GMT 10:35 2017 الأحد 26 نوفمبر GMT 13:00 2017 الثلائاء 28 نوفمبر  :آخر تحديث

دروس للرؤيـة: قراءة في فيلم "دروس للرؤية"

حسين سليمان
 
 
كُتب على السلطة أن تكون مع الأغنياء، في مواجهة الفقراء، بينما كُتب على الفن عكس ذلك، أن يكون مع الفقراء الذين ظلمتهم الحياة وجعلتهم أداة بيد الأغنياء. هكذا إذا السلطة في مكان والفن في مكان آخر. إحداهما في مواجهة دائمة مع الآخر. 
واليوم نرى هذه المواجهة بشكلها الأغنى والأقرب والأعم. عن طريق الفن السابع، السينما، يرفع الفن رايته في وجه السلطة يعريها ويكشف حقيقتها الأزلية. 
عن طريق المخرج "يهودا شاريم" والمنتج الشاب "يان ديغلوف" قدمت مؤسسة "فايرستارت" فيلم "دروس للرؤية" عُرض في جامعة الرايس في هيوستن \ امريكا. يتكلم عن لاجئ ارتيري قضى ستة وعشرين عاما في السجن قبل أن يلجأ الى امريكا. يتكلم الفيلم باسهاب عن حياة اللاجئين والمصير الذي ينتظرهم. الصدمات وأفول الآمال المعلقة على دولة كبيرة. بلد الذهب والانتاج سيجدها اللاجئ الأرتيري مكان عذاب يشابه الى حد كبير السجن الذي قضاه في بلده من دون سبب. هو استاذ رياضيات وفيزياء لا شغل له في السياسة لكن لسبب يعلمه الشرقيون – السوريون والعراقيون ... اودع في السجن. قصة مألوفة نجد مايفوقها في الألم والمعاناة في بلادنا العربية التي حولت إنسانها إلى مكنسة لكنس الفضلات من أمام اقدام الحاكم. 
يشتغل الفيلم على الوثائقية الحية التي تنساب من دون تدبير ولا تخطيط صارم. الحبل على الغارب والسبب هو الوحدة النفسية للجمهور الممثل. هم جماهير وقد حولهم الفيلم الى ممثلين. المعاناة في أعماقهم وفيما حولهم ولهذا السبب لا يراد للأمر موضوع وتخطيط. في كل خطوة يخطوها اللاجئ تتمثل الصورة التي يهدف إليها الفيلم. 
في بداية الفيلم تسلط الكاميرا على اللاجئ "سيباتلييب ميبراتو" الذي يحاور الكاميرا بانكليزية مشوبة بلكنة ارتيرية فيها تلكؤ يقبع خلفه تفكر عميق ووقفات صمت وتأمل. يريد أن يتعرف إلى المدينة وإلى الثقافة: هل لك أن تعلمني أين هي المستشفى، أين هو مركز المدينة أين هو مكان الشرطة، هل لك أن تعلمني اين هي الجامعة وماهو عدد المدارس في مدينة هيوستن؟ الخ من اسئلة وتساؤلات يطرحها القادم الجديد للتعرف على طبع المدينة وتركيبها الثقافي. حوار اللاجئ سيكون مع الكاميرا لكنه في الواقع هو حوار داخلي أمام العالم المجهول غير المعروف بعد بالنسبة له. في الفيلم بدت أمريكا وكأنها أفريقيا، انتقلت من مكانها، لكنها مازالت في مكانها، سوى أنه لا وجود للسجون ولتقييد للحريات. العالم المحيط في الفيلم هو عالم آخر لا ينتمي الى امريكا، إنه عالم اللجوء الذي حين يقدم إليه اللاجئ لايجد ماكان يتصوره بل يجد طبيعة أخرى قريبة من الطبيعة التي غادرها. هكذا نرى فيلما افريقيا في شوارع امريكية وهذه الشوارع هي ليست في الواقع إلا افريقيا المعدلة. 
الطباع والعادات واللغة والثقافة ليستا إلا عناصر المكان التي استقدمها معه المهاجر. أنت لا ترى أمريكا في الفيلم، والمتجول في أحياء المهاجرين \ اللاجئين بغض النظر إن كانوا قادمين جددا أم قدامى سيجد أنه أمام طبيعة مختلفة لا تنتمي الى البلد الأصلي. حتى أحيانا تجد رائحة المكان تشابه الرائحة التي في البلاد الأصلية للمهاجر. ولهذا نجد أن كثيرين من المهاجرين لا يعيشون في أمريكا  بل يعيشون في بلادهم التي ازاحتها الهجرة إلى بلد آخر. من الإعتبار أن وجدان المهاجر مازال في موطنه الأصلي لكن هذا التمسك الوجداني بثقافته في أحيان كثيرة يكون عائقا امام الإندماج مع المجتمع الجديد فهو لا ينقل تراثه الى الآخر بل يتمسك به بعناد لإثبات الذات وتأكيدا لفرديته وليس لفرادته.  
من المحتم أن الإنصهار مع بلد الهجرة، بين الأجيال الأولى، هو انصهار سيكون فيه صدام وردود فعل كبيرة تؤدي في أغلب الأحيان الى سوء تفاهم لولا سماحة القانون في البلد المستقبل. 
بدلا من أن يتغلغل المهاجرون \ اللاجئون في الطبيعة الأمريكية جاء هذا الفيلم كي يتغلغل فيهم ويكشف معاناتهم وآمالهم في الحصول على عمل لائق – المسألة الكبرى هي الحصول على عمل يساعدهم في التعرف على طبيعة الحياة وعلى ثقافتها ومن دون ذلك فإن العزلة تقصم الروح وتخلخلها وتجعلها حالة غريبة لا انتماء لها. تنقلت الكاميرا الوحيدة بخفة رغم أن "الكلوز آب" المشبع أحيانا كان ثقيلا على المشاهد، لكن نصاعة الصورة وجمالها ثم قبل أن يمل المشاهد تتحول الى موضوع آخر كانت هذه الخفة تساعد على تنقيح الجو وبعث روح التفاؤل. تضافرت الموسيقى والصورة مع الحركة الحرة لجمهور الممثلين فهم على طبيعتهم لا أحد يمنعهم من أي قول أو فعل، وقد نجح الفيلم  فنيا رغم أن المواضيع والحوار لم تكن مدبرة ومرسومة بدقة من قبل الكاتب والمخرج. 
جاء الفيلم في طبيعته أيضا نقدا للقانون الذي يواجهه اللاجئ، ومن جهة أخرى حين يرسم الآمال على ظنون وتوقعات ثم يجد الواقع الأليم يخالف ما أمله ورسمه، مما يصيب المهاجر باليأس فيتمنى العودة من حيث أتى وهذا ما قاله بطل الفيلم بعد أن واجه عذابات الإنتظار في إيجاد عمل مناسب له إنه سيعود الى افريقيا. وحقيقة الأمر ليست كذلك، فقبل قدوم اللاجئ يتم نقل الصورة شبه كاملة له توضح الصعوبات التي سيواحهها في الطريق لكن هذه الصعوبات يتم تجاهلها من قبل اللاجئ الذي يتحرق للهجرة وللتخلص من المعاناة في البلد الأصلي. كان المشهد الأول من الفيلم (الفيلم من اربعة مشاهد)  في دكان أرتيري صغير وغير مناسب للتصوير لكن المخرج حقق منه الحد الأقصى حين حشر الكاميرا في زاويته وصور النساء اللواتي يجتمعن فيه للشراء، يتكلمن عن أحوالهن وأخبارهن – ستة نساء يتكلمن مع بعضهن البعض تختلط الترجمة وتوضع في ثلاثة أمكنة على الشاشة كل منها يترجم ماتقوله امرأة معينة وهكذا نجد ثلاثة جمل او خطوط في امكنة متساوقة كل منها ينقل ماتقوله كل امرأة على حدة. ينقل الحوار بين امرأة من السودان وبين المصور \ المخرج المعاناة وصعوبة تعلم اللغة: لماذا لم تتعلمي اللغة الانكليزية بعد خمس سنوات من وجودك في امريكا؟ فتجيبه انها تعمل لساعات طويلة ولا وقت لها لتعلم اللغة. نو انكلش وورك وورك وورك!! 
يظهر الفيلم ايضا الحال البيروقراطية للجنة استقبال اللاجئين (منظمة آلاينس للاجئين) فتعاملهم مع اللاجئين يخلو من التعاطف المطلوب وهو الحال حين يزدحم المكان وتتعدد الحاجات.
جاء الفيلم في النهاية لاكتشاف وضع اللاجئين، لم يكن فيلما ترفيهيا – وليس فيه الدراما المشوقة التي تجذب المشاهد العادي. مثله مثل الأفلام التسجيلية التي تتناول موضوعا معينا وتكشف خباياه. الترفيه الذي فيه بالنسبة للمشاهد العادي هو حب الفضول والاكتشاف كيف يعيش هؤلاء الناس في منطقة ليست منطقتهم يحاولون التجانس والاندماج في مجتمع جديد غريب! إنها محنة الإنسان ما وجد فوق هذه الأرض، الإنسان الذي في طبعه غربة وهجرة ونفي. 
hsolaiman@hotmail.com

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات