GMT 12:00 2017 الإثنين 6 مارس GMT 8:28 2017 الأربعاء 8 مارس  :آخر تحديث
آل باتشينو يشهد بوفائها

كتاب يروي مأساوية حياة ميريل ستريب

إعداد: ابتسام الحلبي من بيروت

"إيلاف من بيروت: في العام 1978، كانت ميريل ستريب الشابة على وشك أن تصبح أهم ممثلة في جيلها، لكنها في الفترة نفسها كانت على وشك فقدان حب حياتها أيضاً. فمايكل شولمان مؤلف كتاب Her Again الذي يتناول سيرة حياتها، قال إنها "لا تتحدث عن ذلك كثيراً. غير أنّ ذاك العام كان حافلاً بالأحداث ومأساوياً في حياتها. وكان له دور في تشكيل كيانها كشخص وكممثلة".


لقاؤهما الأول
كانت ستريب تبلغ من العمر 29 عاماً، ممثلة حديثة في المسرح العالمي في نيويورك، تعيش في دارٍ علويّ في شارع فرانكلين مع حبيبها الممثل جون كازال. وكان يكبرها بـ 14 عاماً ويعتبر أسطورةً بين أقرانه.

ووفقاً لما نقله آل باتشينو عن لسانها تقول "ستريب": "تعلمت من جون عن التمثيل أكثر من أي شخص آخر. فكل ما أردت القيام به كان العمل معه لبقية حياتي. لقد كان شريكي في التمثيل ".

في الواقع، التقى ستريب وكازال في العام 1976، كممثلين في مسرحية " Measure for Measure" في سنترال بارك. في ذلك الوقت، لم يكن "كازال" قد أصبح نجماً كبيراً بعد - وكان يفتقر إلى هذه الصفة السريعة الزوال - لكنه كان يعتبر، في هذا المجال، موهبةً نادرة، مطلوبة بين مخرجي تلك الحقبة. ولقد أدّى دور فريدو في فيلم "العراب" The Godfather و"العراب الجزء الثاني" The Godfather Part II ، كما أنّه مثل أدوار بطولة في أفلام مثل The Conversation و" Dog Day Afternoon". علماً أنّ الأفلام الخمسة التي أدّى فيها دور البطولة، تمّ ترشيحها كلها لنيل جائزة أفضل فيلم، وفاز ثلاثة من بينها.


وأشار سيدني لوميت، وهو مخرج Dog Day، إلى أنّ أحد الأشياء التي أحبّها في تمثيل "كازال" كان الحزن الهائل الذي أحسّ به. وكتب شولمان أنّ الوقت كان يتحرّك بشكلٍ مختلف بالنسبة إلى هذا الممثل. "كل شيء سار ببطء معه. وهو لم يكن متشائماً بالمطلق. لكنه كان شديد التدقيق، وأحيانًا إلى حد الجنون". ولقد كان المخرجون يسمّونه "رجل الـ20 سؤالاً"، لأنه يريد معرفة أدق التفاصيل عن خلفية كل شخصياته.

ويقول باتشينو إن عشاءً بسيطاً مع "كازال" كان يتحوّل إلى حكاية ملحمية: "أعني، أنّك قد تنهي طعامك – وتغسل وتستعدّ وتصبح في السرير - قبل أن يتناول نصف وجبته. ثم يخرج السيجار. ينظر إليه ويشعّله ويتذوقه. ثم أخيرًا يدخّنه". فضلاً عن مظهره غير العادي، المناسب لغريبي الأطوار في سينما السبعينيات، فقط كان رجلاً هزيلاً، عالي الجبين، وبارز الأنف، أما عيناه فكانتا سوداويتين حزينتين.


حبّ من النظرة الأولى
وقعت ستريب في حبّه على الفور، وكذلك هو. وقال الممثل مارفن ستاركمن: " كان في تلك المسرحية، وكلّ ما تحدث عنه كان هي". في الشكل والسلوك، كان "كازال" بعيداً وغريباً بالنسبة إلى "ستريب" الشابة. وهي قالت لاحقاً إنّه كان مختلفاً عن أي شخص آخر التقت به، بحيث وجدت فيه صفاته الخاصة، ونوع إنسانيته وفضوله حول الناس وتعاطفه معهم."

من بين الاثنين، كان "كازال" هو المشهور، وفي مرّة حين كانا يتضوّران جوعاً، قام بدعوة "ستريب" لتناول العشاء في ليتل إيتالي، حيث أصرّ أصحاب المطعم على تقديم الطعام مجاناً لهما، بعد أن هلع الجمهور لرؤية "فريدو" في المكان.

وقال الكاتب المسرحي إسرائيل هوروفيتس "كان النظر إليهما رائعاً، لأن مظهرهما كان يبدو مضحكاً. كانا فاتنين على طريقتهما الخاصة، وشكّلا ثنائياً غريب الأطوار.

وكما كتب شولمان، "كانت سرعة تحرّك الرومانسية بنفس بطء سرعة تنقل جون"، وهما عاشا بسعادة معًا في شقة في تريبيكا يملكها كازال. ولقد كانا موضع حسد في العالم المسرحي في نيويورك – فهي أكثر الممثلات موهبة بالفطرة عبر الأجيال، وهو من الممثلين الأكثر موهبة بالفطرة، ومديرهما هو المخرج الأسطوري جو باب - حتى يوم من أيام مايو 1977 الذي وقعت فيه المصيبة.


مرض كازل!

ما حدث هو أنّ "كازال"، الذي كان في العروض المسبقة لمسرحية Agamemnon ، تدهورت حالته الصحية بما يكفي لتفويت العروض. وقلق "باب" بما فيه الكفاية لأخذ موعد طارئ له مع طبيبه الخاص في Upper East Side. وفي غضون أيام، كانت ستريب وحبيبها جالسين في مكتب الطبيب مع جو وغيل باب. أما التشخيص فكان أنّه يعاني سرطان الرئة الطرفية، وقد تفشّى في جميع أنحاء جسده.

وكما روت غيل باب، فقد جلسوا وكأنّهم أموات. فكتب "شولمان" أنّ جون صمت للحظة، وكذلك فعلت ميريل. لكنها لم تكن من النوع المستسلم، وبالتأكيد لم تكن لتترك اليأس يتغلّب عليها . . . فرفعت رأسها وقالت: "إذاً، أين سنتناول العشاء؟"

انسحب "كازال" من مسرحيته فورًا. وكانت ستريب تؤدي دور البطولة في المسرحية الموسيقية "نهاية سعيدة"، ولم يلاحظ طاقم الممثلين أي إشارة قلق أو حزن لديها. كان كازال يظهر على المسرح بين الحين والآخر، مدخناً سيجاره. ولم تتذمر ستريب أو تنتقد – بل ببساطة منعت التدخين في غرفة الملابس الخاصة بها. لقد كانت فضيلتها أكبر من سنها.

وبحسب الممثل كريستوفر لويد، كانت ستريب تحبّه بشدة ولم تسمح له بالتمارض. وحاول الثنائي إبقاء خطورة حالته سراً بينهما. حتى ستيفن، شقيق "كازال"، لم يدرك مدى سوء وضعه إلى أن اجتمع ثلاثتهم في أحد الأيام على الغداء في تشاينا تاون، فتوقف "كازال" على الرصيف وبصق دماً.

و كان آل باتشينو يأخذ "كازالي" إلى العلاج الإشعاعي، وجلس في غرفة الإنتظار، على أمل ألا يكون الوضع سيئاً بقدر ما يبدو. حتى "كازال" نفسه أصر على أنه سيتحسّن، وعندما حارب من أجل العودة إلى العمل، أخذت ستريب دوراً تكرهه حتى تكون معه. والدور عبارة عن مجرد "فتاة" في الفيلم - " تمثّل نظرة الرجل للمرأة"، أي أنّها سلبية للغاية، هادئة جداً، وضعيفة باستمرار". باختصار، كان الدور يتضمّن كل الصفات غير الموجودة في ستريب. وتجدر الملاحظة أنّ الفيلم كان "صائد الغزلان" The Deer Hunter، الذي يدور حول حرب فيتنام، وقد حظي "كازال" بفرصة التمثيل إلى جانب روبرت دي نيرو.

تنافس السينمائيون ليمثّل "كازال" معهم، رغم أنّ شركة الإنتاج، EMI، أصرّت على طرده: فتكاليف التأمين ستكون هائلة، ولا أحد كان يريد أن يدعم فيلماً نجمه مريض وميؤوس من شفائه.

وأفاد المخرج مايكل سيمينو أنهم هدّدوه بإيقاف التصوير في حال لم يتخلّص من جون . وقال: "كان الأمر مروعاً. أمضيت ساعات على الهاتف، أصرخ وأجادل ". أما القصة التي أخبرتها "ستريب" في وقتٍ لاحق هي أنّ "دي نيرو" غطى تكاليف تأمين "كازال"، وهو تصريح لم يقم الممثل بتأكيده أو نفيه. وأضاف: "كان مريضاً أكثر مما كنا نظن، لكنني أردته أن يشارك."


تألّمت بصمت
تابعوا التصوير، وما رغبت "ستريب" فيه هو ترك العمل والبقاء مع "حبيبها"، لكنها كانت تنازع لدفع الفواتير الطبية. على مضض، أخذت دور البطولة في مسلسلات تلفزيونية قصيرة مثل Holocaust – "جذور" الحرب العالمية الثانية – بهدف الحصول على المال لا غير.

تم تصوير Holocaust في النمسا، وكان كازال ضعيفاً جداً للذهاب. لم تشتكِ ستريب يوماً- ويصفها شولمان بأنّها تجسد "الاحتراف المبتهج" – غير أنّها كانت تتعذّب بهدوء. وصرّحت لاحقاً: "كانت مادة محبطة بلا هوادة". كان التصوير يجري في معسكر اعتقال فعلي، وقد وجدت الأمر مزعجاً جداً. ولقد أضيفت أيام تصوير جديدة إلى جدول الأعمال. وقضت ستريب في النمسا شهرين ونصف الشهر أكثر مما كان متفقاً عليه، منفصلة عن حبيبها الذي يحتضر. وقالت لاحقاً: "كدت أفقد عقلي، فقد كان جون مريضاً وأردت أن أكون معه".

ووفقاً للمخرج مارفن تشومسكي "حرصت على القيام بالمشهد الأخير ومن ثم المغادرة فوراً. ولم تمنح أحداً لحظة للوداع." وعندما عادت إلى نيويورك، كانت حالة حبيبها أسوأ من أي وقت مضى. واختفى الثنائي لمدة خمسة أشهر، وبالنسبة إلى ستريب، فقد قررت: لا مزيد من العمل، واختارت البقاء مع شريكها فقط. فقد كان مرضه قد تفشّى في العظام، وكان ضعفه يزداد. وهي كانت ترافقه بكل موعد إلى الطبيب، وكل جلسة علاج إشعاعي ولم تفقد الأمل قط.

وبحسب "شولمان"، "لطالما كانت "ستريب" شخصاً متفائلاً ومثابراً وقوي الإرادة. بحيث يقول: "أعتقد أنها كرّست روحها وقوتها للاعتناء به. لم تكن من النوع الذي يخلق دراما أو يحاول لفت الإنتباه. كانت تركّز كل قواها على فعل ما ينبغي القيام به ". لاحقاً قالت ستريب إنّ الوقت الذي أمضياه معًا، بعيداً عن العالم، أعطاها نوعًا غريباً من الحماية. "كنت قريبة جداً، ولم ألاحظ التدهور".

وهي كانت تثق بعدد قليل جداً من الناس، فكتبت إلى معلّمة المسرح القديمة، التي كانت تدرّسها في جامعة ييل، بوبي لويس، عن حالتها العاطفية الحقيقية. فتضمّنت رسالتها: "حبيبي مريض بشكلٍ رهيب، وهو في المستشفى الآن. هو يتلقّى عناية جيدة جداً وأنا أحاول ألا أقف حوله، وأنا أفرك يديّ حزناً، لكنني أشعر بالقلق طوال الوقت، وهو أمر مرهق ذهنياً وجسدياً وعاطفياً أكثر من أي عمل قمت به من قبل."

الوداع الأخير
في أوائل شهر مارس من العام 1978، دخل "كازال" مركز أمراض السرطان ميموريال سلون كيترينج. ولم تفارقه ستريب لحظة. وفي 12 مارس 1978، في الساعة الثالثة فجراً، نقل طبيبه إليها الخبر السيئ: "لقد رحل!"

ووفقاً لشولمان، " لم تكن ميريل مستعدة لسماع ذلك، ولا تصديقه. ما حدث بعد ذلك، حسب بعض التقارير، كان تتويجاً لكل أمل عنيد احتفظت به ميريل خلال الأشهر العشرة الماضية. ووفقاً لأقوالها، ضربته بقوة على صدره، منتحبة، وللحظة وجيزة ومرعبة، فتح جون عينيه، وقال لها بضعف كبير: لا عليك يا ميريل... لا عليك"، ثم أغمض عينيه ومات. وأول مكالمة أجرتها ستريب كانت لشقيق كازالي، ستيفن، وكانت تبكي خلالها، مردّدة: "لقد حاولت".

في تلك السنة، حققت ستريب نجاحاً بعد نجاح: حصلت على جائزة إيمي عن "Holocaust"، وتمّ ترشيحها لنيل جائزة أوسكار عن "صائد الغزلان"، وأعطيت دوراً مهماً رسم حياتها المهنية في العام 1979 في "كرامر ضد كرامر" - الذي نال جائزة أوسكار- كما حصلت على دور كيت في The Taming of the Shrew لشكسبير، تحوّلت إلى نجمة.

لكنّ وفاة "كازال" ومعاناتها الخاصة، قد غيّرتاها كشخص وكممثلة. فقد كان لديها تفسير جديد ومختلف لـ"كيت": لم تكن امرأة مستقلة سيحطّمها رجل، بل شخصاً يعرف شعور الإرتياح العميق الذي ولّده تكريس نفسه للحب.

آنذاك صرّحت ستريب لأحد الصحافيين: "ما أقوله هو إنني قد أفعل أي شيء من أجل هذا الرجل". وأضافت: "هل ستكون هناك مشكلة عاطفية إذا كانت أمّاً تتحدث عن ابنها؟ الخدمة هي الشيء الوحيد المهم في الحب. الجميع يشعر بالقلق حول "فقدان نفسه" - كل هذه النرجسية تمنعنا من أداء الواجب. لكنّ الواجب قد يكون درعاً ترتديه لتحارب من أجل حبك ".وبالنسبة إلى كل إنجازاتها في وقت لاحق - 20 ترشيحاً لجوائز الأوسكار، أكثر من أي ممثلة في التاريخ، وثلاثة انتصارات – والجدير بالذكر هو أنّ أصدقاءها وزملاءها الممثلين يقدّرونها بسبب إخلاصها الشديد لـ"كازال"، وقوة الشخصية التي أظهرتها كامرأة شابة. حيث قال "باب" إنّها "اهتمّت به وكأنّ لا أحد سواه على الأرض. لم تخنه يوماً في حضوره وحتى في غيابه". وقد وافقه "آل باتشينو" الرأي: "عندما رأيت تلك الفتاة معه بهذا الشكل، فكّرت أن لا وجود لأمر مماثل... وهذا هو ما يخطر في بالي حين أفكّر فيها، مهما بلغت مهارتها في عملها".

أعدّت "إيلاف" هذا التقرير نقلاً عن "نيويورك بوست". المادة الأصلية منشورة على الرابط التالي:

http://nypost.com/2016/04/23/the-tragic-romance-that-shaped-meryl-streeps-life/


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ترفيه