GMT 10:30 2017 الإثنين 27 نوفمبر GMT 6:52 2017 الإثنين 27 نوفمبر  :آخر تحديث

الرموز المتنازع عليها

إيلاف

 تغريد هاشم 

 
"الحياة تبدأ على الجانب الآخر من اليأس" جان بول سارتر

زوم 1
 
لعلنا نُبعَث من جديد ، إن استوعبنا مقولة سارتر التي تصدرت هذا النص ، فالحياة تستحق ان تبدأ بعد كل كبوة ، الأمر الذي يتطلب الاستعداد الدائم للتضحية بكل ما يحمله الوعي من معتقدات بالية قبل العبور للبر الآخر ، وهو العبور الذي لن يتم إلا بعد إدراكنا العميق لمفهوم الهدم كضرورة لابديل لها ، وان نبدأ ، ربما من الصفر ونزفر به كل ما شهقته سنواتنا المثقلة بالقيم الكلاسيكية البالية والمعتقدات التي حجمت مسارنا وأثقلت كاهلنا بسبب إدمان الخضوع للقديم المستهلك . ففي الوقت الذي تقاطعت فيه المفاهيم ، معلنة عن ولادات جديدة معرفية وإبداعية ، وبعدما شارفت صراعات الأضداد والمتناقضات على نهايتها ، وفتحت امام الفكر الانساني افاقا جديدة في عالم مابعد الحداثة ، سنجد أن ما يدعونا للتفاؤل هنا بقرب انتهاء مخاضنا يتمثل بما وصلنا اليه اليوم من هول الدمار والخراب على جميع الأصعدة .
ان موت آلهة نيتشة ليس الا نهاية حكاية الاستهلاكات البشرية لأفكار وهمية راسخة بفعل سحرها المخدر , وهذه المستهلكات هي قائمة طويلة من المعتقدات التي تمتلك حق إصدار أحكامها على أقدار اتباعها بالقانون المطواع القابل للتعديل والتوجيه حسب نوايا صانعيه . فتتحول الضرورات أيضا ـ في خطة قتل الآلهة ـ إلى دعم التغييرات والمفاهيم التي ستؤدي بدورها الى ظهور ذات إنسانية مرتبكة ، فتتكرر المعضلات وتتخذ شتى المفاهيم صيغا أخرى ، لكنها في النهاية تبقى تدور في حيزها الموروث الى زمن ليس بالقصير. وهي بذلك ستكون اشبه بمخيلة رسام متبلدة تدور حول مفردات مكررة كما في صندوق مغلق
الفن باعتباره مهنة
ان من اسوء ما استهلكته البشرية من معتقدات ، هو تشكيل دور صانع الفنون التشكيلية وحصره بصالات العرض وارتفاع أسعار مبيعاته ، وبهذه الاليات ، التي تم تكريسها خُلق جيل لم يجد له سبيلا الا باحتراف المهنة من جهة كونها مصدر عيش فقط وحولته إلى كائن كسول وغير مسؤول ، يبيع الوهم لنفسه وللآخرين وتسول له نفسه ان ما صنعت يداه من تكرار ونسخ على أنه براءة اختراع ، هذا بالإضافة إلى ما تمده به البيئة الحاضنة من تجار فن سطحيون وأصحاب الصالات الفنية على الصعيد المحلي وبرامج الرعاية والدمج للمهاجرين على الصعيد العالمي والدول الحاضنة للمهاجرين في حالة كونه فنان مهاجر .
إن مهنة الرسم او النحت او ايا من الفنون الأخرى هي برأيي كباقي المهن ، فالطبيب والمهندس والفلاح والعامل.. الخ ، كلهم يؤدي دوره بإحتراف مطلوب ، وكذلك الرسام و النحات والمصور..الخ ، فرسم البورتريه واللوحات التجارية مثلا ، هي ممارسة لمهنة الرسم ولاتقل اهمية عن اي صنعة أخرى ، بل هي إضافة مهمة لكسر المعتقدات الساكنة وتغيير رؤية المجتمع لمحترفي هذه الفنون ، و بممارسة الرسام لمهنته بنزاهة وصدق من دون الحاجة إلى تضليل نفسه والآخرين ، فهو طبيب الذائقة ومهندس البهجة وزارع الرقة في الأحاسيس وبنّاء المجتمع الجديد .
لدينا مثلا (بانكسي) رسام الشوارع المجهول ، والذي أثر في دواخلنا وهز مفاهيمنا و ثقافتنا البصرية من خلال إعادة صياغة رموز ومفردات بسيطة في اجواء وفضاءات ( بانكسية ) مبهرة ، تحمل رسائل لفتى بريطاني يشعر بالمسؤولية ، ذو نظرة ثاقبة لما وصلت إليه البشرية من انحطاط وتفكك ، ورغم أن فضاءات بانكسي متاحة للجميع ومعروفة للكثيرين ، إلا أن قراصنة وسارقي التجارب وبحوث الآخرين الكسالى طالت هذه الأعمال ، حتى نسوا أو تناسوا المصدر المسروق وباتوا يتنازعون على حق الأولوية والريادة ، ولم يتورعوا في التقاتل على حق ملكية مزعوم وموهوم . فالرموز والمفردات هي عناصر مشاعة للجميع ولا أحقية بالريادة إلا لمن يبتكر صيغة جديدة خالصة أو من يضع الرمز أو المفردة ضمن سياق جديد . فعلينا إذن أن لا نتوهم بأننا قد حققنا فتحا كبيرا بتبنينا للموقف الكفيل بنسخ المنسوخ وتكرار المكرر وقول المُقال.
فالحمار كمفردة كانت قد طُرحت من قبل مرارا وتكرارا ولكن القليل من هذه الحميرعلق في اذهاننا
لندخل في تأمل بسيط لمفاهيم السياق وعلاقته بالمفردات البصرية وتموضع هذه المفردات ضمن حيز اللوحة المكاني ، ثم فكرة العمل الفني ومناخه .
السياق ، وهو الذي نعني به تنظيم المفردة أو مجموعة المفردات ووضعها في ( تركيبة ) يبتدعها الفنان ثم يختار لها نوعية الطاقة التعبيرية التي ستشع منها ، ومدى تفاعلها مع بعضها ضمن ذلك السياق ، ثم تقرير تموضعها في الحيز المكاني للعمل الفني ، أي أن تكون مثلا داخل جزء من فضاء غرفة أو مربع محدد أو وهمي داخل أبعاد محددة  للعمل الفني ، هذا بالإضافة إلى وضع أو تحديد ملامح لأجواء مختلفة قد تكون أسطورية أو حلمية أو واقعية على سبيل المثال
لنعد مرة أخرى لمفردة الحمار ، فقد تم لاحد الفنانين استعارة تلك المفردة وأختص لها موضعا في مكعب أشبه بالغرفة يحتوي على شخصين وقناع وغيمة ومكعب بلون أبيض ، ثم أعيد تموضع ذات المفردات المذكورة آنفا من قبل فنان ثاني في عين السياق وضمن ذات الاجواء لكن باختلاف الالوان مع اختلاف بسيط في منحى التموضع عن التموضع السابق ،  ثم تمت استعارة عين المفردات من قبل فنان ثالث في أجواء مشابهة ، ولكن هذه المرة جعل الحمار ـ وربما الحصان بسبب صعوبة التمييز-  أن يطير هذه المرة داخل فضاء الحيز المكاني .. وهكذا ، تم تكرار عين العمل وذات المفردات عدة مرات دون اضافة حقيقية مهمة تذكر. وبالتالي ، فلا أهمية لأي من هذه الأعمال ولا أحقية ريادة لفنان  معين من هؤلاء ، فالتكرار المج بدراية أو بدونها عملية عبثية لا جدوى منها فما الفائدة من اللعب في تموضع المفردات وتكرار التركيبة والسياق بإحداث تغييرات طفيفة لا اهمية لها ؟
لابد إذن من أن أعزي هذا الامر الى شحة في البحث ، وفقر الخيال ، ناهيك عن غياب الدراسة الجادة للشحنة التعبيرية للعمل الفني وانضاج خطابه المفاهيمي والعاطفي على السواء ، والذي سيؤدي بالنتيجة الحتمية إلى فقدان بوصلة الخلق والإبداع وقلة الدراية المعرفية والبحث المعمق في البنى الأصيلة المشيدة للمادة الإبداعية. إنها إذن التركيبة أو تنظيم الوحدات ضمن سياق جديد داخل العمل الفني والتي تعتبر من أهم العوامل المسؤولة عن خلق عالم يميز الفنان عن الآخر
 في حين أن العمل بما يضاد ذلك ، أي البحث عن سياق وتموضع وأسلبة للعناصر ،  سيعزز الإحساس عند المتلقي الذكي بحدوث تغيرات واضحة في الرؤية لإيجاد حلول جديدة لما تم ترتيبه من قبل الآخرين في مسعى الوصول الى إنتاج ماهو جديد حتى لو استخدمت ذات المفردات في كل مرة ، لدينا وفيما يلي امثلة اضافية تعزز ما نشير اليه :

الفنانة كوبرو وتزويج مفاهيم تاتلين ومالفيتش
دخلت الفنانة كوبرو مدرسة الرسم والنحت والعمارة عام ١٩١٧ـ ١٩١٨ وقدمت بعدها وبشكل تتابعي ما أسمته بالفن المختبري والذي كان نتاج اختبارات لأعمالها الخاصة وإعادة تجارب بعض الفنانين ممن سبقوها في التجربة ، إلا أنها حصلت على الاعتراف بالريادة لما طرحته من قرارات ونتائج لم يسبقها احد بالوصول إليها ابتداءا من اعتماد المواد المستعملة وانتهاءا بفلسفة معالجة الرموز وفضاءاتها بصيغ جديدة ، قدمت كوبرو تجارب عديدة تمخض عنها النحت الموحد ، المنحوتات المعلقة ، النحت المكاني ، الفضاء الحقيقي والفضاء التجريدي . اعتمدت كوبرو في البداية على حقيقة المواد في الفضاء الحقيقي لتاتلين وطرقه في التغلب على الجاذبية ، هذا بالإضافة إلى السوبرماتية لمالفتيج والتي نتجت عنها المنحوتات المعلقة.
قامت كوبرو بتزويج افكار تاتلين ومالفيتج ، لتعيد إنتاج الصليب والدائرة وديناميكية الخط المائل ، بالإضافة إلى الدراية الكاملة بكيفية معاملة المواد وبالأخص نوعية البلاستيك المطواع والتأثير الفضائي عليه ، مع الحرص على التنويع في الرموز والأشكال ، حتى تلوين الأعمال بالمونوكروم الابيض لاضافة التفرد والبصمة الكوبروية ، ولعدم تشتيت تركيز الجمهور . انتقلت بعدها لدراسة الأشكال الهندسية الثلاثية الأبعاد مثل المثلث او المثلث ايمن الزاوية ، النصف دائري والرباعي الأضلاع لتكمل دراستها على تأثيرهم في الفضاء الداخلي والخارجي ، المائل والمستقيم ، المباشر وغير المباشر استخدمت فيها مواد عديدة اتخذت مواقع وزوايا مختلفة من الفضاء . أعلنت كوبرو بعدها طريقين للنحت ، الأول منها لحظة الحركة والتي تضمنت دوران العمل النحتي حول ذاته في جانب معين في الفضاء والأخرى دوران الجمهور حول العمل الفني حيث يتم تحديد جوهر النحت من خلال ظهوره في الفضاء وكذلك الوقت الذي يتم فيه العرض ، وهذه الفكرة لم تكن في البداية كوبروية خالصة وإنما كانت نتاج انتسابها لجماعة البرايزنس وخلاصة تجاربهم ، إلا أن سعي الفنانة إلى انتقاء المهم وتطوير الأهم هو ما جعلها تتصدر المشهد والحصول على الريادة.

الماريونيت
ينبغي الغاء دور الممثل على المسرح ، وذلك بسبب تأثيره المباشر على الجمهور واستحالة تجرده من مشاعره او” الكاركاتر الخاص به”
بهذه الكلمات أعلن المسرحي والكاتب البريطاني فيليب كوريك عام ١٩٠٨, موت الممثل المسرحي ، متسائلا ما إذا كان الممثل المسرحي فنانا حقيقيا أم أنه يقوم بإلقاء ما يقرر له مسبقا. وبعد سلسلة طويلة من تهديم قيم المسرح الموروثة ، تحولت فيها خشبة المسرح إلى عرض ثلاثي الأبعاد ليس فقط عن طريق التأثيرات الصوتية والضوئية بل باستبدال الممثلين بالمانيكان ، الاوبر- ماريونيت ، الدمية المتفوقة. لحقه فيما بعد مبدع مسرحية ( الحصة الميتة) وهو المخرج والفنان والممثل المسرحي كانتور، ففي منتصف سبعينيات القرن الماضي اعلن تاديوش كانتور موت المسرح المفتوح وولادة المسرح المغلق ، حيث شارك الممثل والمخرج والجمهور بالأداء وتحولت خشبة المسرح إلى فضاء مفتوح لممارسة عملية خلق لم يسبق لها مثيل.
اما الفنان والمسرحي جوزيف شاينا فقد أعلن دخوله الجحيم في منجزة العظيم ( الريبليكا) ، كملحمة تصوير للحروب العالمية المجنونة وتبعاتها في القرن الماضي ، وقد غاب عن الريبليكا الحوار باستثناء الجملة الشكسبيرية الشهيرة: اكون او لا اكون والتي كانت تؤديها الاوبرـ ماريونيت وسط حطام مشحون بالدمى المقطعة والأشياء المدمرة.
" لقد لعبنا أدوارا كثيرة في حياتنا ، دعونا الآن نتوقف عن التنظير في المسرح ، نخترق سحره  ونترفع على السطحية ، اريد ان اصنع مسرحا ملائما ، ينبع من دواخلي ، وأدخل فيه الجحيم كما دخله دانته بقناعته الشخصية"
بهذه الكلمات أعلن شاينا مسرحه الحطامي الجديد ضمن عالم مشين صوره بحفرة كبيرة من القمامة .
وبالرغم من استخدام الثلاثة الآنف ذكرهم  وغيرهم كثيرون ، ومنهم على سبيل المثال وليس الحصر المصورة الفوتغرافية سيندي شيرمان لمفردة واحدة وهي الماريونيت الا ان كلا منهم طلع علينا بماريونيت تختلف عن الآخر، فالأولى خلقت مسرحا فنيا جديدا يتضمن مفردات وأساليب مختلفة عن الموروث وبالأخرى أعلن موت الممثل المسرحي وفي الثالثة أعلنت بشارة المسرح المغلق والرابعة صورت عالم ( حفرة القمامة ) والخامسة عرضتها شيرمان على مسرح صورها الايروتيكية الفوتوغرافية.
وباستعارة كلمات جميلة  للفنان الكبير جوزيف شاينا اختم نصي هذا
لقد لعبنا أدوارا كثيرة في حياتنا ، دعونا الآن نتوقف عن التنظير في الفن ، نخترق سحر الفن ونترفع على السطحية ، نريد أن نصنع فنا ملائما ، ينبع من دواخلنا ، وندخل فيه الجحيم كما دخله دانته بقناعته الشخصية
الصور المرفقة هي لرسام الشوارع

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات