GMT 12:24 2017 الثلائاء 21 مارس GMT 9:21 2017 الثلائاء 21 مارس  :آخر تحديث

تاريخ موجز للموسيقي والتدوين الموسيقي العربي

إيلاف

 بقلم صلاح عبد الستار محمد الشهاوي

 

*أول ما عرف العرب من آلات الطرب عصا يضرب بها لضبط وزن البحر الشعري  
*أقدم ما وصل إلينا من كتب الغناء العربي والموسيقي هو كتاب النغم ليونس الكاتب الملحن المغني في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية        
*العرب أدخلوا الكثير من الآلات الموسيقية التي أضحت العمود الفقري لفن الموسيقي الغربية
*إسحاق الموصلي استطاع أن يخضع النظريات المتطاحنة في ممارسة الفن لنظام واضح
 
تعود علاقة المجتمعات العربية بالغناء إلى زمن بعيد. فقد كان الشعر يحتل منزلة كبري في نفس العربي والشاعر بطبعه موسيقي يعتمد الإيقاع في نظم الشعر، وقد استخدم الشعراء آلة تسمى القضيب، وهى من عصا يضرب بها الأرض لضبط وزن البحر الشعري الذي سينظم عليه قصيدته، كما اهتم الشاعر أيضاً بالإلقاء الشعري، تماما كاهتمامه باختيار ألفاظ قصيدته، فكانت طريقة الإلقاء وجمالية الصوت يلعبان دورا أساسيا في شهرة القصيدة وصاحبها، لهذا وجدنا بعض الشعراء الذين لم تتوافر لهم سبل الإلقاء الجيد، يسندون مهمة إلقاء قصائدهم لغيرهم من الشعراء حتى وإن كانوا أقل مرتبة منهم، وكان من الشعراء من يجمع بين النظم الجيد والإلقاء الجيد، ويقال إن عدي بن ربيعة قد لقب بالمهلهل لحسن صوته، ويمكننا اعتبار هذا – بقليل من التجوز- غناء وموسيقي ذالك العصر ومن ثم ظهر سريعاً، الحداء والنصب. وانتقل الغناء من الترنيم البسيط الخاضع لتصرف المغني وكفائته التي تتوقف على نبرة صوته وترجيعه وانتقالاته، والمشاعر التي تجعل الصوت يخرج مستقيما أو مرتجفاً. فغنوا الحداء في حداء إبلهم، وخلواتهم، ورجعوا الأصوات وترنموا وكانوا يسمون الترنيم إذا كان بالشعر غناء. ولكن رغم هذا التطور على مستوى الفهم والتذوق، فإن الغناء العربي في ذالك العصر ظل في أغلبه إلى ما قبل الإسلام أسيراً لتأثير إيقاعية التفاعل العروضية، لكن مع مرور الوقت سرعان ما بدأت تتشكل معالم غناء جديد يدعى الغناء المُتقن.  
أما في الإسلام فكثيرا من الأدلة تشير إلى أن العرب المسلمين لم يعرفوا – في دينهم – ما يمكن أن يسمى بـ "الموسيقى الدينية" التي تدخل عندهم في عداد الشعائر الإسلامية الرئيسية المقدسة، على غرار ما كانت عليه الموسيقى في المعبد المصري القديم، ففي العصر الأول الإسلامي لم تكن هناك حاجة ماسة إلى الموسيقى ولا إلى أي مؤثرات خارجية عما هيأته تقاليد الإسلام من أجواء للتعبد والخشوع تمثلت في قراءة القرآن، والأذان، والتهليل، والتكبير، والتلبية، ونحوها.
وفي العصر الأموي أخذ الغناء العربي والموسيقي في الوضوح والارتقاء. وفي العصر العباسي ازدهرت الموسيقي العربية والغناء بفضل كبار أعلامها: إبراهيم الموصلي، وإسحاق ابنه، وإبراهيم بن المهدي، وزلزل، وعُلية، وبفضل آلاتها الموسيقية الرئيسية: العود، والقانون، والناي.
وأقدم ما وصل إلينا من كتب الغناء العربي والموسيقي هو كتاب النغم ألفه يونس الكاتب الملحن المغني الذي شهد أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية، وسبق أبا الفرج الأصبهاني في مضمار التأليف عن الغناء العربي بمائتي عام أو أكثر. ثم ألف يونس الكاتب أيضاً عن الغناء والمغنيات الجواري في عصره كتاباً سماه كتاب القيان، وقد أتم يونس تأليف كتابيه هذين قبل أكثر من ألف ومائتي سنة.
وجاء الخليل بن أحمد الفراهيدي (718-791م) بعد يونس الكاتب فكتب في الغناء والإيقاع  كتاب النغم ، وكتاب الإيقاع، إلي جانب مؤلفاته الفذة الرائدة في العروض الشعري واللغة.
ولم يبلغ رتبة الخليل بن أحمد في التأليف الموسيقي إلاّ إسحاق الموصلي الذي جاء بعد الخليل بفترة قصيرة واستطاع علي حد تعبير المستشرق هنري فارمر في كتابه عن الموسيقي العربي أن يخضع النظريات المتطاحنة في ممارسة الفن لنظام واضح.
وجاء في كتاب الفهرست لابن النديم أن لإسحاق الموصلي أربعين كتاباً في الغناء والتلحين والإيقاع وتاريخ الغناء والمغنين منها كتاب يسمي كتاب الأغاني الكبير، وكتاب أخبار عزة الميلاء، وأغاني معبد، وأخبار حنين الحيري، وأخبار طويس، وأخبار سعيد بن مسجح وأخبار محمد بن عائشة، و قيان الحجاز، وكتب عن الغريض وابن سريج وطويس فضلاً عن كتاب في الإيقاع وكتاب في الرقص. منها أخذ أبو الفرج الأصبهاني غير قليل من مادة كتابه العظيم كتاب الأغاني.
ويمكن اعتبار الموسيقار الفيلسوف الكندي المتوفى 874م معاصراً لإسحاق الموصلي وقد ساهم بقسط كبير من التأليف الموسيقي، فتحدث عن الأصوات وأبعادها وأجناس المقامات وأنواع الألحان وأثبت أن الغناء العربي فن قائم بذاته. وقد كان الكندي غزير التأليف الموسيقي.
ولا يعرف التاريخ العربي بعد إسحاق الموصلي والفيلسوف الكندي من كبار المؤلفين في الغناء والموسيقي إلاّ الأصبهاني أو الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني الذي ما زال منذ أكثر من ألف عام أشهر الكتب في هذا الفن علي الإطلاق. وكما كان الفيلسوف أبو يوسف يعقوب الكندي معاصراً لإسحاق وندا له في التأليف عن الغناء والموسيقي فكذلك كان الفيلسوف أبو نصر محمد الفارابي معاصراً لأبي الفرج الأصفهاني وندا له في التأليف عن الغناء والموسيقي.
وكان المؤرخ الكبير أبو الحسن علي المسعودي صاحب تاريخ مروج الذهب، الشهير معاصراً أيضاً لأبي الفرج الأصبهاني وله ضمن كتابه التاريخي الكبير، فصل كبير عن الغناء العربي وتاريخه.
ثم جاءت الفرقة الفلسفية المسماه إخوان الصفا، ولها كتاب أو دراسة في الموسيقي، أما ابن سينا الفيلسوف فلم تكن الموسيقي علي إجادته لها، إلاّ جزءاً من مواهبه وأعماله ومؤلفاته.  
وتحتل كتابات بعض المتصوفة عن الغناء والموسيقي منزلة عالمية، وبخاصة ما كتبه الإمام الغزالي في كتابه آداب السماع والوجد وهو جزء من موسوعته الضخمة إحياء علوم الدين. 
ولصفي الدين عبد المؤمن الأرموي آخر الموسيقيين العظام في بغداد (ت: 1294م) كتب كثيرة في الغناء والموسيقي.
ثم جاءت كتب المؤرخين المتأخرين في عصر الموسوعات بتخصيص سفر من تاريخهم لتاريخ الغناء والموسيقي كما فعل النويري في نهاية الأرب السفر الرابع.... 
وتدين الموسيقي العالمية بالكثير للعرب والمسلمين، فقد أدخلوا الكثير من الآلات الموسيقية التي أضحت العمود الفقري لفن الموسيقي الغربية، ففي القرن الحادي عشر الميلادي أدخل العرب إلي أوروبا الربابة، ثم تبعها آلتان وتريتنان أخريان هما العود والقيثارة (الجيتار)، كما أدخلوا النقارة، وهي من آلات الإيقاع، وعن طريق العرب أيضاً عرف الأوربيون الصنج، التي حرفوا اسمها إلي سوناجا، وعرفوا الدُف المربع الذي سموه الدرف، والتبدير المستدير الذي سموه باندير، وهذان الأخيران من الآلات الإيقاعية القديمة التي استعملت قبل الإسلام.
وعرفت أوروبا الطبل العربي وصار متداولاً بأسماء مختلفة مثل: تَبَلْ Tabal، وانتقل إلي فرنسا الطبل المعروف باسم: القصعة، وعرف في الفرنسية باسم: كيس Kes. وفيما يتعلق بآلات النفخ انتقلت إلي أوروبا آلة النفير/ وعرفت باسم: أنافيل Onaval كما عرفت جوقة آلات النفير باسم: فانفار Fanfare، وأصلها العربي: أنفار، أي جمع نفير. ومن بين الآلات التي أخذتها أوروبا أيضاً: القانون، الذي عرف باسم: كانون Canon، وآلة: المشقر، أوالشقرة، التي عرفت باسم: إيشاكيل Aichakil، أو إيشاكير Aichakir.
وعن العرب أخذ الأوربيون في القرن العاشر الميلادي أسلوب التدوين الموسيقي المعروف في الإنجليزية باسم التدوين الجدولي Tablature الذي كان شائعاً في بغداد والمدن العربية قبل انتقاله إلي الأندلس، وهو أسلوب يقوم علي اتخاذ أوتار العود خطوطاً يوضح عليها مواضع أصابع العازف.
وقد ظل هذا الأسلوب مستخدما في أوروبا حتى القرن الثامن عشر الميلادي حين حل محله نظام التدوين الحديث.
تقول الدكتورة زيجريد هونكه في كتابها شمس الله تسطع على الغرب: "إن أقدم موسيقي كنسية ترجع إلى العصور الوسطي لا تعرف الإيقاع ولا الميزان، وإنما تعتمد عادة على وحدات من النغمات متصلة. على نمط تقسيم الجمل الكلامية. أما البناء الإيقاعي فهو شرقي أصيل. وقد يكون هذا أهم تراث موسيقي قدمه العرب لأوروبا التي أدت إلى إيجاد المازورة. أما المقاطع: دو ري مي فا صول. التي يقال عنها إنها من وضع جيدو الأريزو حوالي 1026م وأنها عبارة عن أوائل مقاطع سطور ترنيمة يوحنا. فإن الواقع أن هذه المقاطع الموسيقية إنما اقتبست من المقاطع النغمية للحروف العربية: د ر م ف ص ل (وتجمعها الكلمتان: در مفصل) وكثيراً ما نجدها في مصنفات موسيقية لاتينية والتي ترجع إلى القرن الحادي عشر".
 
باحث في التراث العربي والإسلامي عضو اتحاد كتاب مصر
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات