GMT 8:26 2017 الأربعاء 22 مارس GMT 14:36 2017 الأربعاء 22 مارس  :آخر تحديث

د. صديق محمد جوهر يحلل نظرة الشعراء الأميركيين لمتاهات المدينة

محمد الحمامصي

الشعراء الحقيقيون
هم من يطلقون العنان
للتذمر والاحتجاج
فإن لم يتذمروا ويحتجوا
فليسوا بشعراء.
بهذا النص للشاعر كارل ساندبيرغ، افتتح الناقد د.صديق محمد جوهر رئيس قسم الأدب الإنجليزي 
بجامعة الإمارات، مقدمة كتابه "رحلة القوافي في متاهات المدينة.. مقاربات في الشعر الأمريكي المعاصر" الصادر أخيرا عن دار صفصافة والذي يستهدف الكشف عن العوامل التي أثرت تاريخيًّا في صورة المدينة كما بدت في عيون العديد من الشعراء الأميركيين المحدثين. مؤكدا أن أحد أبرز الملامح المرتبطة بالحداثة الأدبية الأميركية هو نظرة الشعراء الأميركيين للمدينة باعتبارها المثال الطاغي في التعبير عن القوة الصناعية للأمة الأميركية. ولما كان الشاعر الأميركي هو الحافظة الأمينة والسجل الدقيق لما يدور في عصره فقد تفاعل بقوة مع التحولات الكبيرة التي  طرأت على أميركا بنهاية القرن التاسع عشر. 
 
وقال "لم يستطع شعراء العشرينيات والثلاثينيات - من القرن المنصرم - أن يهضموا، على أي نحو كان، التحولات الصناعية التي  كانت تجري على قدم وساق في المدن الأميركية، فراحوا يتبنون ويطورون خطابًا جديدًا مفعمًا بالغضب والتحذير مما يجرى ومما هو آتٍ. وأخذوا في استقصاء وتنمية حساسية شعرية جديدة وقوالب شعرية مرتبطة أكثر ما تكون بالموروث الشعري الأميركي .
 
وأضاف د.صديق جوهر "أيًا يكن فقد صادف النهج الطليعي في الشعر الأميركي بغيته ومراده في المدينة الأميركية، فضرب فيها بجذوره واشرأبت فيها دوحته. وفي كنف المدن الأميركية، أمكن لكل شاعر وشاعرة من المحدثين أن يشكل صوته الخاص المميز ورؤاه الشعرية الذاتية. ولقد تواكب ظهور المدن الأميركية الصناعية مع بروز وتطور أصوات شعرية لافتة أثرت الساحة الأدبية الأميركية. ومن بين تلك الأصوات الشعرية المميزة بتناولها لظاهرة المدن الصناعية الحديثة ثمة: إليوت، إزرا پاوند، هارت كرين، كارل ساندبيرغ، ڤاشيل لينزي، وإدغار لي ماسترز، وغيرهم من شعراء المدن الأميركية الذين تشملهم هذه الدراسة. فقد وجهوا جميعهم سهام النقد إلى القيم الأخلاقية المعاصرة التي أفرزتها ثقافة المدن مستهجنين حضارتها التي تؤول حتمًا إلى تبوير النوازع الإنسانية الحقيقية، والهبوط بالبشر إلى أسفل الدركات المادية".
 
ورأى أن هؤلاء الشعراء امتلكوا الجرأة على التصدي لأصعب المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والسياسية التي واجهت عصرهم. فمصير البشر ومستقبلهم مرتبط ارتباطًا لا ينفصم عما يجري على الأرض في عصرهم وحياتهم في المدن الحديثة.. وقال "لقد أخذ هؤلاء الشعراء على عاتقهم مسئولية استشراف مصير البشر الذين يعيشون حياتهم في المدن لا يغادرونها ولا يلتمسون مقامًا سواها. كما عمدوا إلى المقارنة بين الظروف المرعبة التي تسم الحياة في المدن الحديثة وبين المجتمعات الفاضلة التي طالما حدثتنا عنها الأساطير والحكايات الخرافية. ومن هنا، خرج علينا إليوت وپاوند بمدينتي الرب، كما أبدع هارت كرين مدينة  أطلانتيس/ الجزيرة الفردوسية، وأشار ساندبيرغ إلى مدينة الشعب، وتحدث لينزي عن مدينة سبرنغفيلد أو (حقل الينابيع) ، بينما استوحى ماسترز أشعاره من مدينة سبون ريڤر. ولئن مثلّ إليوت وپاوند وكرين الريادة في الشعر الذي  يتناول مجتمعات الحضر الصناعية، فإن ساندبيرغ ولينزي وماسترز ينتمون إلى مدرسة شعرية أخرى حيث  يمثلون أصوات الاحتجاج والتمرد ضمن مدرسة شعراء شيكاغو المعروفة بنشاطاتها الشعبية ومعاداتها الصريحة لكل ما يرتبط بالمدن الكبرى. إن شعرهم يعكس بجلاء غضبة ونقمة الشاعر الرعوي الريفي الذي يعيش في المدينة الأميركية المعاصرة. ويتميز شعر هؤلاء الشعراء الشعبيين بالحنين إلى الماضي الذهبي والثورة على سياسة الحكومة الأميركية في التوسع بإنشاء المدن الصناعية ويتحرقون عشقاً للأزمنة الغابرة عندما كانوا يعيشون في رحاب بلداتهم / مدائنهم  الصغيرة  في براري الغرب الأمريكي الأوسط".
 
وأضاف د.صديق "لئن تميزت قصائد شعراء شيكاغو بوجود شخوص بعينهم من الجنسين ذهبوا ضحايا المدينة الحديثة فإن كل القاطنين في مدينة إليوت من الضائعين غير المنتمين الذين تقطعت بينهم السبل، وتهرأت بينهم الأسباب في متاهات المدينة الجهنمية. والناظر في شعر إليوت، على سبيل المثال، يؤكد ما ذهب إليه بعض  النقاد حيث لا يصادف إنسانُ المدينة إلا شخصًا هائمًا وحيدًا هدّه القنوط؛ لأن "المدينة الزائفة" قد أحالته إلى مواطن زائف.
 
وأوضح أنه "في قصيدة "الأرض الخراب"، وهي في حقيقتها مرثاة للمدينة الغربية، يستخدم إليوت لندن رمزًا  لحياة المدن المعاصرة، وخصوصًا ذلك الجزء الممتد بطول الضفة الشمالية لنهر التايمز، والذي يضم المنطقة المالية بلندن تلك التي اتخذها  إليوت مقرًا لعمله، ومجال حركته اليومية في العشرينات من القرن الماضي. من ناحية أخرى، فإن قصيدة "الأرض الخراب" في حقيقتها ليست سوى مرثاة وبكائية على ما آلت إليه مدينة لندن الإليزابيثية، المدينة ذات التاريخ العريق التي أضاعت كل القيم والمثل الإنسانية التي طالما حفظتها عبر عصور ممتدة. لندن "الأرض الخراب" مدينة زائفة، و"المدينة الزائفة" متغلغلة في وجدان ووعي "تايريسياس" الراوي الرئيس لأحداث القصيدة، إنه الرائي الإغريقي ابن مدينة طيبة اليونانية أو (ثيفا)  القديمة التي شهدت أحداث مسرحية سوفوكليس الشهيرة " أوديب ملكًا": " أنا "تايريسياس" سبق أن عانيت هذا كله / أنا الذي جلس قرب طيبة في ظل الجدار / ومشى بين الأدنى من الأموات ". ويا له من تناسب بين المدينة الزائفة وبين رائيها الأعمى ذي البصيرة  النافذة الذي يراها على حقيقتها دون تنميق أو تمويه أو خداع! في الجزء الأول من القصيدة المعنون "دفن الموتى"، يحيا إنسان لندن موته كطقس يومي دون حاجة إلى أية مراسم دفن دينية. وفي الجزء الثاني المعنون "مباراة الشطرنج" يندرجُ مشهدا الفسوق الرئيسان - السيدة الثرية الفاسقة  في مخدعها، والحانة الوضيعة في ضواحي  لندن حيث تتجمع السيدات لتبادل أحاديث العهر- ضمن حياة الانحلال والتخفي المستوطنة بالمدينة. وفي الجزء الثالث المعنون "عظة النار"، تأتي الإشارة إلى السيد يوجينيدس اللوطي الذي أتى إلى المدينة لممارسة الشذوذ، ومشهد العاملة / الطابعة على الآلة الكاتبة التي تحولت إلى آلة لممارسة الجنس مع الغرباء وخاصة مع الشاب ذي البثور كرمزين لجوانب من الحياة الفاحشة في مدينة لندن. وفي الجزء الثالث من القصيدة "تهجر الحوريات النهر إلى غير رجعة". ويكف النهر (التايمز) - الذي تحولت ضفتيه إلى أوكار لممارسة الرذيلة وكل أنواع  الفسق و الفجور - عن الغناء احتجاجًا على الفساد الأخلاقي الذي تفشى في المدينة والفسوق الذي حل بأهلها".
 
وأكد د.صديق أن شعر المدينة الأميركي قد نبع من صميم المصاعب والتعقيدات التي اكتنفت حياة الشعراء الأميركيين في مدن عمتها الصناعة والتكنولوجيا، وغدت أسواقًا  تجارية تهيمن عليها الآلة، ويسودها الجشع المادي، ويُضحي الناس فيها بكل المثل والقيم في سبيل المال. وفي سياق ثقافي هذا ديدنه، يغدو الشاعر شاهدًا على انهيار العلاقات الانسانية، ويتعمق لديه الشعور بالخصومة والمناهضة جراء كفره بقيمِ ومثل ثقافة تهيمن عليها الصناعة الآلية، ويتحول كل من يحيا في ظلها إلى سلعة تُباع وتشترى. وينطبق الأمر ذاته على الشعراء في شتى أرجاء العالم الذين عاشوا ذات التجربة الثقافية المدينية في مدنهم على اختلافها، مما أدى إلى تفاقم القلق الوجودي، والشعور بالعرضية والاغتراب. وتتمايز رؤية الشعراء الأميركيين في تعاطيها مع المدينة الأميركية عن رؤية وتعاطي الشعراء في العالم الثالث مع مدنهم؛ كونهم خارج نطاق تأثير كافة  الشروط والأوضاع الحضارية والثقافية والوجودية السائدة في المدن الغربية المعاصرة. فمن الناحية التكنولوجية، ليس ثمة تشابه بين مدن العالم الثالث وبين نظائرها الأميركية التي ما انفكت الآلة والتصنيع فيها يفسخان العلاقات الإنسانية ويمزقانها شر ممزق. وعلى خلاف أمثالهم من الشعراء الأميركيين، يحيا شعراء العالم الثالث  في مدن لم تطرق الصناعة الحديثة بعد بابها، وعواصم غير إنتاجية غارقة في الاستهلاك، مدن يحكمها الخوف ويهيمن على مقاليد الأمور فيها المؤسساتُ الشرطية والأجهزة العسكرية، وتعتلي سدة السلطة فيها أنظمة قمعية في أغلب الأحيان.
 
وخلص د.صديق إلى إن القضايا التي تشغل بال شعراء المدن في العالم الثالث، لا تتجاوز نطاق التطرق إلى تفشي الفساد السياسي، وهيمنة الاستغلال الاقتصادي، وفقدان حقوق الإنسان، وغلبة الفقر، وغياب العدالة، وانتشار الدعارة إلى غير ذلك من الشواغل الشبيهة التي تسم الحياة في عواصم ومدن العالم الثالث. وفي هذا السياق ماتفتأ هذه الدراسة تشير - بشكل مضمر- إلى أنه فيما تعود خصومة الشعر الأميركي للمدن إلى دواعٍ ثقافية وأزمات وجودية  وحضارية، وإلى مشقة العيش في مدن تعمها التكنولوجيا الحديثة وتسيطر على مناحي الحياة فيها الآلاتُ والمصانع، فإن خصومة شعر العالم الثالث للمدن إنما الأصل فيها هو القمع الحكومي والوحشية البوليسية علاوة على ما يستوطن مدن العالم الثالث من آفات وأمراض اجتماعية واقتصادية أخرى. ومهما بدا للبعض من وجود مشابهات بين شعر المدينة الأميركية الحديث وبين نظيره في العالم الثالث، فلا جدال في أن ثمة اختلافات حضارية وأيديولوجية عميقة تفرق بين هذين الصنفين من الشعر.

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات