GMT 4:41 2017 الأحد 17 ديسمبر GMT 12:36 2017 الإثنين 18 ديسمبر  :آخر تحديث

اوراق من موسوعة حميد المطبعي... هكذا ولد يوسف العاني

إيلاف
 
تقديم – ايمان البستاني
 
اعتزازا بمسيرته العملاقة وكفاحه من اجل تنشئة مسرح عراقي صادق في ايصال رسالته السامية لنصرة شعبه اقتطفنا هذه الاسطر من موسوعة المفكرين والادباء العراقيين تاليف الصحفي القدير حميد المطبعي في الجزء الواحد والعشرين والتي طبعت عام  1995 عن حياة فنان الشعب المرحوم ( يوسف العاني )
و نرجو بها ان تكون ومضة استذكار لتاريخ هذا الرجل الذي قدم نصف قرن من حياته من اجل قضيته
 
 
البدايات - قدره الاجتماعي
قالوا له : ولدتَ في الصيف – كانت امك تنام على السطح وقالوا، انه ولد بعد احد عشر شهرا من الحمل، وانه كان جميلا جدا،  ولهذا السبب اختاروا له اسم ( يوسف ) وفي بيت بسيط تتوسطه نخلة باسقة بمدينة ( الفلوجة) كانت ولادته 
ابوه ( اسماعيل عبدالملا لطيف ) كان ( تتنجياً ) يبيع السكائر وفي الوقت نفسه كان اماماً لجامع الفلوجة، والى هذه الساعة لم يعرف يوسف متى جيء به الى بغداد، لكن سنة ميلاده بالقياس لمن ولد معه في تلك السنة تشير الى عام 1927 وبحسب الوثائق المتوفرة وفي بغداد كان يحبو ويتمثل الصور التي امامه، الغرفة، السرير الذي نام عليه ابوه، وبنت تقف قرب رأسه، وبنت اخرى اسمها ( صبرية ) كانت تحدق في لاشيء، و يوم ارجعوه  الى الفلوجة  لمدة وكان طفلا طريا، كان ابوه قد فارق الحياة،  وترك في قلب ابنه ذكريات مأساة اليتيم، فما احلى هذه المأساة في فم يوسف فقد علمته ان يصنع غده بيديه، وان يصطدم بالحياة الصعبة القاسية اصطداماً حقيقياً
وادرك في بغداد حياة الطفولة في بيت صغير في ( سوق اللبن ) وهو جزء من سوق ( حمادة ) بجانب الكرخ، كان يعيش معه امه واخوه من امه ( امين ) وابنته واخته من امه ( سنية ) التي رعته وتوافرت على تنشئته بسبب كبر امه وهزالها فقد كان اخر العنقود ( بزر الكعدة )  بينما له من امه اخوان ( عبدالغفور وامين ) ومن ابيه اخ هو ( عبدالوهاب ) واختان ( بدرية وصبرية ) اي ان اباه قد تزوج مرتين وتزوجت امه مرتين ايضا، و زواج ابيه كان من خالته في الزواج الاول وعندما توفيت تزوج ابوه من امه وكانت الزوجة الثانية
في الخامسة اخذوه رغما الى الكتّاب وكان يحمل نصف كيلو من ( الخوخ ) وحين طلب (المّلا ) منه اكثر من واحدة ( وكان يوسف يحب هذه هذه الفاكهة ) رماها كلها في وجهه وخرج من (المّلا ) هاربا، ولم يعد الى الكتّاب ثانية، حتى اذا نضجت طفولته في السابعة سمع نداء من امه : يا يوسف اليوم تذهب الى المدرسة، خذ البدلة الجميلة و اذهب مع عبدالوهاب و و هاهو الان في مدرسة دار السلام الابتدائية، تجيء و تذهب نظرته الى الحشد غريباً، يجيء ويذهب غريباً، وفي الصف لم يكن يميز بين التلاميذ والمعلمين، عالم غريب يدور في رأسه،  منْ القى به في هذا الخضم حتى استقر يه الحال واطمأن الى نفسه،  يوم رأى في اليوم الثاني قريبه ( عبدالوهاب ) يقرأ شعرا في ساحة المدرسة،  ويصفق له التلاميذ والمعلمون،  وهو ايضا صفق له بحماسة كبيرة،  كان ينتصر على غربة لايعلم من اين جاءت اليه
في الصف الثاني الابتدائي اخبروه ان امه تتأوه من مرض شديد، وعندما وصل البيت رآها محمولة الى مستشفى المجيدية، ومشى خلفها ولم يحتمل ان يبقى في مستشفى فعاد الى بيته في مساءٍ كله عواصف وامطار
وبعد عدة ايام سمعت زوجة خاله صراخاً من بعيد فتحوا الشباك وسألوا مشاهدا من المشاهدين :- عمي  خير ؟؟
 
قال : واحدة جيء بها من المستشفى ميتة، خرجوا الى الدربونة، رأى يوسف عددا من اقاربه يتجمعون بينهم اخوه امين واخوه الكبير عبدالغفور وعمه ابراهيم ولما رأوه بكوا
صاح امين : ويوسف شلون ؟
صاح اكثر الواقفين : يوسف يظل عدنه 
وبعد ان اغدق الكل عطفهم ( صديقته ) زوجة اخيه، فهي حبيبة صباه و طفولته وامه التي رعته كما رعت ابناءها، وينتقل الى محلة ( خضر الياس ) وهي بالكرخ تطل على نهر دجلة، وامام بيته حديقة مارس فيها نشاط الطفولة، كان لايترك ساعة الا ويحدث هذا ويتكلم ولا يتكلم الا بحركة، حركة تمثيل ببراءة، حركة العاب تقترب الى التمثيل يحاكي و يشبه، يحاكي اصوات الاخرين المشهورين ويحاول ان يتقن الشبه فينجح 
اتقانه لحركات الرجال المعروفين في المحلة والمدرسة والاسرة، حتى عندما يقرأ شعرا في الابتدائية، تراه محاكيا شعراء كان يسمع بقراءاتهم في المآتم والافراح، لا يدري في اي شكل ويأية وسيلة جاءت اليه المحاكاة، حتى معلمه ( علي القزويني ) في الرابع الابتدائي ساله: من علمك التمثيل ؟ كان يقول له : من الناس اي ان يوسف منذ الرابع الابتدائي عرف بمدرسته او بمحلته انه ممثل لانهم شاهدوه يمثل دور ( يوسف الطحان ) الموجودة قصته في القراءة الخلدونية، و يوسف العاني كلما تذكر يتذكر هذا الحدث او هذه الولادة المسرحية وجدناه يعيد صاغة ماضيه بما يشبه الوثيقة لتاريخ بداية تجربته : 
كنت طفلا، أحبو ،
مات ابي وانا طفا أحبو ،
الصورة تملأ ذاكرتي حين مات ابي ،
فارقته امي ،
كانت شهادة نجاحي بيدي 
وثيقة فوز عندي
الثاني في الصف الثاني
كنت في الثامنة، بدات احب واهوى وحدي
فالعالم متسع حولي، واخي صار ابي
و زوجته صارت امي ،
تحمل همي ،
تمنح كل ( شطاراتي ) الحق لكي تكبر ،
حتى نزواتي، كل صباباتي صارت تكبر
و ذات يوم :
وثيت على كرسي عال اصرخ بالصوت العالي
لأمثل :
( يا مطحنتي يا مطحنتي )
هاكم اسمي
اسمي يوسف اسمي الطحان يوسف 
يا مطحنتي يا مطحنتي
قالوا : اعقل
قالت امي : مثّل
قالوا : زد علما، زد درسا واعقل
قالت امي : مثّل والعب
لكن لا تتعب
انت الشاطر، انجح و تفوق
اعلم ان الماء بلا لون
ولون البحر ازرق
اعشق لعبك، واعشق حبك 
مثّل 
و رحت امثّل، 
 
و حرية بيته هي التي حررت فيه القيد القديم،  و ربما كانت زوجة اخيه تكتشف فيه مزايا الغريزة الاولى،  فأطلقت الحرية لغريزته فأيعنت في التمثيل،  او ربما كان ( اليتم ) سببا في احتضان زوجة اخيه لمواهبه وهوايات الطفل الاولى،  ساعده في ذلك ايضا : رفاه البيت،  فقد كان البيت الذي احتواه يعيش حالة ترف و نعيم واضحين،  وكانت في البيت اسرة كبيرة رب الاسرة عمه : توفيق الخانجي ( صاحب الخان المعروف في باب السيف ) والتاجر الذي حمله الناس اسماً كريماً في سوق التجارة،  و يظهر ان جزءا كبيرا من تراث يوسف يرجع منبعه الى عمه الذي رسم لبيته القيم والتقاليد واراد ان تكون سيرته ( قدوة ) لابناء بيته وكان دائما يقولهم : ( ينبغي ان يكون كل واحد في بيتي نظيفا في قلبه و لسانه ) فالحياة كفاح شريف،  هكذا كان يرى الدنيا ، وهكذا علم يوسف الامثال والحكم والمأثورات 
و جاءت الحرب العالمية الثانية وارتفعت الاسعار و برزت ظاهرة السوق السوداء و مازال خان عمه على نظافته،  اسمع يا يوسف :( كل تجارة خارج الحق حرام،  اضبط الاسعار،  كن يقظاً ) حتى لا ينال من سمعته المرتشون،  و ضبط يوسف الاسعار،  كان يقظاً في ان لاينحدر مع السهولة والتلاعب والغش،  ليس لان عمه كان مؤمناً و تقياً وانما كانت في يوسف تنمو غريزة الفقراء 
و هؤلاء الذين تنشأ فيهم امثال هذه الغريزة منذ الصبا هم وحدهم يحافظون على الموازنة الدقيقة بين القلب والحياة،  هو رأى الفقراء في بيته و راى عمه يعلم الناس على احترام بيئة الفقراء،  كان ينتابه دهش لا نظير له عندما يشاهد مجلس عمه يغمره وزراء و تجار و نواب وهم اصدقاؤه لا يشبع نهمه الا في الجلوس بين الجمالين في الخان او بين اصحاب الزوارق ( البلامة ) في مقهى ( احمد الجداع )،  و كأن يوسف كان يرى في هذا ( التناقض ) حياة المحبة الحقيقية في عمه،  التواضع و عذوبة الذات .
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات