GMT 17:49 2017 الخميس 2 مارس GMT 18:01 2017 الأحد 5 مارس  :آخر تحديث

قراءة ثالثة لرواية عبد القادر الجنابي: "المرآة والقطار"

حسونة المصباحي
 
وفيّا للسوريالية وللسورياليين، جرّب العراقي عبد القادر الجنابي في مختلف مراحل مسيرته الإبداعية أنماطا مختلفة من الكتابة سواء في الشعر أم في النثر أم في غير ذلك. وهو يميل دائما وأبدا إلى التجريب تجنبا للتكرار والتقوقع داخل نمط واحد قد يعصف بتطلعاته إلى التجديد والإتيان بما يثير الفضول ويلفت الإنتباه. ومؤخرا طلع علينا برواية حملت عنوان:”المرآة والقطار"(دار التنوير -2017) . وقد أتت هذه الرواية القصيرة التي وصفها ب"قصة تخيليية ...بوليسية بالخطأ" مستجيبة لرغاباته السوريالية ومتناغمة معها.
بطل الرواية بدعى شخصان. ولعل عبد القادر الجنابي اختار هذه الإسم لشخصيته الرئيسية لأن هذا الرجل الأربعيني يرغب دائما في أن يرى نفسه مشطورا إلى شطرين، وفي صورتين مختلفتين، أو ربما في أكثر من صورة خصوصا عندما تكثر هلوساته وكوابيسه النهارية وهو يتأمل ما تعكسه نافذة القطار من مشاهد حقيقية أو خيالية، عادية ومأولوفة، وغريبة وخارقة. وثمة سمات مشتركة بين شخصان وأناس مفلسين وخائبين عرفهم الجنابي في سنوات التيه الأولى في باريس . ففي سنوات شبابه عاش شخصان التشرد في الشوارع، ممضيا معظم أوقاته"بين أدخنة الحانات وأضواء الليل الشاحبة". وكان دائما "مخمورا كأيّ شحاذ تحميه الحيطان الخلفية". وكان "يحبّ أن يعيش حياته حتى النخاع وليمتْ بعدئذ". غير أن حياته الشقية والمتقلبة هذه ستنتهي حين يلتقي بنادية التي ستصبح زوجته، وستبذل كلّ ما في وسعها لكي تنقذه من البؤس والتشرد. وها حياته"تنقلب رأسا على عقب" خصوصا بعد أن حصل على عمل في مجلة"جغرافيا العالم" فيها ينشر تحقيقات عن أسفار وعن مدن وعن مشاهد طبيعية...
ومثلما اختار لشخصيته الرئيسة إسما ذا دلالات، إختار الجنابي أيضا أن تدور أحداث روايته في قطار . ولعله فعل ذلك لما يرمز له القطار في الأدب شعرا كان أم نثرا. فقد اختارت أكاثا كريستي مثلا القطار لكي يكون مسرحا للبعض من الجرائم في رواياتها. وتبدأ أحداث رواية"الأبله" لدستويفسكي في قطار . وفي قطار يلتقي فرونسكي بأنّا كارينين وتحت عجلات قطار تنتحر هذه الأخيرة. ويحضر القطار في رواية:”الدكتور جيفاكو" لباسترناك ناقلا الدكتور جيفاكو من مدينة إلى أخرى عبر سهوب مغطاة بالثلوج. وفي القطار يكتشف الطفل جيمي في قصة همنغواي :”رحلة في القطار" فظاعة الجريمة بعد أن يقوم سجين بقتل الشرطي الذي كان يحرسه. وفي محطة قطار، يشرع بطل رواية:”إذا ما مسافر في ليلة من ليالي الشتاء" للإيطالي كالفينو في فكّ رموز القراءة والكتابة. ولا يخفي بطل الجنابي إعجابه بقصيدة:”نثر القطار الغابر لسيبيريا" التي يروي فيهايليز سندرار رحلته الطويلة من باريس إلى موسكو. ويركب القطار شخصان ليلتقي بشخص يدعى طارق سالم تعرف عليه بواسطة صديق له يدعى برهان أحمد. والهدف من رحلته القيام بمهمة غامضة قد يجني منها ما يخفف عنه الضائقة المالية التي كان يعيشها. لكن حال وصوله إلى المحطة، يرى جثة طارق ملقاة على الأرض. وفي ما بعد سوف يكتشف أن أمرأة كان قد رآها في المحطة، وكانت تروي للشرطة واقعة سقوط طارق ميتا على الأرض هي التي قتلته بالسم، كما قتلت بالسم أيضا صديقه برهان أحمد. لكن القارئ يتبيّن أن عبد القادر الجنابي يرغب في أن يتلاعب به. وقد تكون كل هذه الجرائم ثمرة هلوسات شخصان الذي غالبا ما يخلط بين الواقع والخيال، وغالبا أيضا ما يميل إلى ابتكار وسائل وطرق تجغله يذهب بغيدا بخياله ل عيش وقائغ غريبة وعجيبة تشبه تلك التي قرأ عنها في الروايات، وفي كتب السحر والفلسفة. وقد لا يختلف شخصان عن ذلك الذي يتحدث عنه جيل لوكيي قائلا:”راح يتمرأى في الهاوية، فابتلعته الهاوية" (قولة يستشهد بها الجنابي في بداية راوايته). وشخصان يفكر في الجريمة ويتعمق في التفكير فيها وهو يتأمل ما كانت تعكسه نافذة القطار إلى درجة الخيال يتحول إلى واقع ملموس. وها هو في مبنى الشرطة للتحقيق معه. وها هو يشرب البيرة مع المرأة التي سممت طارق وبرهان. وتشتد هلوساته في غرفة الفندق بعد أن يشاهد فيلم فريتز لانغ الشهير:”م...مدينة تبحث عن قاتل" الذي يروي قصة قاتل أطفال يطلق صفيرا مستوحى من سمفونية الموسيقار النرويجي إدوارد غريغ. وها هو يخرج من غرفته ليجد نفسه بعد أن يقطع أروقة فارغة وطويلة، في حانة تسمى:”أسوأ انواع البيرة". فيها يلتقي متسولين يجردونه من القطع النقدية القليلة التي يملكها، فيستبدّ به الخوف، ويشعر أنهم قد يقتلونه، ويرمون بجثته في الشارع مثل كلب سائب. وفي رحلة العودة، تزداد كوابيس شخصان حدة وعنفا، فيتخيل أن القطار انقلب، وأن الكثير من المسافرين لقوا حتفهم. أما هو فوجد نصفه الأسفل تحت عجلات قطار.والآن هو يتحسّس الموت ويلمسه ويشم رائحته القوية ، بل يرى قبره وقد كتب عليه بخط كوفي كبير:” هنا يرقد الذي لم يذقْ للواقع طعما ولم يرَ للخيال حدوداَ".
لم يغب الشعر في رواية :" المرآة والقطار”.فثمة مقاطع منثورة هنا وهناك عابقة به. ولعل هذه الرواية عكست العديد من الكوابيس السوريالية التي لم يتمكن الجنابي من التعبير عنها من خلال القصائد التي كتبها في هذه المنحى حيث يصبح الخيالي واقعا، والغريب مألوفا.

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات