GMT 5:28 2017 الثلائاء 17 أكتوبر GMT 5:30 2017 الثلائاء 17 أكتوبر  :آخر تحديث
الصباحات التي تلت الليالي

قراءة في "متوالية حكائية: ألف صباح وصباح " لحامد فاضل

أحمد فاضل
 
عندما نتناول محكيات حامد فاضل الصادرة حديثا تحت عنوان " متوالية حكائية : ألف  صباح  وصباح " من منشورات الاتحاد العام  للأدباء والكتاب في العراق 2017 وبواقع 113 صفحة من القطع المتوسط، سنجد أنفسنا قريبين  من قصص " ألف ليلة وليلة "، ولكن بأسلوب مغاير وضع مؤلفها تلك الليالي أمامه مستمدا من أحداثها وشخوصها وأجوائها ما أعانته على أن يتوقف أمام ثلاثة عناصر لتكييف حكاياته الثلاثة عشرة في متوالية سردية لعب عامل  الترقب والمفاجأة دورا كبيرا في حبكتها، أما العناصر الثلاثة  فهي  الصحراء والرجال والذئاب من سيشكل صباحاته الألف والتي اختصرها  لتكون  بذاك  "  الرقم المشؤوم " منطلقا لتأسيس تلك الحكايات، وقبل قراءتها تعالوا نتحرى تأثيرات " ألف ليلة وليلة "، على الساحتين الأدبيتين العربية والعالمية بدءا  من الروائي البريطاني هنري فيلدينغ حتى نجيب  محفوظ، وآخرين  منهم  جون بارث، خورخي  لويس بورخيس، سلمان رشدي، جوته، والتر سكوت، وثاكيراي، ويلكي كولينز، وإليزابيث جاسكيل، ونودير، فلوبير،  ومارسيل شوب، وستندال ، ودوماس، وجيرارد دي نيرفال ، وجوبينيو، بوشكين، تولستوي، هوفمانستال ، كونان  دويل،  وب ييتس،   هاء ج ويلز ، كافافي،  كالفينو، جورج بيريك، هب لوفكرافت، مارسيل بروست، أس بيات وأنجيلا كارتر .
هذا العمل تأثرت به أوربا منذ ترجمته في القرن الثامن عشر من قبل أنطوان غالاند حيث تأثر به بعد ذلك العديد من الكتاب وخاصة في فرنسا ولتصبح شخصياته أحد الرموز الثقافية  المهمة في الثقافة الغربية ، مثل علاء الدين، سندباد وعلي بابا وصولا إلى بلاد فارس والهند اللتان لا يخلو أدبهما الحديث من الجنيات والسجاد السحري والمصابيح السحرية .
المقدمة هذه كانت ضرورية للنفاذ إلى محكيات حامد فاضل للتعرف عن كثب كيف استثمر تأثره بتلك الليالي ليحكيها هو بدلا عن شهرزاد  في صباحاته هذه المرة، لكن بروح العصر وبعيدا عن تلك النمطية التي تميزت بها لياليها الطويلة حتى سكوتها عن الكلام المباح، وتجمع هذه المجموعة المشوقة من القصص القصيرة بين التقنية الفنية المبتكرة المراقبة بإحكام، مع التوجيه العاطفي والإنساني الذي يتحرك في كثير من الأحيان ببطء حسب سياق الحدث ضمن جملة واحدة أو عدة جمل، ففي " الفريسة " وهي أولى محكياته حيث يقترب بنا من صحراء مدينته السماوة التي ساح بخياله معها بجعلها  مسرحا لتلك السردية التي اضطلع ببطولتها ذئبان أحدهما  بشري والآخر حيواني وصبية يريد كل واحد منهما افتراسها على طريقته الخاصة، فأعاد من خلالهما صياغة تلك الليالي وفق أسلوب عصري وبطريقة جعل فيها لغتها محكمة وبعيدة  عن الابتذال الذي  لمسناه في عديد  حكاياتها ، وعودة سريعة لحكاية " الفريسة " نجد خاتمتها  كالتي دأبت  شهرزاد بالتوقف عن كلامها المباح مع بداية بزوغ فجر جديد :
" .... قدامها ما يزال الذئب منتصبا، الوقت  من حولها يمضي، والعشب من تحتها يتكسر، والدلو يتأرجح في البئر .. عصف الهواء ثم ناخ ناقته، فعاد للرمل شكل انسفاحه ، وحين أنهى  الدلو رقصته .. شعرت بماء دافق ما بين ساقيها، وتنمل يغزو ذراعيها ، وبدا النعاس يدب في عينيها، وقلبها ما عاد يخفق من خوف، بل صار يخفق كي تحمر خديها .. عادت إلى رشدها كأنما خرجت من غياهب جب عميق، تنصتت لا شيء غير الصمت والسكون، لا صوت يصدر عن الذئب ،  ولا صوت يصدر من الصبية .. فتأكدت أن  الجدات أصدقنها القول بشأن عفاف الذئاب، أعادت ثوبها لتستر محارمها فلم تر الذئب .. كان الذي يواجهها رجل يتأملها باشتهاء " .
لم تنتهي الحكاية بعد فالديكة كانت قد شمرت  عن أصواتها عاليا لتستقبل نهارا جديدا وحكائية جديدة عن صحراء السماوة وذئب أسود هذه المرة ورجل وصياد حمل عنوانها وبنفس قوة وبلاغة الكلمة التي طالعناها في الحكاية الأولى :
" .... وكنت  أراه  وهو يتقدم بخطوات الصياد الواثق من نفسه، ثم فقدته حيث انحرف باتجاه المغرب ودخل في فيضة السدر المجاورة للمغارة.. ساعة زمان قضيتها وأنا في ترقب وانتظار، حين رأيت سحابة غبار تعلو من أسفل التل حيث تتشابك أشجار السدر ، صرخت  يا ويلي ،  ثم  فقدت قدرتي على الكلام، ولم تصدر مني سوى همهمة غير مفهومة .. كان الذئب يسحب جثة أقسم أنها جثة رجل، حتى إذا وصل إلى باب مغارته دفع يديه تحت أبط الجثة، رفعها وأوقفها قبالته محتضنا إياها وهو يقف على قائمتيه الخلفيتين، كان فرو ظهره الأسود يحجب الجثة عن عيني ،  شل الخوف يدي ولم أستطع إيقاف إرتجاف رجليّ حين بدأ الذئب يدفع الجثة إلى داخل المغارة، وفي اللحظة التي أمالها فيها ليسحبها إلى الداخل .. في تلك اللحظة المرعبة، ضوء المغيب الشاحب، أمكنني من رؤية الذئب وقد غرز أنيابه في عنق القديس الذي رأيته ذات غروب في الصورة المعلقة على جدار المقهى الفاصل بين س السماوة وصاد الصحراء " .
وتستمر الحكاوي و " سيدة الليالي " تنصت وهي في كل حكاية من حكاياته الثلاثة عشرة تزيد غنجا بقسوة جمالها الطاغي حتى لا ينتهي منها كما في : " الوسم "، " الطاقية "، " الرسالة " ، " الذئب "  ، " المغارة "، " الجن "،  " الضواري "،  " الذئبان "، " العواء "، " الزقورة "، " البئر "، جميعها حملت ذات السرد مع اختلاف وقائعها وشخوصها وهي بالتالي مقاربة جميلة لإحياء كتاب ظل لقرون  عديدة  يلامس   أحاسيسنا وعواطفنا هو " ألف ليلة وليلة "، لكنه هنا بنكهة عصرية قد تتكرر الكتابة عنه لخلوده على مر الزمان .

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات