GMT 4:00 2017 الأربعاء 18 أكتوبر GMT 5:22 2017 الجمعة 20 أكتوبر  :آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

كيف بدأت اللغة عند البشر؟

ميسون أبو الحب من بيروت

نظريات عدة تحاول الوصول إلى كيفية بدء اللغات في العالم تاريخيًا، ففي حين يراها البعض أنها لم تظهر فجأة بل مرت بمراحل وتطورت عن أنظمة بدائية، يعتقد آخرون أن ظهورها جاء مفاجئًا مع تطور البشرية.

إيلاف: من المعروف عن الإنسان أنه حيوان ناطق، وهي الصفة الرئيسة التي تميّزه عن بقية الأجناس والأنواع في الكرة الأرضية. لكن السؤال الكبير والمهم، الذي يحاول كثيرون إيجاد إجابة شافية له هو: متى بدأ الإنسان يستخدم اللغة للتواصل مع أقرانه وتبادل المعلومات والأفكار معهم؟. 

اللغة شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي

صعوبة الإجابة عن هذا السؤال تنبع من كون البشر لم يخلفوا وراءهم أحفوريات يمكن الكشف من خلالها عن تاريخ تطور اللغة والكلام وما شابه، ولكن هناك نظريات عديدة طرحها متخصصون في علم اللغويات أو اللسانيات، وهو علم ظهر في شكله الحديث في عام 1847، وكان الإهتمام قبله منصبًّا على دراسة اللغة بشكل مختلف، لا يعتمد على أسس علمية، كما هي الحال اليوم.

الاستمرارية والانقطاع

ولكون اللغة مسألة غاية في التعقيد ترتبط بعلوم أخرى عديدة، منها علم الاجتماع وعلم النفس والانثروبولوجيا وعلم الآثار وغيرها، شهد عصرنا الحديث طرح العديد من النظريات عن نشوئها الأول. 

يمكن تصنيف هذه الفرضيات في نوعين أساسيين، هما نظرية الاستمرارية التي تعتمد على فكرة أن اللغة لم تظهر بشكل مفاجئ، بل تطورت عن أنظمة لغوية بدائية سابقة استخدمها الإنسان الأول. ثم نظرية الانقطاع، التي تقوم على فكرة ظهور مفاجئ للقدرات اللغوية في إحدى مراحل تطور البشر. 

هناك أيضًا من يعتقد أن اللغة ملكة فطرية تدخل ضمن الموروث الجيني، في حين يرى البعض أنها تقوم على البيئة الثقافية التي توجد فيها، وأنها عبارة عن قدرة خاصة تتطور عبر التفاعل الإجتماعي.

تشومسكي 

أحد الأسماء المهمة في عالم اللغويات هو نعوم تشومسكي، الملقب بأب علم اللسانيات الحديث، وهو أيضًا فيلسوف وعالم إدراكي وعالم بالمنطق ومؤرخ وناقد وناشط سياسي، وهو أستاذ فخري في اللغويات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وتعتبر مؤلفاته مراجع مهمة في هذا المجال. 

وهو يؤيد نظرية الانقطاع ويعتقد أن تحورًا جينيًا عرضيًا حدث مرة في الفترة الممتدة بين 50 ألف إلى 100 ألف عام مع ظهور الرسومات على الصخور وجدران الكهوف أدى إلى ظهور القدرة اللغوية التي تحوّلت لاحقًا إلى موروث جيني بشري، وهو ما يعني أن الملكة اللغوية موجودة بالفطرة لدى الإنسان الحالي، وأن هناك جهازًا غير منظور يشغل اللغة في الدماغ. 

ويعتقد تشومسكي أيضًا بأن هناك لغة عالمية واحدة مشتركة، وأن كل اللغات تتشابه، لأن قواعدها واحدة في النهاية، ولكن فيها لهجات متنوعة ومختلفة، لكونها لغة بيولوجية في الأساس. وكان أحد الأمثلة التي أعطاها لتسهيل فهم نظريته قوله إن كائنًا فضائيًا لو زار الأرض لوجد سكان الكوكب يتحدثون لغة واحدة، ولكن بلهجات مختلفة، وهي التي يسميها اللغة العالمية.

لاقت نظرية تشومسكي تأييدًا واسعًا في الأوساط اللغوية، غير أن معارضيها أيضًا كثر، إذ لا دليل على وجود أي جهاز خاص بالكلام واللغة داخل الدماغ، كما لا دليل على حدوث تحور سحري ومفاجئ في الحمض النووي منح الإنسان أداة لتعلم اللغة واستخدامها، ولا دليل أيضًا على حدوث كل هذا قبل خمسين ألف عام تقريبًا.

إيفرت والإنسان المنتصب

على الجانب الآخر من المكان الذي يقف فيه تشومسكي هناك دانييل إيفرت، الذي يعتقد أن اللغة تطورت ببطء، ولكن بشكل ثابت، ولم تظهر بشكل مفاجئ. ولأن التطور كان بطيئًا فقد احتاجت اللغة فترة أطول لتتكون في شكلها الحالي، وهو يحدد المدة بمليوني سنة تقريبًا. 

وبما أن الإنسان العاقل الأول (هومو سابينس) ظهر قبل 200 ألف عام تقريبًا، فهذا يعني أنه لم يخترع اللغة بنفسه، بل سبقه في اختراعها الإنسان المنتصب (هومو اريكتوس) الذي ظهر في أفريقيا، مثله مثل الإنسان العاقل، ثم ما لبث أن انتشر في بقاع الأرض مثل أوروبا والصين وأندونيسيا، وكان حجم عقله أصغر بقليل، ولكن مديات تحركه وانتشاره تكشف عن مستوى معيّن من التنظيم والتواصل مع أفراد جنسه الآخرين. 

ومن المؤسف أن تكون اللقى الأحفورية قليلة ويتعلق الأمر هنا بالإنسان المنتصب، وقد عثر على غالبيتها في فلوريس الأندونيسية وسوقطرة اليمنية، وهما جزيرتان لا يمكن رؤيتهما من اليابسة، ولا يمكن الوصول إليهما إلا عن طريق البحر. 

ومن المعتقد أن مجموعة تضم 50 شخصًا على الأقل انتقلت إلى كل من هتين الجزيرتين لتشكيل تجمع بشري فيهما. والسؤال الآن: ما داموا كانوا قادرين على الإبحار في شكل مجموعة، فمن المؤكد أنهم كانوا قادرين أيضًا على تحقيق تواصل لغوي في ما بينهم، لأن عملية التنقل والإبحار تحتاج نوعًا من التننظيم الاجتماعي وتقنية معينة وتعاونًا وذكاء فرديًا وثقافة جمعية، وهو ما يركز عليه إيفرت، الذي يعتقد أن لغة التواصل التي كانوا يستخدمونها لم تكن متطورة جدًا، بل بدائية وبسيطة، ولكنها تحوي كل ما هو أساسي لنقل فكرة على قدر البيئة المحيطة بهؤلاء الأفراد، ويشمل ذلك إيماءات وأصوات معينة. 

وبالطبع حتى لو كانت اللغة بسيطة وأساسية جدًا، فإنها تتطلب نظرية معينة يتم إنتاجها داخل الدماغ، ثم يتم عرضها بطريقة تحظى باهتمام المقابل مع إنتاج نظام اتصال وتواصل رمزي يتضمن رموزًا وأصواتًا وتعبيرات مفهومة لدى الأفراد الآخرين. 

من هنا يقترح إيفرت إبداء نوع من الاحترام لأجدادنا الأوائل أو الإنسان المنتصب الذي كان وراء إنتاج هذا التحول الفكري والإبداعي والإدراكي.

البدايات

الفكرة التي يطرحها إيفرت ليست جديدة تمامًا، إذ تعرفها أوساط اللغويين منذ عقدين تقريبًا، ونعني بها العودة إلى بدايات اللغة في العالم إلى زمن الإنسان المنتصب، ولكن إيفرت يطرح قصة هذه البدايات في كتاب جديد مدعم بأدلة وإثباتات قديمة وجديدة، ويروي قصة ممتعة للغاية عن أهم اكتشاف في تاريخ البشر بأسلوب يصفه النقاد بالصفاء والنقاوة والبساطة والشرح البسيط الذي يحول علم اللغويات المعقد إلى مادة سهلة الاستيعاب حتى لغير العارفين. 

عنوان كتابه هو "كيف بدأت اللغة: قصة أعظم اختراع بشري" ويقع في 384 صفحة. 
وكان دانييل إيفرت في السادسة والعشرين من العمر عندما دخل غابات الأمازون كمبشّر ديني برفقة زوجته وثلاثة أطفال صغار. وكانت مهمته نشر المسيحية بين أفراد قبيلة بيراها البدائية التي تعيش على صيد الحيوانات وقطف الثمار، مثل الإنسان القديم، ولا يتجاوز عدد أفرادها مئات عدة. 

أمضى إيفرت أكثر من 30 عامًا في غابات الأمازون. وتحوّل من التبشير إلى دراسة قبيلة بيراها، ليكتشف أنه ليس لدى هذه القبيلة هرم اجتماعي، وهم يعيشون كما عاش أجدادهم تقريبًا منذ آلاف السنين، وقد اكتسبوا مهارات عديدة مكنتهم من البقاء في غابات مليئة بالمخاطر والحيوانات المفترسة. ومع ذلك فهم لا يعرفون معنى كلمة تاريخ، عدا جيلهم الحاضر، وهم يواجهون أفاعي ويتعرّضون إلى أمراض وحتى إلى محاولات قتل.

هذا التحول الحاد في حياة إيفرت رافقه تخلّ عن إيمانه ودينه ثم خسارته أسرته نتيجة ذلك، ولكنه صمد أمام هذه التغيرات، وكرّس سنوات حياته لدراسة هؤلاء الأفراد الذين لا يشبهون أحدًا ولا يشبههم أحد في كل عاداتهم وتقاليدهم وسلوكهم وكل ما يتعلق بهم من نشاطات، ويشمل ذلك بالطبع اللغة التي يستخدمونها، ليحقق ما لم يحققه غيره على الإطلاق. 

تعلم إيفرت لغة بيراها، وتمكن منها، واكتشف مواصفات لها تعتبر فريدة من نوعها، ثم طرح اكتشافاته على عالم اللغويين الذين دخلوا في جدالات حادة بسببها. وربما كان أهم سبب للحيرة التي أصابت هذه الأوساط هو أن قواعد لغة بيراها لا تنطبق على القواعد التي قال تشومسكي إنها موجودة في كل لغات العالم، وهو ما ينفي وجود لغة عالمية، كما يعتقد تشومسكي.

الثقافة هي الأساس

يعتقد الباحث الأمازوني أن اللغة تطورت على مدى مليوني عام، وأنها كانت حاضرة، ورافقت حياة ستين ألف جيل، وأنها ترسخت وتحددت معانيها من خلال الثقافة، إذ يقول "ليست اللغة مجرد شكل آخر من أشكال التواصل بين الحيوانات. بل هي في أصلها رموز ومجموعة أشكال أنتجها أفراد وأتفقت عليها الجماعة ثقافيًا"، ويعني ذلك أن كلمة معينة يلفظها أحدهم تكون مفهومة لدى الآخرين، وتشكل رمزًا ثقافيًا متعارفًا عليه وعلى معناه.  

ويعتقد الكاتب أيضًا أن قواعد كل لغة في العالم وطريقة ترتيبها وترتيب الكلمات التي تتضمنها جملها والقواعد المتبعة في ذلك تتطور لتوائم متطلبات المجتمع المتحدث بها. فهي إذن أداة ثقافية تنتج وتتشكل في مكان معين وضمن ثقافة معينة باستخدام كلمات وحروف وحتى أصوات لدى بعض المجتمعات، مثل الصفير والهمهمة وغير ذلك.
 ويمكن أخيرًا تلخيص هذا الكتاب بالكلمات الآتية: الإنسان هو سيد كوكب الأرض، وما سمح له بأن يكون كذلك هو طريقة عمل دماغه، ثم طريقة تواصله مع أبناء جنسه عن طريق اللغة، وكتاب إيفرت يروي قصة هذا الاختراع من أول كلمة قيلت حتى يومنا هذا، حيث يوجد حوالى 7 آلاف لغة في العالم.

أعدت «إيلاف» هذا التقرير بتصرف نقلًا عن موقع «ذي بوك باغ». المادة الأصلية منشورة على الرابط:

http://www.thebookbag.co.uk/reviews/index.php?title=Language:_The_Cultural_Tool_by_Daniel_Everett
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات