GMT 16:02 2017 الأربعاء 4 أكتوبر GMT 9:34 2017 الجمعة 6 أكتوبر  :آخر تحديث

جريمة الجرائم تاريخ الابادات

عبد الاله مجيد

 

 
 
الابادة الجماعية بوصفها مصطلحاً ومفهوماً قانونياً تعبير حديث العهد نسبياً.  واقرت الأمم المتحدة اتفاقية منع الابادة الجماعية والمعاقبة عليها في عام 1948 بمساهمة متميزة من القانوني البولندي رفائيل لمكين الذي نذر نفسه لدراسة ما أصبح يسميه ابادة جماعية genocide بعد ان علم بالمجازر التي ارتُكبت ضد الأرمن حين كانوا من رعايا الامبراطورية العثمانية في عام 1916.  وبعد زهاء عقدين وجد لمكين نفسه هارباً من عنف مماثل على يد النازية في الثلاثينات.  وقُتل العديد من اقاربه في الهولوكوست.  ودفعته هذه الأحداث الجسام الى دراسة الابادة الجماعية في التاريخ البشري عموماً.  ولكن على امتداد عقود بعد ذلك لم تنل حالات الابادة الجماعية ما تستحقه من الاهتمام ولم يعد الباحثون الى عمل لمكين الأساسي إلا في السنوات الأخيرة لدراسة هذا الجانب من الحضارة الانسانية من زاوية نظر تاريخية اوسع.  
ومن هذا المنظور يتناول نورمان أم. نيمارك الابادة الجماعية في كتابه Genocide: A World History "الابادة الجماعية:  تاريخ عالمي" الذي انجزه في اطار سلسة تاريخ العالم الجديد لجامعة اوكسفورد.  وكان نيمارك بدأ حياته الأكاديمية بالتركيز على التاريخ الروسي الحديث وبعد ان نشر عدة كتب عنه وجه اهتمامه الى الجرائم التي تُرتكب بحق الانسانية.  وتركزت ابحاث نيمارك منذ كتابه الصادر عام 2001 عن التطهير العرقي في اوروبا القرن العشرين على الابادة الجماعية التي تُعرَّف بأنها "أعمال تُرتكب بقصد تدمير جماعة محدَّدة كلياً أو جزئياً".  ويتناول كتابه الأخير قدرة البشرة على ارتكاب هذه الجريمة المروعة تحديداً.
تختلف الابادة الجماعية عن جرائم اخرى مثل جرائم الحرب والجرائم التي تُرتكب ضد الانسانية.  ويستعرض نيمارك في كتابه جريمة الابادة الجماعية منذ التاريخ القديم مرورا بالابادات الجماعية التي ارتكبها الصليبيون والمغول وخلال الغزو الاسباني للاميركيتين والابادات التي ارتكبها المستوطنون في اميركا الشمالية وافريقيا واستراليا بحق السكان الاصليين.  ويقيم نيمارك علاقة مهمة بحثياً بين نماذج الابادة التي ارتكبها هؤلاء المستوطنون والابادات "الحديثة" في اوروبا خلال الحقبة اللاحقة ، ومنها ابادة الأرمن والهولوكوست.
  
كما يقترح نيمارك توسيع تعريف الأمم المتحدة الحالي للابادة الجماعية بحيث يشمل تقسيمات القانوني البولندي لمكين الأصلية للفئات الاجتماعية والسياسية قائلا ان التعريف المعتمد يقتصر على جماعات قومية أو اثنية أو عرقية او دينية.  
 
يكتب نيمارك ان الابادات الجماعية ليست كلها متماثلة.  فبعضها يُرتكب في ظرف ايام أو اسابيع وبعضها قد يستغرق عقوداً وبعضها يطال ملايين وبعضها آلافاً ، بعضها يتسم بدرجة عالية من التركيز والبعض الآخر يكون أقل تركيزا ومتقطعاً.  
 
ويلاحظ الكاتب ان جيوشاً تقتل جماعات محدَّدة من البشر بمن فيهم نساء واطفال ومدنيون بأوامر من القادة السياسيين الذين كثيراً ما يتذرعون بايديولوجيات وآلهة وبالله نفسه في مبرراتهم للتدمير.  ويكون القتل متعمداً وشاملا ومبيداً.  ويمكن اقتفاء هذا الاتجاه عبر التواريخ التأسيسية للمجتمع الغربي ، بما في ذلك الكتاب المقدس وخاصة العهد القديم الذي ينسب استهداف جماعات محددة بالتدمير الى مشيئة الله.  
 
في القرن الثالث عشر كان المغول يستخدمون الابادة الجماعية استراتيجية عسكرية مستهدفين بعض المدن لتدميرها بالكامل كي تكون عبرة لمدن اخرى وارهابها للاستسلام دون مقاومة.  وفي عموم الامبراطورية الخوارزمية مثلا أباد المغول جماعات سكانية كاملة باستثناء الصناع والحرفيين.  ودمروا المعالم الحضارية تاركين جبالا من الجماجم رمزاً لانتصارهم.  وأباد عنف المغول الدموي نصف سكان المجر في سنة واحدة.  
 
وعلى الغرار نفسه كان عنف الصليبيين يتحول ابادة جماعية احياناً كما حدث عام 1209 في مدينة بيزييه  الفرنسية التي ذُبح سكانها بأمر من البابا اينوسنت الثالث.  وكتب القادة الكاثوليك الذين كانوا شهوداً على المجزرة ان رجالهم قتلوا نحو 20 الف شخص.  وبعد هذه المجزرة نُهبت المدينة كلها وأُحرقت بيوتها "في انتقام رباني". 
 
واستخدم البابا ، كما فعل المغول قبله ، سجله الأسود هذا لتهديد مدن أخرى مثل ميلانو.  
وفي حين ان المؤلف لا يستطيع إلا تقديم عرض موجز لأحداث تاريخية كهذه فان قيمة هذا المنظور الواسع تكمن في العلاقات التي يقيمها بينها ورصد التشابه اللافت والمخيف في الابادات الجماعية عبر التاريخ المكتوب.  وفي كل الحقب التاريخية التي يغطيها نيمارك في كتابه نلاحظ وجهين اساسيين لدوافع المرتكبين هما ايديولوجيا تبريرية واقترانها بوعود بالكسب المادي ـ ثروة ، أرض ، سبايا ،  عبيد. الاستثناء هي مجازر المغول التي يبدو ان مبررها الايديولوجي إن وجد لا يتعدى استخدام الابادة وسيلة للقوة بخلاف حرب الصليبيين "المقدسة" والمبررات الدينية والعرقية التي تذرع بها الغزاة الاسبان للاميركيتين.
 
تقول الكاتبة الاسترالية آشلي كالاغيان بلانت ان دراسة التاريخ المديد للابادة الجماعية في سياق الجيوسياسة اليوم وانجازات التكنولوجيا الرقمية يجب ان يحفز على اشاعة احساس بالضرورة الملحة لمواجهة هذه الجريمة.  فان البرمجيات والغوريثمات قادرة الآن على معرفة توجهاتنا السياسية والجنسية والدينية من خلال نشاطاتنا على الانترنت.  وإذا كانت هذه القدرات تمثل فرصة لشركات الاعلان فان هذه الفرصة تصبح مبعث قلق بالغ إذا استثمرها متطرفون وجهاديون.  وكما يبين كتاب نورمان نيمارك بوضوح فان الابادة الجماعية كانت مدفوعة بالتطورات التكنولوجية مثل أي مجال آخر من مجالات النشاط البشري.  وما لم نفهم قدرتنا على الابادة الجماعية فهماً أفضل ونتصدى لها بصراحة فليس هناك سبب يمنع استمرارها. 

مصدر المقال:
https://sydneyreviewofbooks.com/the-crime-of-crimes-genocide-a-world-history/
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات