GMT 17:04 2017 الإثنين 6 فبراير GMT 18:11 2017 الإثنين 6 فبراير  :آخر تحديث

أنفال عبدالباسط الكندري: الوطن.. أم

إيلاف

 


كلما قررت أمي الرحيل أدخلت نفسي في حقيبتها  , تعلمت ذلك منذ أن تركت جنة والدي لتدخل نفسها في جحيم رجل آخر , تركتنا أنا وأخوتي وأبي .. ثم تركها رجلها مع طفليها , لازلت أذكر كيف أقحمت نفسي في حياتها كعبء ثالث , كانت في كل ليلة تفرش لحاف طفليها ليناما بجانبها وأنا تتركني لنفسي , أضمها فوق الكنبة الصغيرة , في كل ليلة حين كنت اسمع صوتها وهي تغني لصغارها ارفع اللحاف واشعل التلفاز وأنام على صوت الغرباء الذين يعيشون خلف الشاشة , أنام وأنا أحلم بكفها وبصوتها وهو يحبني وينادي علي .. بعيني أمي الجميلة وهي تحتضنني بدفء الدنيا , لكن كل صباح تدخل الشمس دون صوتها , افتح الستارة ولا يصل نور عينها ليضيء وجهي ويشرق بابتسامتها الحب .
منذ أن دخلت بيتها وحيدة أي منذ أن أتممت العشر سنوات وأنا أعد نفسي كل يوم بأنها ستحبني , تعلمت جميع الأشياء التي تفرحها , اجتهدت و تفوقت وكرمت في المدرسة ولكنها لم تحضر لمرة لتعانق معي فرحتي , أحببت اخوتي وأصبحت أماً ثانية ووطناً أصغر من جلالتها لكنها لم تلتفت , وكأنني لم لست ابنتها أو جزءاً صغيراً منها , تكون حاضرة دائماً بكامل حرصها فقط من أجل تجهيزي لزواج مختلف لا يشبه زيجاتها الفاشلة التي وأدت بها أحلامها , كانت تلمسني لتتأكد من أن بشرتي ناعمة , كانت تلتفت لتتأكد من تغذيتي وعنايتي بشعري , كانت شديدة الحرص على أن لا يجرح شيء كفي وكأن مصيري مرهون بلونها وصفائها ونعومتها .
كانت تهتم بحلمها الذي تراه من خلالي .. بأن تقف بجانبي ولا تترك مجالاً ليقف أبي في تلك الصورة , وكنت أهتم بأن تجلسني يوماً واحداُ في قلبها , وحققت حلمها بي .. وأصبحت تلك الصورة لا تتسع لأبي وأخوتي , دخلت حياة جديدة بقلب قديم معلق على جدار الطفولة التي تنبع منها رائحة الحرمان أتقدم بخطواتي مع هذا الرجل وعيني تبح في الخلف عنها لكنني لم أجدها واقفة لتودعني , ستبدأ الآن حياتي الجديدة التي لا أعرف ما الذي أريده منها فهي لم تكن تخبرني بما سأفعله !
لكن الرجل الذي كنت معه كان يعرف جيداً ما يريده , كلما اقترب تأكد بأن اختلافنا في الملامح لا أكثر فقلبي قلبها .. كلماتي كلماتها .. صوتي صوتها , فأعادني لأنه ليس بحاجة إلى نسخة عن قلبها واهتماماتها , لقد كان يبحث عن ناتج جديد ينصهر به ويخرج منه مملكة مختلفة , لكنني لم أكن كافية لذلك لذا أعادني لأدخل نفسي في حقيبتها مرة أخرى ولأخبأ رأسي في قلبها لكنه كان ضيقاً لا يتسع لي , بقيت واقفة بجانب حقيبة وحدتي بين والدي الذي تركت منزله وبين حلمي بحنانها وقبولها لتلك القطعة الصغيرة التي وضعتها بين الأحياء الذين يزدحم بهم الكوكب , أحياء ولكن بلى قبول .. بنصف وجود وبلى وطن .
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات