GMT 18:10 2017 الخميس 30 نوفمبر GMT 10:05 2017 الجمعة 1 ديسمبر  :آخر تحديث
تنويعات الذات على مدارات الأنوثة

صبا قاسم في: "يشتد بي الأزرق"

عبدالله السمطي
تعطي الشاعرة صبا قاسم لديوانها وسْمًا لونيًّا آيته الكبيرة تتجلى في دالتي: السماء والبحر، وربما تتمدد إلى الليل، فالأزرق هو هذه المساحة اللا متناهية التي تركض فيها فضاءات ومدارات، حتى لتلامس التقنية وصورتها وأجواءها التي تشكلها الشبكة العنكبوتية. 
الأزرق استلهام لوني دال ومعبر عن حياة ربما تكون صافية، في مستواها الأول للتلقي، لكنها في العمق قد تتخذ مسارب أخرى لا تذهب عن مكابدة الوجع أو مراودة الذكرى ومخايلتها أو التعبير عن شجون الذات من العاطفة السينتمنتالية إلى قساوة الواقع. 
بيد أن مخارج الشعر تبقى هي الأروع، حيث تطهرنا الكلمات وتخلصنا الصور وتقلنا المشاهد إلى سحابة ما وراء سياقات التشكيل والكتابة. 
هكذا يمكن أن نتصور الدفقات الدلالية العامة لديوان صبا قاسم:" يشتد بي الأزرق" .
لنذهب بداءة إلى تقصي هذا الميسم اللوني بنصوص الديوان ، حيث يأتي الذكر الأول له في النص الذي يحمل الديوان عنوانه:" يشتد بي الأزرق" وهو نص قصير:
يكبرني بعشرات القبل
بمئات الأقداح
ما زلتُ
كلما لاح موجه عن ولهٍ
اشتدَّ بي الأزرقُ
لأطبق شفاه الجنون
على عتبة سمائه:
عم بحرًا أيها المعنى
عم سماءً أيها الضياء . / ص 9 
 
هي دلالة لقطة الاختيار هنا، اختيار عنوان النص، ومن ثم اختيار عنوان الديوان، هذا الاختيار يعطي أهمية دلالية مركزية ل:" الأزرق" فهو كما ذكرتُ في المستهل : لون السماء والبحر، وأيضا لون الإحساس الداخلي، الشعور بأن الكون يجثو داخل الذات بكل هذا الاتساع، ومن هنا فإن الشاعرة تجوهرُ هذا الميسم اللوني وتشكل به مشهدها الشعري المكثف رابطة إياه بحالة وجدانية تتجلى في لوعة الاشتياق في :" كلما لاح موجه عن ولٍه" حيث يشتد الأزرق ويعلو ويتجلى بموجه وسمائه وبحره. 
ويرد الأزرق في أربعة مواضع بالديوان هي كالتالي:
- أحبك ... برسم الأزرق المصاب بالأمل .. بكَ. / ص 30 
- وهو يلون الساعة الثانية من بعد زوال الأزرق. / ص 53 
- لن يطول البهاء.. لن يطول الأزرق . / ص 57 
- هناك على الشفاه في زيّه الأزرق . / ص 79 
تتخذ دالة :" الأزرق" أبعادًا أخرى بالإضافة إلى البعد اللوني، فهي تتخذ بعدًا بتقليد أو عادة، كما تتخذ بعدًا زمنيًّا، فيما تصبح هي اللون الأثير للتعبير عن بوح داخلي تقاسم فيه الذات صورتها في الخارج. 
وتتمدد هذه الدالة لتسكب معناها في مختلف أجواء النصوص التي تركز فيها الشاعرة على الضوء والسحر والمدارات والجهات والأبعاد، فيما تشكل مدارات نصوصها من هذا البعيد الغامض الذي تشبهه بسحر هاروت. الأزرق له دلالة نوعية لدى الشاعرة ولهذا انبثقت هذه التسمية للديوان . 
 
أفق درامي: 
لا يتخذ البعد الرومانتيكي عبقه الوجداني المباشر في بعض نصوص الشاعرة صبا قاسم، إنما يتأسطر أكثر، يصبح أبعد درامية وشجنا، يحفل بالمتناقض والمفارق، ويخبئ صراعًا ما داخل كلماته ما بين الحياة والموت، كما في نص:" حقيبة جسد" : 
وأنتَ تيممُ قلبك شطر نارها
وأنت تجهّزُ حقيبة جسدك
لا تنس كل الأغاني 
كل الستائر التي طيرتها نسمة خريف
وهي ترقص على موسيقا من شجن نينوى
لا تنس المطر الذي جمعته يداك ولثمه انتظاري
لا تنس حبة العنب التي نبتت بين عيون بكر
أما حلمي الكبير، إن لم تتسع له الحقيبة
فانفخ فيه من روح هرمك الكبير / ص 11 
 
يتشكل النص – الذي يذكّرُ في أجوائه البعيدة بنص لمحمود درويش  بعنوان:" فكّر بغيرك"  من ديوانه: كزهر اللوز أو أبعد - كما نرى من تسعة أسطر، وفي هذه الأسطر ثمة حوارات متعددة على مستوى سياق الكلمات نفسه، سواء بالترادف الدلالي أم بالتضاد: لا تنس كل الأغاني، لا تنس المطر، لا تنس حبة العنب، الأغاني والموسيقى، أو ما بين: النار- المطر/ الجسد – الروح . هي أجواء متداخلة متضادة معا، وهي تصنع نوعا من الحوارات الدلالية المصغرة المكثفة داخل النص. تنقل القارئ إلى نوع من الوحدة الكلية بين المتآلف والمتخالف، لتكتمل الصورة حتى لو بحضور الضدين معا. 
حقيبة الجسد تتسع للأغاني والستائر والمطر والعنب . لكنها ربما لا تتسع للحلم، فالحلم أكبر ولكن يمكن احتواؤه إذا كانت الروح كبيرة، وإذا نفخ فيها من جديد. 
هكذا تصلنا الشاعرة إلى بعد شَرْطيّ بنهاية النص يعلق الحلم بالروح بالزمن، وهنا تصبح نهاية النص مفتوحة على التأمل والتأويل. 
وتستهل الشاعرة ديوانها ببنية النفي، تكرر النفي  في نصها حتى السطر الأخير الذي تثبت فيه حضورها الذاتي عبر التأكيد بجملة شعرية تتنفس يقينها الدلالي بصورة تؤكد مشقة الوصول وتعب المكابدة. في درامية ضمنية تراوح ما بين صورة الوجدان والوله العاطفي من جهة، وبين سؤال الواقع وصخبه ومفارقاته. 
وفي نص بعنوان:" رمال" تتوالى الجمل المنفية من أول النص لآخره ، تسع جمل منفية ب:" لم" لتؤكد على جملة من المواقف التي عبرت بها الذات الشاعرة، سواء على المستوى اليومي الواقعي أم على مستوى استشراف الآتي، أو قراءة المبدأ الذي يجثو في الضمير الوجداني وفي عمق الوعي، تقول الشاعرة: 
لم أبنِ مدني من رمال
ولم تخطفني قهقهات الكريستال
...
لم أقتل الضوء على مرمى مبصرين
ولم تعمني بهرجة أعياد الميلاد
كثير الرّقع
...
لم أقتل الكلمة التي حرمها القلب
ولم أطعن الحنين من الوراء
إنما بنيتُ نفسي بماء الصخر . / ص.ص 7-8 
 
البناء بماء الصخر صورة متفجرة بالدلالة، هي طحنت الصخر حتى فاض بمائه. والبناء على الماء نوع من الاستواء الذاتي بعد كدّ ومشقة ونَصَب وتعب، هي صورة تستلهم هذا الأثر المعروف دلاليا بالنحت في الصخر، لكنها تجاوزت هذا النحت للوصول إلى ماء الصخر نفسه. 
وفي هذا الأفق تعتزّ الذات أكثر بما يتيقن لديها من مبدأ مخالف لسياقات الواقع، من حيث الوصول إلى قيمة ما أو مكانة ما عبر استشراف إرادة الذات وقوتها في التحمل والوعي بما يكمن فيها من طاقات وقيم. 
 
تعالق سياقي:
 
 يتشكل الديوان من 58 نصا قصيرا،  تتنوع دلاليا لتعانق ما يعبر عن الذات أكثر، وما يعبر عن العلاقة مع الآخر ، وما تراه الشاعرة من مواقف ووقائع هي على اليقين – كدأب قصيدة النثر – أجواء من الرؤية والتأمل في أشياء اليومي والحياة ولكن بشكل يتوق إلى معانقة الما وراء، والنأي عما هو مقترف ومألوف. 
 
 
 
 
والشاعرة صبا قاسم تدرك رؤيتها الشعرية وتعرف كيف تحرك دلالات كلماتها، فهي لا تقنع بالدلالات المعهودة القريبة، لكنها تغير في شروط التعالق السياقي بين الكلمات ، وتصل إلى ابتكار علاقات جديدة، ولو تأملنا – تمثيلا – في هذه التعبيرات سيتضح لنا أن الشاعرة تقفو حساسية جديدة في تركيبات عباراتها الشعرية، بل في علاقة الدال بالدال، والتخييل بالتخييل:
يكبرني بعشرات القبل، بمئات الأقداح/ عم بحرًا أيها المعنى، عم سماء أيها الضياء / ص 9
أسيرة الأقدار المرفوعة والتي ماتزال تحت الطبع / ص 13 
وجدتني لقرون من النهد دفينتك/ ص 13 
ضجيجك يعربد من زمن (أعطني حريتي) / ص 15 
صفعني ذات (لا ) / ص 19 
كما نرى في التعبيرات السابقة ثمة تغيير لدلالة الكلمات لتتخذ القبل والأحداق والنهد ، ومقتطف:" أعطني حريتي" من قصيدة إبراهيم ناجي لأم كلثوم دلالة زمنية، ، والأقدار تصبح تحت الطبع، فيما " لا" تتخذ صيغة الحال .
هذا السعي صوب تغيير دلالة الكلمات يؤكد على يقين الشاعرة بضرورة الاختلاف، ومحاولة ابتكار تعبيريتها الشعرية الخاصة. 
ويبدو أن عمل الشاعرة بالترجمة، وقراءتها لأطراف من المشهد الإبداعي العالمي، جعلها مدركة بالوعي الشعري الإنساني بوجه عام، مدركة لقسماته وتحولاته، وهي على اليقين لن تنأى عن إيراد بعض أخيلته وتشوفاته، ولو عن طريق ذكر أصواته البارعة كما في هذا المشهد: 
ها هو مجد أوفيد تحاكيه قيثارة الخلود
ها هو يعيد صياغة روما
وها هو لوركا يغني القمر الأسباني
بالكثير من أعراس الدم
وأنت المسكون بملامح غوته وروح فاوست
مازالت
ثمارك الخريفية فوق ال (هنا) الممكنة / ص.ص 29-30 
 
وفي مشهد آخر تذهب الشاعرة إلى مزج إيقاعية مشهد بمشهد، مشهد المطر مع مشهد الرقص، كلاهما له إيقاعه وتكراره، كلاهما له دلالاته البصرية والصوتية والحركية، ومن هذه الدلالات تتلاقى أطراف الصورة، كما في نص بعنوان:" مطر" : 
 
إذا تنكّر المطر لهطولكَ
وسُدّت المسام أمام شوقكَ
فدثّر الصقيع بصفاء روحك
جادل العتمة في وحدانية حزنها
وارقص لخمس هفهفات
وغيابين اثنين بعد الرذاذ
وتعالَ
مثل تانغو يذرف مرونة العتمة
على خصر ماء / ص 10 
 

أنوثة وتنويعات: 
كيف تكتب المرأة أنوثتها؟ كيف تعبر عنها؟
هو سؤال يندرج ضمن الوعي الشعري الذي تزجيه الشاعرة لنا في نصوصها، وضمن الدلالات التي تزجيها ما بين نص وآخر، بيد أنها في نص يحمل عنوان:" أنوثة" تقدم رؤيتها بشكل جلي محدد، يخصص المفردة لتقول أكثر وأوضح، وتقفو بعض صورها مشكلة رؤية ما مكثفة : 
 
لن أردم أنوثتي تحت تربة الغياب
سأرفع حائط الضوء في وجه الأوج
لن أسرق خيوط الشمس
لأطعم صغار دمعي
إنما
سأجمع عدتي من الصباحات وعلب الحبر السائلة
كأنتَ على خدي
يا ابن جلدي
في أقرب نسيان
سأسيرُ على سطح نسائك
سألاقي غربة ما
تفرشُ لي سجادها العاري من الوطن / ص 47 
تحضر الذات أولا في سياق النص لتشكل رؤيتها عبر استقبالية الحدث، مستقبل منفي ب:"  لن أفعل ..." ومستقبل مثبت بسين الاستقبال، وما بين النفي والإثبات تتحرك الصورة. 
سوف تبقى الأنوثة لن تغيب هكذا تحدد الشاعرة بدئيا، لن تردم تحت تربة الغياب، حتى الضوء سيتم لملمته من الصباحات اليومية الواقعية الملموسة لا من الشمس البعيدة التي ترسله. الشاعرة تضع الضوء عنوانا لأوج الأنوثة، تتباهى به وتعلو على بقية النساء اللاتي يتهافتن على الآخر، ستنساه تماما ستفتش عن غربة بلا أوطان. 
ثمة اعتزاز بالذات، وتشوفاتها للعالم، لا اعتزاز بالأنوثة في بعدها الحسي. الذات ترى عبر الضوء الذات تشرق بتضاداتها أو بتلاقيها المتآلف ما بين النفي والإثبات. الذات الأنثوية هي الحالة المتعالية على الألم هي ما تزجيه لنا الشاعرة هنا بشكل موارب. 
من جانب آخر، تبحث الذات عن جملة من التنويعات الدلالية التي توسع بها من فضاءاتها الدلالية، ومن أفق رؤيتها الشاعرة، حين تصنع تكرارا مدهشا كما في نص:" جهات" / ص 44 بحيث يتجلى أمامنا أن التكرار هو صانع الإيقاع والغنائية الشعرية 
فيما تقدم في :" تنويعات على بياض " ( ص.ص 73-96)  جملة من النصوص القصيرة المكثفة الفلاشية التي تذهب بها إلى سياقات متنوعة، توسع من الدائرة الدلالية للديوان فتتحدث تصويريا ومشهديا عن: الجنون والفنون، وعن شاهدة الموت، والذكرى، والصباح، والآخر الوجداني، ومزاج الأنثى، في تعبيرات متعددة تبرز الوعي السينتمنتالي حينا والرومانتيكي الحميم حينا آخر ومنها:
إني في شتاء من أمري
إني في شهقة من يسراك
مدّ لي الأخضر
كي أستطيل بقليلي إلى كثيرك. 
...
لم تكن السماء 
تلك التي سالت على خد داليتي
ولا الضوء الغادر قنديله ليبعثر نفسه على ثوبي
كانت كحلتي التي صنعتها من ماء غبطتك. 
...
لا تخف من همجية أنثى
هزات حماقاتها ليست عنيفة
بما يكفي لإخراجك من الزمن
أكتب لأغيب خلف السحب الرمادية
لأسمع صوت نقاء في أوج العتمة 
بعيدا عن عفونة الصدأ .
 
إن الشاعرة صبا قاسم تدنو كثيرا من ذاتها الرائية، ومن وعيها الكامن لتشطره كثيرا بحيث يتفتح أكثر عن تياراته الداخلية التي تمرق لتعبر عن رومانتيكية مفتقدة، عن حالة من الوجد الصوفي أحيانا، عن قدر من الأسطرة وقدر من التصوير الذي يتفتق عما هم منسي ومهمل، عن الذكرى، عن المهمش. الشاعرة تشكل من العلاقة بين الصغير والكبير في أفق الوجود عالمها، تحدث تراسلا ما بين الوردة والسحابة، بين الحجر والسماء، بين الحسي والروحي، وهي في ذلك كله لا تنسى كثافة الرؤية وآليات التعبير الذي يقدم وعيا عباريا شعريا يسعى للاختلاف وصنع آفاقه الدالة. 
 
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات