GMT 2:10 2017 الأحد 8 أكتوبر GMT 16:24 2017 الجمعة 6 أكتوبر  :آخر تحديث
محقق "التحفة الوفائية في العامية المصرية":

معجم يتجاوز اللغة إلى الواقع الثقافي والاجتماعي

محمد الحمامصي
نشرت مكتبة الإسكندرية أخيرا في إطار الدور الذي تضطلع به في توثيق التراث اللغوي، "معجم التحفة الوفائية في العامية المصرية" لمؤلفه وفا أفندي محمد، ومن تحقيق الباحث والمحقق المصري هشام عبد العزيز. وهو من معاجم اللغة الذي يمكن وصفه باطمئنان بالموسوعة الثقافية. صدر المعجم في طبعة فاخرة، واحتفت به مكتبة الإسكندرية ضمن برامجها الثقافية. حيث يعد موسوعة ثقافية في المجتمع المصري في حقبة تاريخية هامة وهي نهاية القرن التاسع عشر، حيث تم تأليف المعجم منذ حوالي مائة وعشرين عاماً، ورصد كلمات الناس آنذاك والكثير من ألفاظ العوام وأساليب كلامهم وعاداتهم وأمثالهم المألوفة على ألسنتهم، وكان ذلك لأهل القاهرة والوجه البحري، وعلي الرغم من المكانة العلمية للمؤلف ومن أهمية المعجم وثرائه إلا أنه لم يٌنشر من قبل.
يتناول المعجم خمسمائة وثلاثاً وعشرين مادة أو مدخلاً معجميّاً، مرتبة ألفبائيّاً وفقاً لاجتهاد المؤلف، وهو ترتيب مضطرب صوّبه المحقق في الكشافات. تحتوي كل مادة على معنى اللفظ وسياقاته، بالإضافة إلى الأمثال الشعبية والكلمات المرتبطة بكل مدخل، سواء أكانت مرتبطة باللفظ أو بالدلالة، وقد انتهت المواد عند حرف الشين، حيث لم يكتمل تأليف المعجم لوفاة مؤلفه.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن النسخة الخطية التي اعتمد عليها المحقق لم تكن قد نشرت، فهي مجرد مسوّدة المؤلف التي لم يكن قد نسخها أو راجعها حتى.
وحول منهج المؤلف، أشار المحقق والباحث هشام عبد العزيز إلى أن منهج المؤلف في معجمه يمكن إجماله في عدة نقاط، وهي أن المعجم يبدأ من حرف الهمزة وينتهي عند آخر حرف الشين. ولم يكمل المؤلف معجمه لوفاته، بالإضافة إلى أنه يتكون من 523 مادة رتبها ترتيباً ألفبائيّاً حسب نطقها على ألسنة العامة، ولكن هذا الترتيب اضطرب في بعض الأماكن فلم يكن متسقاً، فضلاً عن أن المؤلف لم يلتزم في ترتيب مواد معجمه بتجريد اللفظ إلى صيغة الماضي، فقد أورد مواد على صيغة الماضي، وأخرى بالمضارع، وأحيانا بصيغة الاسم.
ولفت إلى أنه لم ترد في المعجم مواد في حرف الهمزة على صيغة الماضي، إلا بعض الأفعال والصفات التي استدركها المؤلف بعد حرف الباء من أنه كان قد نسيها، وأخيراً اهتم المؤلف في رصده لدلالة اللفظ ودورانها في كلام العامة بذكر أكبر قدر ممكن من الأمثال والتعبيرات الشعبية والأقوال التي ترد فيها اللفظة، بالإضافة إلى ذكر أكبر قدر ممكن من العادات والمعتقدات الشعبية التي تتصل بالمدخل، كما أن المؤلف أورد في مواد معجمه 114 مثلاً، و3200 من التعبيرات والأقوال، كما شرح باستفاضة 101 عادة ومعتقد شعبي، وهو ما جعل المعجم، رغم قلة عدد مواده، كنزاً ثقافيّاً كاشفاً عن جانب من الجوانب المهمة والخفية للمجتمع المصري في القرن التاسع عشر.
تحدث المحقق عن منهجه العلمي في تحقيقه، وما كابده من مشاقّ في سبيل تحقيق ذلك، مشيراً إلى أن معجم "التحفة الوفائية في اللغة العامية المصرية" هو "المرحلة الأخيرة حتى الآن في رحلتي مع العاميات. فقد طالعت نسخة المخطوط في قسم المخطوطات بـ (دار الكتب) أواخر تسعينات القرن الماضي، وحصلت على نسخة خطية منه وقتها، وشغلتني عنه شواغل الحياة.. وبعد سنوات ليست قليلة عُدْتُ إلى المخطوط".
وقال "تميز تحقيق المعجم بحيوية رصينة برزت في ضبط النص بالحركات الضابطة لنطق الألفاظ العامية، وهو ما لم تكن لدى المحقق مندوحة من اعتماده، فاضطر إلى ضبط الألفاظ والأمثال والأقوال وغيرها ليس في متن المعجم فحسب، بل وفي الهامش وفي الكشافات كذلك، ثم قام بتخريج الآيات والأحاديث والأشعار والأعلام التي وردت في النص، لتكتمل الفائدة. كما قام المحقق بالاعتماد على معاجم اللغة ومجموعة من كتب الرجال الأساسية.. كما لم يكن هناك بُدٌّ من عمل مجموعة من الكشافات الضابطة للمعجم، حيث جاءت الكشافات وفق عدة ضوابط، كان أهمها وضع المواد أو المداخل اللغوية وفق ترتيب معجمي منضبط يتجاوز الاضطراب الذي وقع فيه مؤلف المخطوط".
وأضاف المحقق "وردت بالمخطوط في الجزء الأول مجموعة رسوم توضيحية رسمها المؤلف بيده، لمجموعة من الآنية وأدوات الزراعة في القرن التاسع عشر، قام المحقق بسحبها بجهاز "اسكانر"، وتوضيبها دون المساس بطبيعتها أو بحدودها كما رسمها المؤلف، وأعطى كل شكل رقماً، وربط هذا الرقم بمكانه في المتن، وقد أورد هذه الأشكال في نهاية المعجم.
وقام المحقق بالاعتماد على معاجم اللغة ومجموعة من كتب الرجال الأساسية، مثل: لسان العرب لابن منظور والقاموس المحيط للفيروز آبادي، والمعجم الوسيط، وكتاب الأعلام للزركلي وغيرها، ولم يكن أثبت الرجوع إليها بتفصيل إلا عندما تكون هناك ضرورة لذلك كأن يكون هناك اختلاف، أو أن المعلومة التي يبحث عنها لا توجد إلا في مصدر وحيد، وخامسًا: لم يكن هناك بُدٌّ من عمل مجموعة من الكشافات الضابطة للمعجم، حيث جاءت الكشافات وفق عدة ضوابط.
ويعتبر المؤلف وفا أفندي محمد القوني (1849م - 1899م)، من رجال الدولة المصرية في الفترة التي تلت الثورة العرابية أثناء حكم الخديوي توفيق، كما أنه تولى أمانة "الكتبخانة" الخديوية، في أواخر القرن التاسع عشر، وتولى أمانة دار الكتب المصرية، كما أنه كان محرر جريدة "الكوكب المصري" التي كانت تصدر قبل الثورة العرابية، بالإضافة إلى أنه أحد تلامذة المستشرق الألماني كارل فولرس أحد أهم الباحثين الألمان في العامية المصرية. ومن أشهر مؤلفات وفا أفندي: "التحفة الوفائية في اللغة العامية"، و"الرد المبين على جهلة المتصوفين"، و"البرهان الساطع على وجود الصانع".
ويُعدّ عبد العزيز أحد الباحثين المتميزين في تحقيق التراث الشعبي، خصوصاً تراث العامية المصرية، وصدر له حتى الآن 12 مؤلفاً في هذا السياق، من أبرزها تحقيقه لمعجم "القول المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغة العرب"، و"ألف ليلة وليلة بالعامية المصرية». بالإضافة إلى "فولكلور النيل"، و"صحف مصادَرَة في مصر حتى 1952"، و"أساطير المدينة المقدسة"، و"موسوعة ثورة يناير" (الجزء الأول)، وغيرها.
كما يعكف هشام عبد العزيز منذ سنوات على تدشين معجم للعامية العربية محاولا رصد التباينات التي تكتنز بها الألفاظ العامية في كل قطر عربي أو إقليم عربي، اعتمادا على مجموعة من المخطوطات العربية التي تهتم بالعاميات خاصة مخطوطات القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين.
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات