GMT 7:37 2017 الأربعاء 8 مارس GMT 7:40 2017 الأربعاء 8 مارس  :آخر تحديث

مراسلات بين الكاتب والقاتل

يوسف يلدا

نشرت مؤخراً الرسائل المتبادلة بين نورمان ميلر وجاك هنري آبوت، السجين الذي ظهر الجزء الأكبر من حياته متجسداً في كتاب "إنشودة الجلاد". لو كان هناك من حاول سبر أغوار نورمان ميلر، فسوف لن يستغرب من النتيجة النهائية التي ستكشف عن أن الرجل المولود في نيو جيرسي نصف كاتب، ونصف مشاغب. في العام 1960، وهو تماماً في حالة سكر، قام بطعن زوجته بعد أن إتهمته بالشرب مثل قوقازي. وفي عام 1970 أوقع المفكر غور فيدال أرضاً بعد أن نطحه برأسه في إحدى الحفلات. ولم ينج أحد من قلمه: سوزان سونتاج، ويليام ستايرون، ترومان كابوتي، جميع الشخصيات الأدبية، والنقاد والمسرحيين، وحتى البعض الذين مرّوا مرور الكرام في حياته، كانوا قد تلقوا درساً منه. وكان أمراً طبيعياً خلال الحفلات أن يدعو صاحب "إنشودة الجلاد" وجائزة بوليتزر غريمه لمرافقته خارج المكان وحلّ خلافاته معه بالصفعات. ونادراً ما كان يدور الحديث في الأوساط الثقافية عن مهارة ميلر الأدبية، بينما هناك العديد من الناس الذين قالوا أنه لم يكن بكامل قواه العقلية.

في الكتاب الذي صدر مؤخراً في الولايات المتحدة "جاك ونورمان" أعاد جيروم لونغ كتابة أحداث مرحلة في حياة إنسان، ربما تعدّ الأكثر تعقيداً من جميع النواحي. حدث ذلك في الوقت الذي كان ميلر بصدد الإعداد لكتابة "إنشودة الجلاد"، قصة إستندت على السجين المدان غاري غيلمور. وكان قد أُفرج عن غيلمور بشروط، بعد أن أقدم على قتل شخصين في ظروفٍ غامضة. وقد ألهم الحكم عليه وتنفيذه فيما بعد، إلى جانب قصة صديقته الشابة، ميلر لكتابة عمله الرائع. وفي تلك الأثناء، تحديداً، بدأ الكاتب يتلقى رسائل من سجين يدعى جاك هنري آبوت، إبن عاهرة، ومن أب كان قد تخلّى عنه في مرحلة الطفولة، ليقضي حياته متنقلاً من دار للأيتام إلى آخرى مذ كان عمره 11 عاماً، وغالباً ا كان يتفاخر بكونه السجين الأكثر خطورة في ولاية يوتا، وبأنه أمضى خمس سنوات في السجن الإنفرادي. وقد كشف آبوت لميلر عن تفاصيل الحياة في السجن، والتي تحولت إلى مادة ذات أهمية كبيرة أغنت كتابه. وما كان قد بدا مجرد مراسلات بسيطة، إنتهى إلى علاقة متينة لا نهاية لها.  
في أوائل الثمانينات، كرّس نورمان ميلر كل جهده للتأثير على دور النشر من أجل نشر الكتاب الذي كان آبوت محوره الرئيسي، حتى بلغ الأمر لأن يعرض ميلر عليه كتابة المقدمة. وصدر كتاب "في بطن الوحش" عام 1981 عن دار "راندوم هاوس" للنشر، وأشاد القرّاء به لقسوته وواقعيته. كان الكتاب، في واقع الأمر، عبارة عن مجموعة من المراسلات بين الكاتب والسجين، ويتكون من 12 فصلاً، من دون ترتيبٍ زمني واضح. وبالإضافة إلى ذلك، قام ميلر بالتوسط لأجل آبوت لدى مجلس السجون (إعترف لاحقاً أنه لم يخطر بباله أبداً أن يتمّ إطلاق سراحه)، وأفرج عنه بشروط في نفس السنة. وكان الكاتب قد أبرم عقداً مع المحكوم عليه للعمل كمساعد براتب قدره 150 دولاراً في الإسبوع، وعثر له على شقة في منطقة بويري، التي كانت في تلك السنوات الجزء الأخطر في نيويورك.
عندما كان قد أمضى بالكاد بضعة أشهر في الشارع، عاد الذي أطلق على نفسه "السجين الذي كان بطل العديد من المشاجرات، لكنه لا يزال حي يرزق" عاد إلى روتين حياته السابقة، كسكير ومدمن على أشياء عديدة. وفي مقالٍ كتبه روبرت سام آنسون في مجلة "لايف"، أكّد أن آبوت إعتاد أن يحمل "سكيناً في ساقه"، وأن رفاقه لم يكونوا من النخبة الأدبية في مدينة ناطحات السحاب. ويروي لوفنغ أن ميلر شخصياً أكد أن المدان لم يكن إنساناً رائعاً مثلما كان هو يعتقد "الرجل غير قادر على تركيب جملة واحدة".
وفي إحدى الأمسيات، كان آبوت على موعدٍ مع مدير مطعمٍ ليلي إسمه ريتشارد آدان، شاب طموح يبحث في أن يكون كاتباً معروفاً. وإجتمع الشاب مع مجموعة من الأصدقاء لتناول العشاء سوية في المطعم حتى وقتٍ متأخرٍ. وبعد مرور بضع ساعاتٍ، وإثر جدال حاد، ضرب آبوت ومن ثمّ طعن مراتٍ عديدة الشاب الطموح آدان، البالغ 22 عاماً. وقد أصابت أكثر من ست من تلك الطعنات قلبه مباشرة، الأمر الذي أدى إلى موته. وفرّ آبوت، تاركاً الجثة الهامدة في زقاقٍ إيست فيليج. لكن، سرعان ما ألقي القبض على آبوت وأعيد إلى السجن. وبعد أشهر، حكم عليه بالسجن لمدة 15 عاماً، ذلك السجن الذي لم يخرج منه مرةً أخرى: في العام 2002 كان آبوت قد إنتحر في زنزانته.    
وقد إكتفى ميلر، حينها، بنفي أية مسؤولية له في هذه القضية، وإن كانت كل المؤشرات تدينه، وذلك وفقاً لمؤلف كتاب "جاك ونورمان". ورغم عدم التطرق بصورة علنية إلى هذه القضية، لكن في بعض المراسلات التي رأت النور لاحقاً، كانت إدارة "بوليتزر" قد أعلنت عن أسفها لعدم الإستماع إلى بعض الجهات التي حذرتها من طبيعة آبوت الشريرة، ولجوءه إلى العنف لحل القضايا. ويذهب لونغ بعيداً في تفكيره، إذ يرى أن ميلركان منجذباً إلى الصفة الرجولية التي كانت تتسم به شخصية القاتل، وقد تجلّى ذلك واضحاً في رسائله. 
من الجلي، أن كتاب "إنشودة الجلاد" هو بمثابة صورة سواء لآبوت أو غيلمور، وكل واحد منهما قاتل، جمعهما حب كاتب أصرّ على الإيغال في عقل مجرم، بحيث يبدو أنه من السهولة بمكان إستنتاج أن ميلر كان مديناً للرجل الذي أعانه، نوعاً ما، في هدم الجدار الذي كان يقف حائلاً بينه وبين وضع نهاية  لكتابه.      
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات