GMT 13:54 2017 الثلائاء 3 أكتوبر GMT 20:14 2017 الأحد 8 أكتوبر  :آخر تحديث

إبراهيم أحمد: داخل حسن!

إيلاف

   

يمتد صوته خيطا حريريا تقف عليه طيور الدنيا تغني، ومن الجانيين هناك صوت مؤذن وأرغن في كنيسة!
يبوح بأسراره للنساء حاصدات القمح فيضحكن حتى المساء!
 حنجرته تلك القبة الذهبية النانئة في عنقه كبقايا سيف تصير فجأة محراب كل مجهول مرتجى! 
ينهال عليها مطر وجفاف، غيم وصحو، ليل ونهار، حزن الثاكلات، أنين العاشقين المسلولين وتظل بفصاحة هدهد! 
وهذا الحزن كيف انبثق من براعم خضر على شجر الغراف؟ 
وصار فرحا؟ وخمرة في العروق؟
 هو صانع سخي للخمرة تسكب مجانا من ينابيع على الطريق! 
 هذا الأسمر النحيل 
يخطر فارسا مرتديا ثياب عرسه دائما 
 فكل أغنية هي عروسه تلك الليلة! 
أوتاره تفتح أبوابا على الدنيا المقفلة!
تدخل وتخرج منها طيور آبدة ومهاجرة، فيمازج عسلها
بزيتون وأعشاب تنبت على جدران أيام قاحلة!
فهو يعرف بخبرة حكيم أن الحلاوة المفرطة قاتلة!
 تلك البحة هي الكحل في العيون الصافية، والعتب الخجول بعد هجر طويل! 
عندما انطفأت أنوار آخر المعابد السومرية لجأت قيثاراتها إلى بيته 
فحملها بين جوانحه، تحت عبائته، يلقي نغماتها في القلوب كما يلقي حاكم عادل حجته وأحكامه! سكب عبرات الماضي في الكؤوس متساوية، وقال أشربوها واسكروا آمنين! 
بحار كثيرة حوله، قواقع وشجيرات مرجان تتعثر بها قدماه! 
 وجوه تخفق وتلوح له من بعيد!
 نساء كثيرات بكين مصائرهن،وأرحن جباههن على صوته الصلد كالرخام! 
أطلق ألحان غواياته إلي حزم النور كما يطلق صائد في الهور فالته إلى السمك، كلاهما يمسك صيده، فلا يرضى بقدره، ولا يلعنه! 
كثيرون كانوا يعتصرون صوته طلبا للمزيد من الماء يبلون به قلوبهم الظامئة، 
كانت المذياعات في طول البلاد وعرضها تفيض بالدموع! 
ومن يلومه؟ 
غزلان وحمائم كثيرة جريحة في البلاد 
عشاق ماتوا كمدا كان عليه أن يقيم قيامتهم كل أسبوع ! 
وعندما مرت النجوم المحترقة بحقول الرز، وتراجعت رائحة العنبر إلى مياه راكدة عند الشامية؛ صارت التجاعيد تملأ وجهه 
حاول صوته أن يزوغ عن تجاعيد الأرض والزمان ويظل محدقا بوجه البلاد كما رآه يوم مسقط رأسه! 
 ظل يدور الليالي هائما بين البارات، أراد أن يلم الأحزان كلها في حنجرته بسلمها للرياح، ويطلق خلفها الكلاب علها تنهشها وتختفي إلى الأبد! 
غنى آخر مرة في ملعب غص بشباب بأيديهم زجاجات الكوكاكولا، راحوا يصرخون هازئين من سبحته؛ مطالبين بمطرب جديد كلما سمعت صوته الطيور تفر كما لو من بندقية صيد!
 هم لم يروه وهو يغني مقلبا حبات سبحته كما يقلب عاشق جمرات قلبه،
 كانت ذاكرتهم خاوية تماما كخوذ آبائهم الذين ماتوا في حروب خائبة، وكانت آهات داخل تحاول عبثا اعتراض الرصاصات التي اخترقت قلوبهم! 
من يلوم قائلا : فقدنا أفراحنا مذ فقدت استكانات الشاي عندنا نكهة صوته الحزين! 
Ibrahimhit2000@yahoo.com
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات