GMT 3:30 2017 السبت 18 فبراير GMT 20:57 2017 الجمعة 17 فبراير  :آخر تحديث

أوس حسن: عالم مدان إلى الأبد

إيلاف

 ":نادرة هي الأيام التي ترمي بي في ما بعد التاريخ دون أن أراني شاهداً على ذهول الآلهة وهي تشرف على خاتمة الحلقة البشرية.لابد من رؤية بديل ما دامت رؤية القيامة لم تعد ترضي أحداَ." (أميل سيوران) 

 
 لا أرض لي ولا وطن،لاهوية تحدد ملامحي في زمن تنخره العتمة. لم يعد يعنيني ما حدث أو ما سيحدث،غير آبه بالخسارات والفقدان؛كما أني لست محصناً تماماً ولا يهمني أن أكون محصناً. لا أملك شيئا ً ولا أسعى لشيء،ربحت نفسي وخسرت كل الأقنعة،فها هو العالم قد كشر عن أنيابه ومزق أقنعته السميكة قناعاً قناعاً،والعالم غالباً ما يتستر برداء الفضيلة والخير ويدعي أن الشر  ظلام لا بد أن يهزم في جميع المعارك دون أن يعي أن الطبيعة رغم غموضها الساحر تخفي في جوانبها شراً  مستطيراً كما يسميه الإنسان،والطبيعة لا تفرق بين الخير والشر وليس لها هدف معين أو ذكاء منظم كما العقل الكوني أو العقل البشري في تجلياته المضيئة،إن ما يجري في الطبيعة يفوق المنطق العقلي وتفسيراته وحروبه الجدلية في البحث عن الحقيقة.نحن لا نرى مبررا عقليا ً ومنطقياً لغضب الطبيعة وقسوتها،فكيف لنا أن نفسر مثلاً لماذا لم ترحم  الأرض الأطفال الرضع وهم يغورون تحت منازلهم نتيجة الزلازل،أوعندما يغرقون في  أعماق المحيطات المظلمة؟،لماذا يولد بعض البشر بتشوهات خلقية قبيحة أو بأعضاء ناقصة ويبقون طيلة العمر في عزلة عن الآخرين ويتفاقم شعورهم بالألم والمعاناة نتيجة هذا الطرد من الفردوس الإنساني؟،لماذا تنقسم الخلايا وتتحول إلى خلايا خبيثة تفتك بجسد الأطفال الذين لا ذنب لهم في هذا الوجود سوى براءتهم في عالم مدان إلى الأبد؟
لماذا....لماذا.......؟؟.....
وماذا بعد؟...ماذا بعد أيضاً بعد صناعة هذه الأسئلة وتضخيمها وتأليف مجلدات كاملة عنها استنزفت وقتاً طويلاً من تاريخ البشر أثقلت كواهلهم وأحنت رؤوسهم إلى الدرك الأسفل من التفاهة والخطايا المتكررة.
ماذا تريد؟ ولماذا أنت هنا ؟ وما هي رسالتك إلى العالم؟ وهل وجدت قبل هذا الزمان كروح خالدة عبر العصور؟
هذه الأسئلة دائما ما يطرحها عقلي الباطن أو تدور في دوامة من حواري الذهني الداخلي
وظللت فترة مستعبداً من قبل هذه الأسئلة وانسقت وراء وأوهامها وخيالاتها اللذيذة 
وأصبحت كغيري من التجار والفلاسفة والشعراء أمتهن المعرفة وأنظم الشعر وأصنع الأسئلة الصادمة وأدعي أن لي وعياً حادا بتاراً يرهب خصومي ويرعبهم. واستعنت  بخطط جاهزة للإنتصار فكانت لغتي دائما ًمفخخة  وعلى أهبة الانفجار وكانت أسلحتي المعرفية متنوعة ومباغتة .
كم كنت ساذجا ً وتافهاً في حينها،كان يتلبسني الضعف والخوف عندما أواجه ذاتي مواجهة صريحة وشجاعة،أفضل الفشل على الدخول في التجربة وأتهرب من المسؤوليات العظيمة كي لا أصاب بالكآبة والإحباط النفسي.
 كنت أتمنى أن تأتيني السعادة على طبق من الراحة والكسل دون معاناة وألم.كنت أنظر للحياة من ثقب جدار فأرى كيف يتحرك العالم  بطريقة شاقولية تارة وبطريقة أفقية تارة أخرى.شغلتني هموم الناس ومشاكلهم وأحلامهم،فكنت أضحك،أبكي،أغضب،أرقص وأنا أراقب فقط دون أن أكون مشاركاً في هذه الدراما الإنسانية. 
لم استفق من سباتي العميق إلا بعد أن صفعتني الحياة على وجهي عدة صفعات،ولم أفهم ذاتي فهماً حقيقياً إلا بعد أن طردت من حظيرة المجتمع وأصبحت معزولا ً لا صديق لدي إلا أصوات الملائكة التي تطرق باب سكينتي وتأملاتي كل ليلة،فالسكينة العميقة هي أقصى درجات المحبة المستترة.لكن الفاشلين هم الأكثر قرباً إلى الله وإلى ذواتهم هم الملتمعون في عتمة الليل والسفر البعيد.لا شيء يحول الإنسان إلى كائن ممسوخ يتحرك بطريقة آلية سوى النجاحات المتتالية واللهاث المستمر وراء الرغبات والطموحات والأهواء،فكل شيء عندما تصل له بعد زمن طويل من التخطيط والكفاح سترى أنه لا شيء، أكثر الأشياء متعة وجمالا هي تلك التي تأتي مصادفة دون موعد أو سابق إنذار.تخل عن كل شيء وسيأتيك كل شيء.كن نكرة واحتفي وحدك بالعدم ولن تخاف الموت أبدا.
إن العقل البشري  وعلى مر تاريخه أنتج وهماً كبيراً اسمه المعرفة،وهناك فرق بين المعرفة والسلوك المعرفي الذي يهذب النفس.المعرفة الآن هي مظهر من مظاهر الترف المتعالي،تجارة بعقول الفقراء والبسطاء وسرقة مبطنة لحياتهم الإنسانية الكريمة،وتدعي المعرفة أن دربها وعر وخشن ومليء بالمخاطر؛لأنه درب الحقيقة،لكن والحق يقال خذ الحقيقة دائما ً من أفواه البسطاء. فالنبي محمد كان أمياً يتيماً وراعياً للغنم،والمسيح كان مجهول النسب وعانى من اغتراب روحي بين قومه واحتمل عذابهم وظلمهم،وبوذا ترك السلطة والنساء ومباهج الدنيا واتجه لحياة قاسية ومتعبة متجردا ً من كل شيء.إنهم بسطاءومتحررون من المعرفة والسلطة والموروثات،هم فعلاً أنبياء وكل إنسان مؤهل أن يكون نبياً لو أدرك الهدف السامي المستتر في الأعماق.
بعد أن منيت بخسارات كبيرة،أدركت أن اسطورتي الشخصية ولدت،وإن نبوءة تشكلت في داخلي تشبه تلك التي يمتلكها المتصوفة وهم يرددون أناشيد الصمت ويحلقون في الأعالي بخفة لا متناهية .
حقاً هناك أشياء لا يعيها الإنسان إلا بالصمت ولا يمكن أن تتحق باللغة أو الكلام وتلك هي مسحة من مسحات الحقيقة التي تجلل ارواحنا بين الفينة والأخرى. 
يقال أن المحرومين هم أشد الناس انتقاماً من ذاتهم ومن الآخرين،لكن الحرمان بلل قلبي بعطف كبير.زال الضباب الذي يفصلني عن حقيقة الأشياء وأدركت هشاشة الكيان الإنساني وهو يعيش في غابة من سراب،لم أعد أريد شيئا ً الآن سوى العيش بكامل حريتي وكينونتي متوهجاً بالمحبة السماوية،ولو قدر لي أن أموت يجب أن أموت وحيداً بلا قبر أوشاهدة بعيداً عن دموع البشر وشفقتهم القاسية،أن أختفي فجأة هكذا أو أصبح شجرة في غابات الأمازون أو  إفريقيا.
أكثرما  يمنحني  الحرية والسعادة في هذا الوجود هو أني خارج إهتمام البشر ودائرة تفاصيلهم اليومية؛لذا أدركت أني ولدت حراً وسأبقى كذلك متناغماً مع إيقاع الكون.لقد زاد تركيزي وقوة ذاكرتي والتهبت حواسي أضعاف ما كانت عليه وبدأت أتحرر تدريجياً من وطأة الزمن الثقيل.
لكن ثلاثة أشياء ظلت غائبة عني وكانت فيما مضى مصدر شقائي وبؤسي وهي:المال والشهرة والنساء،كنت أظن أن هذه الأمور الثلاثة هي مصدر حقيقي لسعادتي واستقراري وتحصين نفسي من المجهول المخيف،ورحت أغذي مخيلتي بها وأخلق عوالمي الخاصة التي أكون سيدها المطلق وتجردت من الواقع وآلامه تماماً وكنت سعيداً بأوهامي،فتارة أرى نفسي قائدا ً عظيماً وملهماً للشعوب المضطهدة أو مقتولاً على طريقة الثائر جيفارا ً وخالداً في أدبيات الشعوب وتراثهم،أو ارى نفسي ثرياً أسافر حول العالم وأكتشف أسراره وخباياه المجهولة،أو شاعرا ً مشهورا ً محاطاً بالنساء من كافة الأعراق والجنسيات أضاجع من أشاء منهن ومتى أشاء بطريقتي البدائية المتوحشة فاستسلم بعدها للسكينة وأصبح أكثر قرباً إلى الله أشكره وأسبح بحمده.
لقد طالت قصتي أيها الأعزاء،وقد أطلقت العنان لمخيلتي الجامحة دون توقف،لكن يجب أن تدركوا أن الخيال وحده هو من أبقاني حياً  حتى هذه اللحظة التي أكتب لكم فيها قصتي .
يجب أن نعود الآن إلى مسألة الطبيعة وشرورها وحروبنا الجديدة التي صارت أكثر تحضراً من السابق،يجب أن نفكر أيضاً بالفقراء والجياع في مشارق الأرض ومغاربها.  علينا أن نسأل أيضاً سادة العالم الجديد لماذا هناك اغنياء وفقراء على الأرض؟ ولماذا هناك فوارق طبقية تميز الإنسان عن بني جنسه.ربما كان رجال الدين الماركسي هم الأقدر على تفكيك هذه الأسئلة وإرجاعها إلى جذورها الأولى دون أن يجيبوا عنها،فكهنة ماركس وحملة أسفاره المقدسة غير مجبورين على التوضيح؛لذلك لم أجد في كتب الماركسين كلها كلمة لماذا ولا في كتب الأديان السابقة. يرى الماديون أن العالم في حركة مستمرة ودائمة وكل شيء في الطبيعة يخضع لمبدأ الديالكتيك وصراع الأضداد ويكون دائما ً الزمن هو العامل الحاسم في التغيير والارتقاء نحو الأفضل،ويرى المثاليون أن العالم ساكن منذ الأزل والظواهر هي المتحركة والعالم الذي نراه موجود في افكارنا فقط وتصوراتنا التي تنقلها حواسنا التي قد تخطىء كثيرا في  إدراك الشيء في ذاته وجوهره.ربما تكمن المأساة الإنسانية في العقل الذي يصنع مفاهيم مجردة كالزمان والمكان وهو الذي يجعل الألم ممكناً ومتحققاً؛لذا على البشرية أن تحظى بنوم هانىء عميق قبل أن تبدأ العمل مرة أخرى على كوكب الأرض.
إن الأرض وما تحويه من ثروات كافية لأن يعيش البشر جميعهم برفاه مشترك،ليس البشر فقط،بل سكان الكواكب الأخرى أيضاً.ونحن لم نصل بعد إلى مرحلة الفردوس الأرضي الموعود،لكن وصلتها اقوام بشرية أخرى في أزمان غابرة وحضارات اندثرت طي النسيان ولم يذكرها تاريخ الإنسان المعروف لدينا، الأرض تمر الآن بدورتها الرابعة وقد عاش بشر قبلنا انقرضوا واندثروا وقسم منهم انتقل للعيش في مجرات بعيدة وقسم اخر ما زال يعيش مع البشر بأشكال ممسوخة تشبه الحشرات وأجساد بنفسجية زرقاء محدودبة،هؤلاء هم الناجون من الحضارات البائدة والهالكون بخطاياهم أيضاً. يخضع الإنسان في بداياته لمشيئة الطبيعة وإرادتها ويشقى من جبروتها في بادىء الأمر،ثم يحاول أن يقاوم الطبيعة بوسائله التي يبتكرها ويطورها فتبنى المدن والحضارات ويصبح الإنسان شاعراً وفيلسوفاً وعالماً،يبحث من خلال مسيرته عن المعنى وعن السعادة،ويخوض من أجل ذلك صراعات وحروب مع بني جنسه،لكنه يفشل أيضاً في تطويع الطبيعة ولي ذراعها وعندما يصل إلى هدفه المنشود في الرخاء وإقامة جنة الرب على هذه الأرض؛سيستسلم للراحة والكسل،عندها سيتوقف الذكاء عن التطور وسيتوقف الإنسان عن النمو وربما ينقرض ويصبح بربع حجمه الحالي عندها ستغرب شمس النهايات معلنة عن تلاشي الإنسان الأخير وأفوله الحتمي،لكنها ستشرق مرة أخرى على حكاية جديدة في أرض جديدة.
 لقد حاولت جاهداً إخراج ما يحويه اللاشعور من رموز وصور ترتبط بالجنس والموت والميلاد وتاريخ أسلافنا الأوائل أيضاً،ووجدت أن اللاوعي يشبه الطبيعة تماماً لا يفرق بين الخير والشر .وليس مستبعداً أيضاً أن الإنسان فيما مضى ارتقى لمصاف الآلهة وقد تعاد الكرة مرة أخرى .
جاءتني هذه التأملات وأنا أمشي في زقاق اكتشفته صدفة ساعة الغروب كنت وحيدا ً كعادتي والآفاق ترسم لوحة سحرية تنثال ألونها وظلالها على المدينة  فها هو سرب من الطيور المهاجرة يحلق ويذوب رويدا ..رويداً في حمرة المدى البعيد،والغيوم تثير شيئاً من الرهبة والعظمة وهي تبتلع الصمت المجروح بالذكرى،بدأت حركة المدينة تخف تدريجياً،وخيط من العتمة كان يتسلل في الزقاق ممزوجاً بإضاءة المصابيح. اكتسى وجه السماء بشحوب غامض ولذيذ، لا أدري كم مرة ولدت،وكم مرة عشت؟. كل الحوادث التي مرت أمامي رأيتها فيما مضى مرات عديدة. هل كنت منفياً من حلم إلى آخر،هل كنت مسافراً مع النجوم بنورها المتوثب خلف صباحات التاريخ؟،لا أدري وربما لن أدري أبداً. لقد مر بي هذا الشعور سابقاً لكن ليس بتلك الوحشية الجميلة،اليوم فقط شعرت أني ولدت من جديد وأن الحياة في داخلي تزداد اتقاداً واشتعالاً. 
 وأنتم الا تشعرون بذلك أيضاً؟؟
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات