GMT 7:14 2017 الجمعة 17 فبراير GMT 7:16 2017 الجمعة 17 فبراير  :آخر تحديث

محاضرة في طنجة عن ميلاد التوحيد (التوحيدية)

ابتسام جدير

شرعت جامعة "نيو إنغلد" بطنجة تمثل موعدا لا مفر منه لجمهور المدينة من مثقفين ومتابعين للمحاضرات التي يحتضنها رحابها. وقد استضافت مؤخرا الجامعي مارك سميث أستاذ اللاهوت بجامعة برنستون بالولايات المتحدة. 

افتتح مارك سميث محاضرته بتوجيه الشكر "لمنتدى طنجة الدولي" التابع لجامعة نيوإنغلند، ولمدير المنتدى أنور مجيد لدعوته التي مكنت المحاضر من مشاركته الحضور بعض آرائه.
وأكد أن عنوان محاضرته "ميلاد التوحيد" يتضمن كلمتين قد تبدوان غير منسجمتين معا: فا"لتوحيد" مفهوم يخص الإيمان بموجد واحد للكون. وال"ميلاد" عملية مادية يخضع لها البشر والحيوانات في أثناء جلب صغارهم للعالم. "ولا يعني التوحيد حرفيا عملية مادية مثل "الولادة""، ولكن تقدم "الولادة" بوصفها استعارة واعدة لاستكشاف مفهوم التوحيد، وتلمس مساراته الإيتيمولوجية.
قد يُعتقد بأن عقيدة التوحيد "ولدت" فجأة في العالم؛ فعادة ما يُفترض أن التوحيد برز إلى الوجود مع ظهور بني إسرائيل لأول مرة كشعب؛ إذ حصل على القانون الإلهي من الرب عبر النبي موسى على جبل سيناء (جبل حوريب). كما تقتضي العادة أن يفهم هذا التوحيد في كونه لم يسبق له مثيلا. "وأبانت دراسات العقود الأخيرة أن بروز هذه العقيدة عند بني إسرائيل كان أكثر تعقيدا". 
وأشار المحاضر أنه سيلقي نظرة على ثلاثة جوانب من "ميلاد" التوحيد لدى بني إسرائيل. فأكد، أولا، أن المفهوم لم ينبعث من فراغ. وتتحدد مهمته الأولى في الكشف عن آباء التوحيد "إن جاز هذا التعبير المجازي". وأنه سيفحص ثانيا الزمان والمكان والملابسات المحيطة بولادة التوحيد. وسينظر ثالثا في تأثير هذا المفهوم الحديث الولادة الذي يحتوي على طفولة ليكبر في ما بعد. ورأى أن المفهوم قد ظل حاضرا في الديانات السماوية (اليهودية، والمسيحية، والإسلام)، وتساءل عن طفولة التوحيد في إسرائيل القديمة، قبل هاته التقاليد الدينية الثلاث العظيمة؟ لذلك أكد سميث أنه سيلقي نظرة على بعض التوضيحات المفاهيمية لعقيدة التوحيد في تقليد الكتاب المقدس، ثم يفحص هذه الجوانب الثلاثة من التوحيد في الكتاب المقدس (العهد القديم)، ليخلص إلى إعادة نظر في التوحيد في التراث الإمبريالي الغربي، ويتساءل عن الكيفية التي يمكن أن نفكر بها في التوحيد لأنفسنا اليوم.
وبدأ من "آباء" التوحيد "إذ يتشابه في بعض الأحيان الأطفال إلى حد كبير مع آبائهم كما هو الحال بالنسبة إلى التوحيد أيضا، حتى أنه غالبا ما يتم الخلط بينه وبين والديه. نجد في الكتابات البحثية القديمة إشارة إلى التوحيد في تقليد الكتاب المقدس انطلاقا من موسى على جبل سيناء، ونزول الوصايا العشر التي تم تذييلها مرتين في الكتاب المقدس؛ في سفر الخروج، ويخبر الرب في الوصايا العشر بني إسرائيل: "لا تكن لك آلهة أخرى أمامي". ويمكن أن تترجم الوصية كالآتي: "لا تكن لك آلهة أخرى أمامي/"في حضرتي" (في العبادة). وقد ترجمت العبارة أيضا "إلى جانب "يَهوَه" (إله اليهود). وتفترض هذه الإشارة لـ"آلهة أخرى أمامي" أن تلك الآلهة موجودة في العالم وينبغي تجنبها أي الإيمان بإله واحد فقط؛ ذلك أن عقيدة التوحيد لا تعترف ب ـ"آلهة أخرى" بإمكانها التواجد "أمام" "يَهوَه". أي لا ينبغي أن يكون لبني إسرائيل آلهة أخرى خلال عبادتهم لربهم، أي أن الوصايا العشر تدعو إلى عبادة الرب الواحد يهوَه.
أُنزل سفر آخر بجبل موسى، وعُدّ توحيديا إذ يخاطب فيه الرب بني إسرائيل: "اسمعوا يا بني إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد". وتعد صلاة "الشيما" صلاة توحيدية يعكس مضمونها قول النبي زكريا: "ويكون الرب ملكا على كل الأرض. في ذلك اليوم يكون الرب وحده واسمه وحده". وتبدو كلمات النبي زكريا كأنها تحيل إلى "الشيما" بوصفها تعبيرا عن التوحيدية. 
يطرح سفر الخروج مشكلة مماثلة للتوحيد؛ حيث يحتفي هذا الفصل بانتصار الإله "يهوَه" على المصريين في البحر الأحمر؛ ففي بداية هذا النشيد (الآية 3)، يُدعى الرب "المحارب"، وفي نهاية النشيد ذاته (الآية 18) يُشهد لهذا الإله بأنه ملك: "الرب يملك إلى الدهر والأبد"، ويُذكٌر هذا النشيد أيضا بوجود آلهة أخرى (الآية 11): "من مثلك بين الآلهة يا رب من مثلك معتزا في القداسة مخوفا بالتسابيح صانعا عجائب؟" الإله "يَهوَه" هو الملك المحارب..
وتخبرنا هذه الآيات عن والدي التوحيد. لذلك يمكننا القول انطلاقا من الوصايا العشر إن أحد الوالدين هو عبادة يهوه الإله الواحد وعدم الشرك به. أما الوالد الآخر فهو المتمثل في مفهوم إله بني إسرائيل فوق الآلهة الأخرى من دون منافس.. 
وتعرض المحاضر للنسب الأسري للتوحيد، ورأى أن هذه الأبوة المجازية تكشف جزءا مهما من قصة أسرة التوحيد إلا أن هناك الكثير أيضا عن سلالة أسرة التوحيد مما لا نراه في هذين الوالدين..
وتُظهر بعض مقاطع الكتاب المقدس الوعي بآلهة أخرى بما فيها الآلهات، وتشير في بعض الحالات إلى أن إله بني إسرائيل كان بينهم، على سبيل المثال، عندما يتحدث الرب لموسى في سفر الخروج 6، يبدأ بتقديم نفسه: "أنا الرب"، عادة ما تترجم بـ "إله". ثم يقول إله بني إسرائيل: "وأنا ظهرت لإبراهيم واسحق ويعقوب بأني الإله القادر على كل شيء". وعادة ما يترجم هذا اللقب El Shadday بـ"القادر على كل شيء"، بناء على الترجمات اليونانية المبكرة. ومع ذلك، اكتشف العلماء الآن أثر إله آخر يدعى "إل" من خارج الكتاب المقدس. وعلاوة على ذلك، ينسب لقب Shadday إلى جبل الآلهة؛ أي الآلهة المنتمية للتجمع الإلهي الذي يلتقي في الجبل المقدس (مثل جبل أولمبوس في الأدب اليوناني). وهكذا يكون El Shadday هو نفسه الإله "إل" الذي يرأس المجلس الإلهي المنعقد في الجبل. وما يثير الاهتمام أكثر هو المقطع الآتي من سفر الخروج 6: 2-3، "وأما باسمي يَهوَه فلم أُعرف عندهم"؛ أي أن هذا المقطع يفصح عن كون الآباء: ابراهيم وإسحاق ويعقوب لم يعرفوا الرب باسمه "يَهوَه"، بل باسم آخر وهو Shadday؛ إذ لم يعرفوا الآباء الرب كـ 'يَهوَه'، بل كـ"إل".
من الممكن أن نتوقف هنا ونعتقد ببساطة بأن الرب قد استولى على لقب Shadday لإله آخر، ولكن هناك ما هو أكثر من هذا الجانب من القصة الأسرية. لقد تبين بأن العديد من الخصائص الأساس للإله "إل" هي الخصائص نفسها التي يتميز بها الرب "يَهوَه"؛ فكلاهما يتربع على عرش مجلس العلي، أو ديوان العرش، ويصدر ظهائر ربانية (سفر الملوك، الإصحاح الثاني والعشرون؛ سفر دانيال 7)، وهما معا يُصوًران على أنهما شيخ بلحية بيضاء، "شعر رأسه كالصوف النقي –لباسه أبيض كالثلج" (سفر الخروج 34: 6-7). بالإضافة إلى هذا، لا تقتصر المقارنات على العموميات، بل تخص أيضا تداعيات ثقافية في غاية الدقة. وعلى سبيل المثال، كانت للإله "إل" زوجة تدعى "عشيرة"، ورمزها يحمل أيضا الاسم نفسه. لقد ارتبط اسم "عشيرة" بالإله "يهوه" في الكتاب المقدس؛ ففي سفر التثية 21: 16 يمنع وضع علامة 'عشيرة' في مكان تقديم القرابين للإله "يَهوَه"؛ مما يدل على إشكال ما في الربط بينهما. كما ارتبطت أيضا 'عشيرة' ب ـ"يَهوَه" في النقوش العبرانية القديمة خارج الكتاب المقدس (نقوش كونتيلة عجرود). وتدعو نقوش عديدة بالعبرية القديمة بالنعمة للإنسان، وتذكر في السياق ذاته إلهين: "يَهوَه" و"عشيرته" (يَهوَه وزوجته). 
يبدو من الأدلة القديمة بأن "إل" و"عشيرة" هما الأجداد المجازيين للإله "يَهوَه"  من جانب واحد من الأسرة الإلهية؛ فهناك شيء ما من حمضهما النووي في الرب "يَهوَه". ونعرف أيضا اثنان من أبناء عمومة "يَهوَه" من هذا الجانب من الأسرة. بالإضافة إلى "إل" و"عشيرة" تخبرنا نصوص من خارج الكتاب المقدس عن منافس "يَهوَه" العظيم في الكتاب المقدس، وهو "بعل" ملك العاصفة، المحارب وأخته المحاربة "أنات". وعلى الرغم من المنافسة –أو ربما بسببها- انتقلت مجموعة من خصائص "بعل" للإله "يَهوَه"، بما في ذلك اسم عدو "بعل" الملقب بـ'اللوياثان'، واسم بيت "بعل" ‘Saphon’ (سفر المزامير 3: 48)، ولقب "بعل" 'راكب السحاب' والذي وُظِّفَ للتعبير عن جلالة الخالق الواحد في سفر المزامير (68: 5). 
وتبرز "أنات" في معركة "الدم والشجاعة" المعروفة خارج الكتاب المقدس بين جميع الآلهة باستثناء الرب "يَهوَه" في عديد من مقاطع الكتاب، (على سبيل المثال، أشعياء 63)؛ ويشير هذا بالنسبة إلى بعض العلماء أن صور "يهوه" استوعبت بشكل كبير من "أنات"، كما أخذ الرب صور ولغة وألقاب كل من "أنات"، و"إل"، و"بعل"، و"عشيرة".. وكان هذا الجانب من الأسرة الإلهية ينتمي إلى أرض كنعان. 
وعن الجانب الحصري لأسرة "يَهوَه"، أضاف المحاضر أن لدينا تلميحات من أين جاء نسب هذه الأسرة، وفقا لما يعتقد العلماء بخصوص أقدم معلومات عن الرب، ويرتبط اسمه بأسماء أماكن مختلفة خارج أرض إسرائيل القديمة مثل "إدوم"، و"جبال الشراة"، و"اليمن"،"الرب جاء من تيمان".. وتبقى سيناء أشهر هذه الأماكن.. وهي جزء من لقب الرب: "وسيناء هذا من وجه الرب إله إسرائيل" . 
ولم تكن أسماء هذه الأماكن مقترنة بشبه جزيرة سيناء، بل بشمال غرب المملكة العربية السعودية. وبعبارة أخرى، لم يكن الرب في الأصل من إسرائيل، بل من خارجها. 
من هم الآلهة والآلهات الأخرى في هذه البيئة غير الإسرائيلية وغير الكنعانية في ذلك الزمن يا ترى؟ بإمكاننا أن ندرك ونقدر بأن الرب منحدر من سلالة مهاجرين فيما يرتبط بهذا الجانب من الأسرة الإلهية. ومن المحتمل أيضا أن تكون هجرة "يَهوَه" من هذه المنطقة إلى أرض بني إسرائيل قد أفقدته جذوره الأسرية لهذا الجانب من العائلة. لقد كان الرب بمعنى من المعاني وحيدا؛ ويتمظهر ذلك في الوصايا العشر من خلال الحث على عبادة الرب الواحد الأحد. 
وانتقل إلى الحديث عن ميلاد التوحيد فأكد أن معظم العلماء بينوا أن التوحيد المقدس ظهر في القرنين السادس والسابع؛ ذلك أن المقاطع الداعية إلى التوحيد  في الكتاب المقدس بدأت في الظهور في هذا الوقت بالذات:
"إِنَّكَ قَدْ أُرِيتَ لِتَعْلمَ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الإِلهُ. ليْسَ آخَرَ سِوَاهُ." (سفر التثنية 4 : 35)
ويمكن التأكيد على أن عقيدة التوحيد لم تكن جارية المفعول قبل القرن السابع الميلادي؛ أما قبل هذا الوقت فقد كان أباء التوحيد والشرك يشكلون التصور الرئيس لبني إسرائيل حول إله العبرانيين "يَهوَه".  
ما الذي كان يحدث في العالم الخاضع لحكم بني إسرائيل قبل ميلاد التوحيد؟ في هذا الوقت بالذات حدثت عدة أحداث صادمة كما هو الأمر بالنسبة إلى هزيمة مملكة إسرائيل الشمالية على يد الآشوريين عام 722؛ والترحيل الكبير لليهود في يهوذا عام 701؛ وهزيمة وتدمير أورشليم ويهوذا على يد البابليين عام 586؛ بالإضافة إلى ترحيل بني إسرائيل إلى بلاد بابل ما بين عامي 580 و 590؛ وإذ تؤكد الكتب المقدسة- في هاته الفترة- على ظهور بعض التأملات الحية حول الإله العظيم والواقع، واشتملت على التعبيرات الأولى لعقيدة التوحيد.
لقد كان لعمليات الترحيل في حق بني إسرائيل في النصف الثاني من القرن السابع الميلادي آثارا وخيمة على دينهم التقليدي وحياتهم الأسرية؛ إذ أن الخسارة الفادحة لكل من أفراد وأراضي الأسرة قد ساهمت في تقويض بنية الأسرة التقليدية لبني إسرائيل. وبالتالي شهدت هذه الفترة بروز الفردانية إلى جانب الأسرة بوصفهما شكلين أساسيين للهوية الجماعية طبقا للكتب المقدسة التي تهتم بهذه الفترة؛ حيث لم يعد الآباء يحملون الأطفال مسؤولية خطيئاتهم: 
 "فِي تِلْكَ الأَيَّامِ لاَ يَقُولُونَ بَعْدُ: [الآبَاءُ أَكَلُوا حِصْرِماً وَأَسْنَانُ الأَبْنَاءِ ضَرِسَتْ]. بَلْ: كُلُّ وَاحِدٍ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ." 
ظل خطاب الإله الواحد في كل هاته النصوص متجذرا في عقيدة الشرك في بلاد الرافدين؛ حيث  كان الاعتراف بالآلهة الأخرى قائما في تلك البلاد التي كانت تدين بالإخلاص التام لهاته الآلهة عبر تقديم القرابين لها في المعابد التي كانت تخصص لعبادتها؛ إذ إن تصور الإله الواحد الأعلى في هاته النصوص يتوافق مع المكان الفريد الذي ارتآه الآشوريون والبابليون مقارنة مع الشعوب الأخرى.
  إن عقيدة التوحيد اليهودية تبدو كما لو أنها استجابة لعقيدة الإله الواحد في بلاد الرافدين، وللتطورات الاجتماعية والسياسية لبني إسرائيل أواخر القرن السادس حتى القرن الثامن الميلادي؛ فإذا كان خطاب الإله الواحد في بلاد الرافدين قد جعل ألوهية الآلهة الأخرى، ولو على سبيل امتداد الذات العليا أمرا ممكنا، فإن عقيدة التوحيد اليهودية قد جعلت كلا من القرابين والمعابد خارج قاموس عبادتها. 
إن الانزياح في التأويل الذي أصاب عقيدة التوحيد أصاب فكرة الإله أيضا؛ حيث إن العديد من النقاد في مجال الأدب يتحدثون عن يَهوَه بوصفه شخصية حقيقية في الكتاب المقدس. وقد يكون هذا التصوير الإلهي مرتبطا- ولو جزئيا- بالتصور الديني لعقيدة التوحيد؛ إذ يبدو يهوه وكأنه إله واحد يتسم بصفات العمق والاختلاف. ومن ثمة، يجسد مبدأ الأولوهية الواحدة المفارقة الإلهية التي تجمع بين الوصفي واللاوصفي، "ويتبدى هذا في قولنا إن الإله يفوق كل وصف، على الرغم من أن اللاوصف يوصف بالخير"، يقول المحاضر. وتشمل هذه الكينونة الأحادية على صفات إلهية مختلفة، كما تعكس أيضا مدى شخصية الإنسان كما هو معروف في الأدوار، والوظائف، والأحاسيس الإلهية التي ترتبط في تراثنا بالآلهة القديمة، يضيف المحاضر. ويصبح من هذا المنظور الإله الواحد أكثر إلهية وأكثر إنسانية على حد سواء إذا ما قورن بالتصورات البشرية السابقة عن هذا الإله. 
وإذا ما أخذنا بعين المراعاة كلا من السياق الوثني الذي ترعرعت فيه عقيدة التوحيد، وكيف تطورت مفاهيميا في الكتاب المقدس، فإنه يمكن القول إن هذه العقيدة تجسد بامتياز ما يمكن تسميته بالاستغراب المفاهيمي. ولعل العودة إلى المجاز المتعلق بالميلاد، يمكن من القول إن تصورا جديدا للإله الواحد قد أظهر استغرابا يتعلق بولادة جديدة للأمل والإمكانية بكل مل تحويانه من وعود للعالم.   
نميل عندما نرزق بمولود جديد إلى السؤال عن جنسه قائلين: أولد أم بنت؟  قد عقدت عقيدة التوحيد اليهودية المقدسة بعد الميلاد المظاهر التقليدية المتعلقة بكيفية فهم بني إسرائيل لمفهوم الإله، ويشمل هذا التعقيد اللغة الذكورية التقليدية عنه؛ كما أن المجاز الذكوري عن الإله ولد هو الآخر تصورا أنثويا عنه؛ على الرغم من هذا تبقى اللغة الذكورية هي الأكثر استعمالا من اللغة الأنثوية في الكتاب المقدس؛ حيث يصور الإله كالأب في العديد من المقاطع: سفر التثنية 32: 6، اشعياء 63: 16، 64: 7، (النسخة الانجليزية 8)؛ ارميا 3: 4، 19، 31: 9؛ ملاخي 1: 6، 2: 10؛ سفر حكمة سليمان 14: 3، بن سيرا 23: 1، 4 (سفر الخروج 4: 22، ارميا 1: 8، هوشع 11: 1). ويتم تصوير الإله كالأم أيضا في سفر التثنية 32: 18: "الصَّخْرُ الذِي وَلدَكَ تَرَكْتَهُ وَنَسِيتَ الإله الذِي أَبْدَأَكَ." كما يتم تصويره كقابلة أو مولدة، كذلك، في مزامير 22: 9-10: "لأَنَّكَ أَنْتَ جَذَبْتَنِي مِنَ الْبَطْنِ. جَعَلْتَنِي مُطْمَئِنّاً عَلَى ثَدْيَيْ أُمِّي. عَلَيْكَ أُلْقِيتُ مِنَ الرَّحِمِ. مِنْ بَطْنِ أُمِّي أَنْتَ إِلَهِي." أما اشعياء (42: 13-14) فيجمع بين التصور الذكوري والتصور الأنثوي للإله في عرف بني إسرائيل: "الرَّبُّ كَالْجَبَّارِ يَخْرُجُ. كَرَجُلِ حُرُوبٍ يُنْهِضُ غَيْرَتَهُ. يَهْتِفُ وَيَصْرُخُ وَيَقْوَى عَلَى أَعْدَائِهِ. قَدْ صَمَتُّ مُنْذُ الدَّهْرِ. سَكَتُّ. تَجَلَّدْتُ. كَالْوَالِدَةِ أَصِيحُ. أَنْفُخُ وَأَنْخِرُ مَعاً." وتجمع مثل هذه المقاطع من الكتاب المقدس بين التصورين في آن واحد كي تبين أنه لا يمكن اختزال الإله في كلا الجنسين. ويمكن القول إن هذه المقاطع تبين مدى تعقيد مسألة الإله إذا ارتبطت بمسألة الجنس. ومن ثم لم يعد إله بني إسرائيل- من هذا المنظور- محصورا في اللغة الذكورية من حيث التصور؛ إذ ساعد التصور الأنثوي لهذا الإله عند بني إسرائيل في تقديم تصور جديد للإله القديم، كما ساعدهم أيضا في تحديد الخدمة التي يقوم بها هذا الإله لبني إسرائيل في العالم الجديد.  
ويستمر التداخل في مقاطع أخرى من الكتاب المقدس بين عقيدة التوحيد ولغة النوع، من أجل التعبير عن هوية الإله في تصور بني إسرائيل. ونذكر-هنا- على سبيل التمثيل أن آخر الرسل التوراتيين ملاخي قدم تصورا قويا عن هذا الإله الواحد في ثلاث صيغ استفهامية (2: 10):
 "أَلَيْسَ أَبٌ وَاحِدٌ لِكُلِّنَا؟
 أَلَيْسَ إِلَهٌ وَاحِدٌ خَلَقَنَا؟
 فَلِمَاذَا نَغْدُرُ الرَّجُلُ بِأَخِيهِ لِتَدْنِيسِ عَهْدِ آبَائِنَا؟"   
ثم أكد مارك سميث إن عبارة "الإله واحد" لا توجد في أي موضع من الكتاب المقدس، بل توجد مقرونة بعبارة "الأب واحد"؛ فهذا الإله الواحد هو الإله الوالد المحب. وتبعا للتصور الذي تنقله هذه الآية، فإننا جميعا نرتبط بعضنا البعض؛ إذ إننا نشترك جميعا في صفة الخلق الذي أحدثه الإله الواحد، كما نرتبط أيضا بوساطة الميثاق الذي أخذناه عن إلهنا بوصفه ميثاقا لابد أن يتجلى في تعاملاتنا مع بعضنا البعض. 
أحب أن أنهي كلامي، يؤكد مارك سميث على سبيل الختم، بتعليق حول "عقيدة التوحيد" وما الذي يمكن لها أن تعلمنا؛ ذلك أن كلمة "عقيدة التوحيد" لا توجد في الكتاب المقدس. إنها كلمة حديثة. تظهر كلمة "موحد" في أعمال رالف كادوورث؛ وهو عالم أفلاطوني من كيمبردج. أما كلمة "عقيدة التوحيد" فهي من صياغة صديق كادوورث، هنري مور(1614-1687)، وهو أيضا عالم أفلاطوني من كيمبردج؛ حيث تظهر هذه الكلمة في كتابه الذي صدر عام 1660: وشرح الغموض الكبير في مفهوم الألوهية؛ أو التصور الصحيح والصادق للإنجيل الأبدي لمولانا ومخلصنا يسوع المسيح. وقد لعب مفهوم "عقيدة التوحيد" خلال عصر الأنوار الأوروبي دورا في تصنيف الأديان داخل وخارج أوروبا؛ كما ظهر هذا المفهوم إلى جانب كلمة "الوثنية" في فلسفة الأديان، وفن المناظرة بين الأديان ابتداء من عام 1600. استعملت فلسفة الأديان كلمتي "عقيدة التوحيد" و"الوثنية" خلال 1700 و1800 في تقسيم وتصنيف أديان العالم العديدة. وتظهر عقيدة التوحيد المسيحية بخاصة في هاته التصنيفات بوصفها الصيغة الدينية الأسمى. ويمكن القول إن عقيدة التوحيد في هذا السياق تعبر أو تعكس الإمبريالية الأوروبية الدينية.
  ونجد من المفارقات المضحكة أن عقيدة التوحيد قامت على أساس تفضيل أوروبا المسيحية على باقي شعوب العالم غير المسيحية، في الوقت الذي تولت فيه عقيدة التوحيد عند بني إسرائيل مقاومة إمبراطوريات بلاد الرافدين. إنه لمن الأهمية بمكان أن نرفض الإمبريالية التي توحي بها عقيدة التوحيد، وأن نحيي الرؤية الأخلاقية كما جاءت بها عقيدة التوحيد في الكتاب المقدس من دون الالتفات لحمولاتها الأمبريالية؛ لأننا نشترك جميعا من منظور هذه العقيدة في إله واحد، هو بالنسبة إلينا كالأب يربط بيننا برباط الاحترام العميق. إن اليهود والنصارى والمسلمين وآخرين يشتركون جميعا في هذا التراث التوحيدي: إله واحد لأمة واحدة من البشر في هذا العالم الواحد الذي يجمعنا جميعا. 
 
 
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات