GMT 4:39 2017 الثلائاء 28 نوفمبر GMT 8:29 2017 الخميس 30 نوفمبر  :آخر تحديث

توبوس... صهيل الذاكرة

إيلاف

بقلم - إيمان البستاني
 
عندما أنتهى الكراند أرشتيكت ( المعماري العراقي الكبير ) معاذ الآلوسي من انجاز مشروع شارع حيفا في بغداد ثمانينات القرن الماضي، كنتُ يومها اعمل كمهندسة ( سيطرة وتشغيل ) في كهرباء بغداد جانب الكرخ، هذا الجانب الحيوي من العاصمة العراقية بغداد التي ما فتأت يوماَ عن الغليان، في مهنة كل ما يقال عنها انها تأكل سنين العمر 
يومها طلبوا منا استلام محطات شارع حيفا لانتهاء العمل فيه، لا زلتُ اذكر كنا لجنة من اربعة مهندسات واحدة لمحطات المستهلكين والثانية للقابلوات واخرى للمقاييس الكهربائية و فحل واحد مهندس لاجهزة الحماية، ايام كانت النساء تدير دفة العمل و الرجال منشغلين بالدفاع عن بوابة العراق الشرقية 
اخترنا يوم ثلاثاء من كل اسبوع متفرغين لانجاز مهمتنا المضنية، بدا لي الشارع مهيباً بجمالية الأقواس وتكرارها و سكون المكان رغم ضجيج ماضيه و فضول يشوب هوية لمن سيؤول سكنه مستقبلاً، كنا نبقى في شارع حيفا حتى مغيب الشمس ندقق ونتتبع الخرائط محطة محطة وكيوسك كيوسك وبلر بلر و زنقة زنقة 
كانت اجتماعاتنا مكوكية مع ممثلي امانة العاصمة تجري في الموقع ذاته من الشارع في كرفان يعلو تلة تراب، كانت تترأس جانب امانة العاصمة مهندسة (لا اذكر اسمها الان) سوى انها كانت ذات شخصية وحضور طاغي ، ويضم الجمع ممثلي شركات كورية قامت بالتنفيذ لهم وجوه توائم يحملون كل لقاء تلال خرائط ويتمتمون طوال الجلسة، لم تسجل اي حادثة في زماننا لكننا عرفنا ان ثمة عامل قد لقى حتفه في بدايات التشييد نتيجة صعق كهربائي في احدى المحولات لقيامه بتأريضها وهي لازلت تعمل
 
ولكونه اعلى الهرم المعماري، لم التق يومها بالمعماري الكبير معاذ الآلوسي، الى ان شاءت الصدف واعددت معه لقاء ( فنجان قهوة ) في مجلة الكاردينيا الثقافية، اتذكر يومها كنتُ امامه كطفلة بضفائر مدرسية خوفني منه قوله عن نفسه ( نيقة لا يرضيه شئ )، وكاد مدير المجلة المهووس بالازهار والعصافير ان يفسد لقائنا حينما نشر اللقاء وقد ألصق بمخططات معاذ الآلوسي المعمارية طن من زهور وبلابل أثارت غضبه، لكنني اصلحت الموقف بأقناع المدير بالتنازل عن هووسه لأهمية الضيف وتميزه، بعدها اصبحنا اصدقاء
 
وعندما قرأتُ له كتابه ( نوستوس ...حكاية شارع في بغداد )، تمنيتُ لو اني قتلتُ ابي !!، من اختار لي مهنة بعيدة عن هذا الجمال المتمثل في العمارة والتخطيط وخاصة ان الله كان في جانبي عندما اغدق علي موهبة رسم كانت ستعينني لو اخترت العمارة بدل الكهرباء
في نوستوس كان الآلوسي عميق على مقتصد، متقشف غير فقير في تفاصيله العائلية، متمكن في عرض مادته الاكاديمية، سيرة معمار على مدى نصف قرن سجل فيها تجربته الغنية من دروس قيمة في الفن والعمارة والتاريخ وفهم للمشكلة الحضرية لمدينة بغداد، وفيه معالجة ميدانية قادمة عن خبرة فعلية لمشكلات الأحياء الشعبية وبخاصة مدينة الثورة التي اشرف الآلوسي على مشروع تطوير بعض قطاعاتها قبل مغادرته العراق نهائيا، هناك معاينة للبيوت التراثية وادامتها كما يشكل نوستوس رحلة ممتعة تمتد من اسطنبول وبيروت وأثينا وبرلين والكويت ومسقط وسواها
 
اما السرد البصري لمعمار عربي، لم يحكِ الآلوسي فيه، الاخرون حكوا عنه، تقميشة مقالات كتّابها ( نزيه خاطر ) الناقد التشيكلي والمسرحي اللبناني الراحل صاحب الكاسكيت الأبدية، (جبرا ابراهيم جبرا) الكاتب والناقد والرسام الفلسطيني، البروفيسور المعماري العراقي خالد السلطاني الحائز على جائزة محمد مكية للعمارة ، الدكتورة المهندسة المعمارية العراقية (سلمى سمر الدملوجي)، الناقد والشاعر العراقي ( فاروق سلوم )، وبكر الآلوسي نجل المعماري معاذ الآلوسي،لكن تخطيطات الآلوسي التي ضمها الكتاب حكت الكثير عن ولعه بالاقواس وتنويعاتها في العمارة وتأثيراتها على البيئة الصحراوية الحراوية حيث تسكن معظم مشاريع معاذ الآلوسي ومادة الطابوق وجمالية آصالتها عنصر زخرفي ذي نكهة تزيينية وإلى بعيد شبه فولكلورية واضاءات في جوانب في شخصية المعمار وتأثيراتها على تصاميمه منها ( التماثلية ) التي امتاز بها معماره والتي تضيف نكهة كلاسيكية مفرطة توحي الى ثبوتية انشائية و رصانة فورماتية عاليتين
 
في كتابه الجديد ( توبوس ...حكاية زمان ومكان ) وهنا نعود للأصول اليونانية لعناوين كتب الآلوسي ( نوستوس من نوستالجيا التي تعني الحنين إلى مسقط الرأس، أو الوِطان بكلمة عبقرية واحدة ) و ( توبوس وهي باليونانية المحل المتملك، صك الملكية طابو بلغة اهلنا )
 في توبوس فتح معاذ الآلوسي جرحه على اتساعه وعمقه،توبوس هو صهيل ذاكرة تأبى ان يمحوها زمن تشبث بها الآلوسي لما يحمل زمانه من قيم وموروثات وامنيات لبناء وطن يليق بالعيش لكن قوى الظلام كانت اقوى من كل هذا واخذت تخرب الوطن لذا تركه خلفه وارتحل مع مرارة لم تغيب يوماً تذكّره بأنه كان مقصراً مع اقرب الناس اليه، اراد ان يحتال على نفسه في كتبه السابقة بعدم الأشارة لسيرة حياته العائلية بهذا التفصيل،في كتبه السابقة افاض واسهب في شرح معمار الأصالة والهوية المميزة في الناتج المعماري والتخطيطي وتمسكه بالمنظور البصري للقيم الروحية التي هيمنت في السابق على هوية المدن ورفضه الحداثة الغربية المنتجة لمدن غير متناسقة بنسيج غريب جدا عن بيئة المنطقة، لكنه عاد في توبوس ....حكاية زمان و مكان، ودلق فيه كل ذكرياته الكبريتية التي تشتعل من تفصيل لأخر وكأن للآلوسي ذاكرة لا تشيخ ، كيف شد انتباهنا وهو يروي منذ الانفتاح الاول للمتن الحكائي للكتاب عن سيرة حياة شخص عرفناه ولم نعرفه ....بدأ منذ لحظة ولادته، مضيفاً اجواء ثلاثية الابعاد لحديثه فكأننا واقفين في الحوش ننتظر مع راعيته ( سويدة ) المولود الذكر، شقاواته كصبي لا تلغي صفة الدلال، لا يذهب بعيداً في كل اكتشافاته لكي لا يقرف منها، لم يعش حياة سفلى ولن تليق به، له نفس عفيفة تأنف ذلك
 
وعندما يأخذك متنقلاً في وصف منطقة سكناه في الأعظمية محلة هيبة خاتون ويذكر البيوتات وساكنيها واسمائهم حتى سابع ظهر ومواقع الأمكنة وما آلت عليه وكأنه نظام (جي بي أس) مجاني ، تشفق ساعتها على قلبه وتعرف ان حفظ كل هذا انتقل من الذاكرة للقلب واختزن فيه رغم كل هذه السنين، تعرف ان تذكرّه للتفاصيل صعد مرتبة عليا من حفظ الى عشق وكما تعلمون العشق موطنه القلب فقط وهذا ما اتعب الآلوسي ان ذاكرته وقلبه مصابان الآثنان بداء الوطان
 
في توبوس اثبت الآلوسي ان الوطن بناسه ( الدار بساكنيها ) اي ان الزمن بشخوصه والمكان بجغرافيته لا ينفع ان تعيشه في زمن مختلف لن تجد ذاك المكان نفسه بعد ان يرحل ناسه، الآلوسي توبوسه كان اربعينيات وخمسينيات الاعظمية اذن لكل منا توبوسه، أنا عن نفسي توبوسي كان ستينيات الكرادة، ترى ماهو توبوسك ؟!... لو اراد الآلوسي ان يغامر بحنينه ويذهب الان للقاء عشقه ويتجه صوب بغداده وأعظميته لن يجد ذاك النعيم حتماً ستبدو له بغداد امرأة خشبية الصدر،والاعظمية ستغدو امامه حطبية الشعر، وهذا ماكان يجيبه لحظة سؤاله :( هل أشتقتَ لبغداد ؟) فيرد : ( أشتقتُ لبغدادي أنا لا بغدادهم ) قاصداً ان بغداد التي عرفها لا تشبه بغداد اليوم، ترى اين سيجد النافورة الوسطية ( الشذروان ) يفيض عذوبة وسط الدار بينما والده متكئ يمضغ الهال والبيبي الكبيرة ابنة تسالونيكي تتوسط طاولة الطعام توبخ بلكنة تركية كل من تسول له نفسه الأكل قبل الكبار
 
في رحلته لتحقيق حلمه بالعمارة وهو يتنقل من أنقرة واسطنبول الى فرانكفورت ام ماين مروراً بالألب نحو ايطاليا، كانت قراءة فرجوية تتلذذ بالخبرات الناطقة التي عاشها كما هي في الحياة للاشياء العادية التي نادرا ما يتوقف عندها البعض هذه الايام لكنه نقلها بصدق بدون تزويق او تجميل، لم يحسّن صورة هفواته وطيشه وبنفس الوقت لم يراهن على وقاره أمام محبيه ومعارفه ليقينه التام من رصيد ندرة شخصيته الجامعة للنقائض بتوليفة لا تتكرر فهو معظماوي ملتصق بقيم عائلية لكنه جيرماني من أرض الدويتش في نسق حياته وانضباطها، بالرغم من لحيته الكلينكونية لكن جاذبيته كازانوفية، نوستالجي بأمتياز لكنه أبيقوري المعشر،أرستقراطي الهيئة ولكنه لايتردد بأكلة باجة مع اسطوات المهنة اوشرب الشاي المعطر بأحاديث الفقراء في مدينة الثورة مدينة البسطاء

بقى اخيراً ان اسجل اعجابي 
اولاَ - لموقف والده رحمه الله ( ظافر الآلوسي ) في تصرفه النابع من شيم وتقاليد أصيلة حين فاتحه ولده معاذ بنيته بالزواج من الالمانية ( سوزان ) فما كان من الأب الا ان طلب من ابنه تحرير رسالة بأسمه كوالد الى والد سوزان كخطبة رسمية وخطوة يقدرها الكبار فقط 
ثانياً - للجهد الذي بذله معاذ الآلوسي كمؤلف في تنوير القارئ لمصطلحات ومواقع وشخوص وتيارات معمارية وفنية وتراث غربي من موسيقى وملبس وأطعمة تضمنها الكتاب وفيها شرح وافٍ على الرغم من سعة بون معرفته التي جعلت من الهوامش دليلاَ معرفياً يأخذ بيد من يجهلها
 
بقى ان اقول ان معاذ الآلوسي لم يتوج كتبه يوماً باهداء، في نوستوس توجه فقط بالشكر لرفيقة دربه ( سوزانة ) ولوحيده ( بكر ) وللصحفي النادر ( سهيل سامي نادر ) وللاستاذ فيصل الجبوري زميل مهنته، وكأنه بهذا يؤكد انه ليس عليه ديناً لأحد،.....يستذكر كل سنين حياته وهو وحيداَ في نوستالجيته المفرطة جالس بعيداً على شواطئ المتوسط وعيناه على بغداد لكنه لم يستجدِ يوماَ في عشقه لوطن قسى على ابنائه كثيراً ; يا معاذ أغفر لوطنك جحوده ه فالابناء وحدهم يغفرون ... لا الاوطان
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات