في الموقف من الواقع الرديء، ومقاومة قبح العالم. الذات الشاعرة بالديوان ذات مواجهة، وقادرة على أن تقدم وقائع حادة تبرز ثورة الكلمات نفسها في مقابل الإحساس العارم بالفقد، فقد الثورة وفقد القيم الوطنية، ويبدو أن الشعور بالخسارات الدائمة من تفكك ثورات الربيع العربي وتلاشيها، وإماتتها أغلب الأحيان، جعلها تفقد بريقها التاريخي الأول، وبدلا من أن تصبح حلما أصبحت على أيدي المدلسين كابوسا مرعبا كلما تواردت ذكراه. ها هنا يسر بن جمعة تمتلك مشيئة المفارقة والتعبير بصوت صاخب عن أمداء الألم. ولهذا نجد أن ثمة نصوصا كثيرة تعبر عن العهر السياسي وربما الاجتماعي، وعن فقدان الصورة الوطنية المثلى، بل وتتخذ من العناوين المثيرة مدرجا للتعبير عن قسماتها الشعرية متأثرة بشكل أو بآخر بما كان يطرحه شعراء الرفض العرب مثل: نزار قباني ومظفر النواب وأحمد مطر وأمل دنقل من تمثل الصوت المباشر الأكثر صخبا والأكثر مفارقة. 
ومن النصوص الصادمة:" المومس والسياسي" ( ص.ص 9-12) و" أنوثة جامحة" ( ص.ص 26- 28) و" عاهرون ونفتخر" ( ص.ص 36-38) و " وتسمى ثورة" ( ص.ص 39-40) و" نكاح على مذهب أمير المؤمنين" ( ص.ص 64-66) و" مزاد لبيع ما لا يباع" ( ص.ص 68-70) 
إن شعورا كبيرا بالفقد تبديه الشاعرة، يتجلى في نصوص أخرى مثل " قفز في العتمة" ومنه:
مسيجة كل المقابر في بلادي
برائحة الخيانات العالقة على أفواه الموتى
وكل الذين مازالوا على قيد الوفاء
أكلتهم يد النقرس الوطني
كيف لجسدي العاري
أن يهرب من خطايا الثياب؟
وهذا القماش المزركش بالعار
والذي جاءت به انتخابات نزيهة
لا يكفي مترا واحدا من ولعي بالبياض
كيف لهذا الصباح المضرج بالعتمة
أن يوزع هداياه بالتساوي
على أطفال فقراء 
إلا من الهزيمة الوطنية؟ / ص.ص 23-24 
وهذا الفقد والشعور بالمرارة أو بالخسارة يتكرر في نصوص عدة مثل :" يقولون ثورة" :
المشنقة للأوفياء
والوطن للصوص، والحكم للأوغاد
فأين ستبيتون الليلة
يا من تكتبون بحبر الوريد؟ / ص 39 
ومع كل هذه الدراما والمآسي الشعرية واللا شعرية، تتمسك الشاعرة بأمل ما تصنعه إشراقة شمس جديدة، كما في النص الأخير الذي عنونته ب:" لكي لا أموت قهرا" / ص 85 :
لكي لا أموت قهرًا
أتخيل أنني أعيش على أرض أطرافها بيضاء
كزهرة بابونج
أزرعها كل يوم بيدي اليسرى
فتنبت شموسًا .
الأمل الشعري يكمن أخيرا في هذه الشموس البيضاء النابتة الأكثر توهجا وسطوعا. 
 
وجازة النص:
 
يتضمن الديوان جملة من النصوص القصيرة الومضية، أو الفلاشية، يبلغ عددها (28) نصا ، تتراوح بين 5-7 أسطر، هذا فضلا عن أن نصوص الديوان كلها لا يتجاوز أطولها الصفحات الأربع، ويبدو أن الشاعرة العربية ترتاح تعبيريا لهذا القصر والكثافة والوجازة، فهي سمة موجودة لدى تجارب شعرية نسوية متعددة، بل تشكل ظاهرة تعبيرية في الشعر العربي الراهن. 
وتمنح هذه النصوص لشاعرها تأكيده الدائم على قيم الكثافة والمفارقة وعلى أن تشع كل كلمة تقريبا في النص طاقتها القصوى لتشكل سياقاتها الإشارية والرمزية أو حتى سياقاتها المباشرة لكنها تكون أكثر صلادة في أداء قيمها الفنية. وعبر هذا القصر والوجازة تقدم الشاعرة حالات شعرية متكثرة، فهي قد تبحث عن السعادة ، كما في:ط " سأكون سعيدة":
اليوم سأقلد النافذة
سأفتح قلبي على مصراعيه
وأعانقُ الهواء الهارب من الغرفة
سأشرب نخب الحمام الذي رفض الدخول
وأضحكُ من السرب المارّ فوق بيتي
ألا يكفي هذا لأكون سعيدة؟/ ص 81 
وقد تتأمل في الفراشات، والأسماك، والقمر، والبحر، والطبيعة، وقد تتأمل في ذاتها، أو تتحاور مع سحابة عابرة وهي في هذه الأجواء جميعا، تقاوم الفقد والألم من جهة، فيما تقاوم القبح والخراب والرداءة من جهة ثانية، كما قاوم بيع القيم وبيع الأوطان من جهة ثالثة.  " مللتُ ترقيع ثياب الموتى وملامسة غبار التلال" / ص 78 
وإذا كانت الصورة الكلية للديوان تؤكد على فعل المقاومة والتمرد، بدءا من العنوان حتى النهاية، مرورا بالنصوص الصاخبة المسنوة أو المفارقة أو المتأملة، فإن الشاعرة يسر بن جمعة قدمت صرختها الشعرية مباشرة أو غير مباشرة، كما أبرزت حالة أخرى أكثر صخبا وجدلا يمكن أن تستثمرها القصيدة النثرية في ملامسة الواقع والاقتراب مما هو اجتماعي وسياسي، والسعي لتحطيم تابوهات تعمل على تعميق الجراح فيما يعمل الشعر على تأكيد المثال والبحث عن خلاص حقيقي وصولا لعالم أنقى وأمثل وأكثر دلالة في مختلف صيغه الإنسانية قبل الجمالية. 

 


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات