GMT 8:18 2017 الأربعاء 15 مارس GMT 8:25 2017 الأربعاء 15 مارس  :آخر تحديث

"جوائز المعمار اللبناني": الابداع وتمثلاته (1-2)

د خالد السلطاني
 
 
نظم اتحاد المهندسين اللبنانيين، وبالاشتراك مع إتحاد المهندسين العرب وهيئة المعماريين العرب، واتحاد المعماريين العالميين، مهرجانا  باسم "جوائز المعمار اللبناني- بيروت 2017". وقد جرت وقائع تلك الفعالية في 16-17-18 شباط 2017، وعلى قاعة مركز المؤتمرات في البيال Biel (مركز بيروت الدولي للمعارض والترفيه). ومن اهم فقرات تلك الفعالية كان اختيار التصاميم الفائزة والمصممة من قبل المعماريين اللبنانيين، ابتداءاً منذ عام 2000  ولحين الوقت الحاضر. والمنفذة في لبنان وخارجه على حدٍ سواء. كما ان وصول مجموعة هذه التصاميم الى المرحلة النهائية، سبقه اختيارات واسعة لمشاريع عديدة ومتنوعة، تم حصرها في ثمان فئات لمواضيع مختلفة بعناوينها وشملت؛ أولا: الأبنية التعليمية، وثانياَ ابنية الفنادق والمراكز الرياضية ومستلزمات التسلية والترفيه، وثالثاً المباني ذات الاستخدام المتعدد، ورابعاً البيوت السكنية الخاصة، وخامساً: الفضاءات العامة، وسادساَ: الأبنية السكنية، وسابعا: اعمال الترميم والحفاظ وإعادة التجديد، وثامنا وأخيرا: العمارة المستدامة. واضيفت فئتين آخريتين وهما جائزة "اختيارات الجمهور"، و"جائزة الجوائز"ـ ليضحى عدد الجوائز عشر فئات. 
وعلى مدى ثلاثة أيام متوالية، بجلسات صباحية ومسائية، قدم المعماريون المصممون أعمالهم التي بلغت 36 مشروعا الى لجنة التحكيم بحضور جمهور من المهنيين وضيوفهم من المعماريين العرب والأجانب، واعداد غفيرة من طلبة 16 مدرسة معمارية لبنانية، وعلى قاعة استوعبت اكثر من الف مقعد. تخلل اليومين الاولين مداخلة حوارية قدمها كاتب هذه السطور،  مع الصديق المعمار حبيب صادق، واليوم الثاني مداخلة أخرى قدمها المعمار الإنكليزي "دانكن لويس" Duncan Lewis وقد حاوره المعمار إيلي حداد. كما تضمن المنهاج عقد لقاءات جانبية قصيرة تحدث فيها بعض المعماريين المدعويين الى جمهور من الطلبة،  ومجيبين على استفساراتهم. وعلى هامش المهرجان، تم تنظيم معارض لمنتوجات ذات علاقة مباشرة بالعمل المعماري، وبمواد البناء.
وفيما يخص عرض مداخلتي، تحديداً، للاسئلة التي طرحها المحاور المعمار حبيب صادق، كانت، وباختصار شديد، منصبة على "أهمية وضرورة ادراك حداثي لمعنى "العمارة" المتجدد، وعدم الركون الى "مسلمات" ثابتة، قد يكون الزمن الحالي قد تجاوزها، مثلما تجاوز "اسطورة" المعنى الواحد، والفهم الواحد. علينا، اذاً، ان نعير اهتماماً للمتغيرات الكبرى الحاصلة في حقل المعرفة، وان لا نتجاهل وجودها، وان نعترف بإمكانية إعادة تقييم ما كنا نعتبره بانه من المسلم به، وبانه ثابت، ونهائي؛ خصوصا وان تلك المتغيرات وجدت لها تمثلات واضحة وواقعية ، يعج بها الان، المشهد المعماري وخطابه من تيارات عديدة ومقاربات معمارية حداثية وما بعد حداثية. وما الانعطافات الحاصلة في صميم العمل المعماري، وفي معناه وأهدافه، الا دليل اخر على ما نعنيه، ما يجعل من إعادة القراءة، وإعادة التفكير، والنأي بعيدا عن دوغماتية المفاهيم التي اعتبرت دوما تجسيدا "للحقائق" المطلقة، بمثابة ممارسة مطلوبة ومرغوبة لفهم تلك المتغيرات بصورة موضوعية ومن دون أوهام. وهذا كله يسهم في انارة النقاش والحوار مجددا حول المفاهيم والرؤى،  بضمنها ما يعرف "بالهوية المعمارية"، التي لطالما كانت حاضرة في تمثلات الممارسة المعمارية عبر عقود مختلفة. نحتاج، اذاً، مزيدا من النقاش والحوارات لتبيان ان "الهوية المعمارية" ذاتها تحتاج الى فهم آخر، الى إدراك مختلف، بمقدورهما ان ينتشلها من براثن التاريخ، او اذا شِئْتُمْ من احابيل "التاريخانية". يتعين الانتباه، بان مفهوم "الهوية المعمارية" او حتى  مفهوم "هوية المدن" يكتسب مصداقيته (وحضوره ايضاً) جراء الاعمال المعمارية والتخطيطية المتنوعة والمتشعبة، التي ترمي في محصلتها الى تلبية متطلبات المواطن الآنية: سكنة تلك الحواضر وتحقيقها بصورة متوافقة مع استحقاقات العصر. من هنا، مشروعية التأكيد بان مفهوم "الهوية المعمارية" هو مفهوم دائم التشكل، لانه دائم الحركة. وإذ عبر هذا المفهوم عن نفسه بتجسيدات محددة بفترة زمنية معينة، فانه سرعان ما يجد له تجسيداً آخراً وتمثيلاً مغايراً في هيئة جديدة مبتدعة، ان كانت انجازاً معمارياً او نجاحاً تخطيطياً. وباختصار شديد، فان  الهوية المعمارية، يتعين ان تكون مفتوحة على آفاق معرفية واسعة، وان تكون متواصلة مع بيئتها، وان تكون حيوية ومتجددة، والمهم بانها تبقى وليدة الابداع، الابداع المعماري والتخطيطي الذي لا يعرف الحدود. ولهذا فانها ما فتأت تمثل، بمعناها الشامل، صيغة إبداعية معاصرة وحتى مستقبلية، اكثر منها تعبيرا عن حدث ماضوي". 
كما اشرت، ضمن ما اشرت، في تلك المداخلة الى "... تقصياتي  عن مقهوم عمارتنا، التي يتعين هي الأخرى ان تنال اهتماماً إضافيا ومعرفة بها وبمنجزها المتكامل. وهذا يتطلب الالمام بما اجترحته "العمارة الإسلامية"، من اجناس إبداعية، بضمنها ما يعرف بـ"العمارة المدنية" Secular Architecture ، وهو جنس ابداعي من ممارسة تصميمية بقيت، مع الأسف الشديد، منسية ومهمشة وغير متداولة كثيرا في الخطاب المعماري للعمارة الإسلامية. وقد وجدت في هذا الحدث الإبداعي، وعن طريق متابعتي الشخصية له والاهتمام به، ثم السعي وراء تأليف كتاب عنه دعيته "بعمارة القصور الاموية" (صدر حديثا)، ممارسة تصميمة جد مهمة وجد طليعية، والاهم انها تفتح افاقا معرفية واسعة وتكرّس اتجاهات جديدة لقيم تلك العمارة بعيداً عن التهويمات والأفكار المسبقة، هي التي اغنت العمارة العالمية بنجاحات تصميمية غاية في الأهمية، مثرية في ذلك منجز الثقافة الإنسانية عموما. ونعتقد ان ادراك ما تم إنجازه في هذا الحقل من الممارسة المعمارية، يمكن له أيضا ان يكون مصدرا ومرجعا خاصين، ضمن تفسيرمعين لترسيخ قيمة ما انجز وما يمكن له ان ينجز مستقبلا. وفي الختام فان إعادة القراءة والتاويل المعاصر والالمام بما يستجد في الورشة المعمارية العالمية، كفيل لان يجعل عمارتنا المحلية والإقليمية، حدثا مؤثرا ومفيدا في اثراء منتج العمارة العالمية التي ننتمى اليها جميعا". 
ما يميز التصاميم التي عرضت على هيئة التحكيم وعلى انظار جميع من حضر أيام مهرجان "جوائز المعمار الللبناني" ، بانها كانت في غالبيتها العظمى، على درجة عالية من المهنية والاحتراف، وعلى قدر كبير من الابداع.  وفي جميع التصاميم التي انتمت الى مواضيع الفئات المتعددة، كان الحل التكويني المقترح يدل على ثقافة واسعة، ويشي بأسلوب لمقاربة تصميمية مميزة، اعتمدها المعمار لبلوغ هدفه التصميمي. انها مجموعة من تصاميم، اراها، مثرية لمنتج العمارة الإقليمية، واراها ايضاًـ تمثل حدثاً ابداعيا، يمكن له ان يكون درساً معماريا مفيدا للكثير من التجارب المعمارية في معظم البلدان العربية. وهنا، في اعتقادي، تكمن أهمية الإضافة ومعناها التي حققها المعماريون اللبنانيون. انها في هذا المعني تبقى رائدة، وقابلة لان تكون موضوعا للمحاكاة والتقليد. ومرة آخرى، يعطي المبدعون اللبنانيون، وتحديدا هنا، المعماريون منهم، درساً مفيداً في معنى العمل المعماري الحداثي، وامثولة في كيفية التعاطي مع المواضيع التصميمية التي بحوزتهم. ولعل المشاريع التي وصلت الى المراحل الأخيرة، وحازت على رضى هيئة التكيم واوفت بمعاييرهم، قد استمدت قيمتها الأساسية، كما اعتقد، ليس تحديدا، من خلال ذاتها (وهي مشاريع مبدعة من دون ادنى شك!)، وانما من موقعها ضمن "متن" منتج العمارة العربية الإقليمية، الذي منحه لبنان مثل هذا الابداع المميز، الجدير بالتنويه ... والتقدير ايضاً.  
لقد كانت فعالية "جوائز المعمار اللبناني 2017"، من حيث الاجراء والحدث والتنظيم، والمشاركة الفعالة من قبل الجميع وحرصهم المتفاني لانجاح تلك الفعالية بمنزلة إضافة مميزة للاحتفاء بالعمارة وبالابداع، وهو ما يحسب الى "اتحاد المهندسين اللبنانيين" صاحب المقترح والاعداد والتحضير. وطبعا، ليس المكان هنا، يسع  للوقوف باسهاب لعرض جميع المشاريع التي قدمت ضمن أيام الفعالية، والتي اجتهد مصمموها لتكون ذات قيمة معمارية لافتة بحق. انها، جميعها، جديرة بالوقوف عندها والاشادة بها وبتكويناتها المميزة التي اسعدنا التعرف عليها وعلى معمارييها المبدعين. لكن هذا لا يمنع من ان نكرس القسم الثاني من مقالنا هذا لاحد تلك التصاميم التي وجدت فيه "اختراقا" تكوينيا لموضوعة تصميمية لم تكن دائما شائعة في الممارسة المعمارية، ولم نلحظ اهتماماً مهنيا واسعا بها. ونأمل ان ننشر ذلك القسم قريبا. 
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات