GMT 11:30 2017 الثلائاء 28 مارس GMT 11:33 2017 الثلائاء 28 مارس  :آخر تحديث

من طريف الشعر ونادره: البراغيث شعراً

إيلاف

 

بقلم صلاح عبد الستار محمد الشهاوي

 البراغيث في الشعر العربي

تكاد لا تخلو كتب ومعاجم اللغة العربية من الطرائف اللغوية ومواقف الفكاهة نثراً وشعراً، حتى أنها نالت معظم مناحي حياة البشر وتصرفاتهم وسلوكاتهم. فنظرة الشعراء والأدباء حيال ما يرون لها عالمها الخاص وأثرها السريع على قريحتهم اللغوية. فيسارعون بالتعبير في سلامة وفصاحة ودعابة يستسلم لها المتذوق فيقع فريسة لعالم الفكاهة والضحك.  
ولمعرفة أسلافنا لقيمة الطرف والنوادر، وظفوا كثيرا من الأشياء في بنائها، وكان للحشرات نصيب غير قليل من السخرية والإضحاك، وخاصة البراغيث.             
البراغيث حشره صغيره تناولها الشعر العربي بشيء من الطرافة: وهي حشرة صغيرة لا يزيد حجمها عن رأس دبوس ولكن الدراسات العلمية تفيد بأن إخطارها الصحية جسيمة إضافة إلي الإزعاج الذي تسببه إذا ما دخلت إلي حياتنا. تلك الحشرة هي – البرغوث- الذي يمكن بقفزة واحدة أن يصبح شريكا للإنسان في فراشه فيقلق لياليه ويكدر هناء نومه.
والبرغوث حشرة فريدة من نوعها فهي حشرة بلا أجنحة. صغيرة الحجم تعيش علي امتصاص الدماء ويوجد منها مالا يقل عن ألف وستمائة نوع تنتشر في كل أنحاء البسيطة بلا استثناء فهي توجد في المحيط القطبي كما تعيش وتزدهر في الصحراء.
والبراغيث ليست مصدرا للفكاهة أو التسلية علي وجه الإطلاق بل هي حشرة خطرة يمكن أن تؤدي إلي انتشار الأوبئة والأمراض بين الحيوانات والإنسان علي حد السواء.
ولكن هناك استثناء فالبراغيث قد تصبح فعلا مصدر للفكاهة والتسلية إذ تناولها شاعر ظريف يقول فيها شعرا ظريفا- وهذه عبقرية الشعر العربي- إذ أن فكرة تناول البراغيث في الشعر صعبة المنال ولكن تناولها الشعراء بشيء من اليسر والسهولة.
فمن أمتع صفحات تراثنا الأدبي، تلك المواقف الطريفة التي سجلتها لنا كتب الأدب، ودواوين الشعراء عن الليالي -الحمر- أو-السود- التي بات الشعراء فيها يتقلبون ألماً وسهداً وعذاباً، من تلك البراغيث التي تسومهم سوء المنام!! حتى إذا تنفس الصبح فزعوا إلي الشعر يبثونه شكواهم، ويصفون ما انتابهم من أرق وعذاب أليم. وقد تفنن العرب في التعبير عن معاناتهم من البراغيث، بل ووضعوا في هذه المعاناة من القصص والحكايات ما يسر النفوس ويضحك العبوس.   
فماذا  قال الشعراء في البراغيث من طريف الشعر ونادرة؟.
جاء في كتاب الأوراق للصولي قصيدة لأحمد بن يوسف قال فيها عن البرغوث:
           ومنينا بصغارٍ                       لابسات آثراتِ
           بجلودٍ لاصقاتٍ                     عن قلوبٍ ثاقباتِ
           بالغات حيث لا تبلغ                أيدي اللامساتِ
           لا و لا يدركها لحظ                عيون الناظراتِ.
ولأبي نواس أبيات في شخص يدعي أيوب كان يجلس في مسجد البصرة يُفلي القمل والبرغوث يقول فيها:
         من ينأ عنه مصاده،     فمصاد أيوب ثيابه
         تكفيه فيها نظرة،        فتعلُّ من علقِ حرابه
         يا ربّ محترز يجيـ     ـب الردن تكنفه صؤابه
        فاشي النكاية، غير معـ   ـلوم -إذا دبّ- انسيابه
       أو طامريّ واثب           لم ينجه منه وثابه
       أهوى له بمزلق           ما بين أصبعه نصابه
       لله درك من أبي           قنص، أصابعه كلابه.
يصف الشاعر في صورة ساخرة خروج الرجل إلى الصيد في ثيابه، مستغنياً بأصابعه عن الكلاب، لا يقفل إلا وقد أروى حرابه من دم القمل والبراغيث.
ولأبي نواس صورة شعرية أخري في هجاء شاعر يدعى زنبوراً بن أبي حماد ألبسها من دعابة وظرفه وسخره، حلة لطيفة بهيجة زياً وألواناً. يقول فيها:
     رأيت لقوس زنبور سهاماً    مثقفة الأغرة، ما تطيش
     سهام لا يذوب لها غراء     ولم يُشدد لها عقب وريش
     يباكر جيبه، فيصيد منه،     ولا يبغي عليه من يحوش
    ولا ينجي الصؤآبه أن يراها   تضاءل فوقها درز جحيش
    يزرُّ رعالها، بالسن، زراً     ولا تشقى بغدوته الوحوش!.
يقول أبو نواس أن زنبوراً هذا يخرج إلى القنص بكرة، ليصيد من جيب ردنه ما يصيد، بسهام مثقفة لا عقب لها ولا ريش، طارداً رعال القمل والبراغيث، مضيقاً عليها في الآجام والأدغال، فليس يخطئ المرمى.مستغنياً عن الخدم والحشم الذين يرافقون الأمراء والكبراء عادة في موكب فخم، لبحوشوا لهم الصيد، فيأخذه أولئك من أهون سبيل، وهو صياد فذ لأنه يخرج وحده، كما أنه صاحب رأفة ورقة قلب، لأنه يقنص القمل والبرغوث لتسلم من بأسه الوحوش، فلا تشقى إذا غدا إلى الصيد، شاكى السلاح.     
ويقول أبو الشمقق واصفا حاله مع  برغوث:
     يا طول يومي وطول ليلته        فليهن بُرغوثهُ بجذلته
     قد عقدت بندها على حسدي      واجتهدت في اقتسام جُملته
ويقول محبوب بن أبي العشنط النهشلي:
     الليل نصفان نصف للهموم فما     أقضي الرقاد ونصف للبراغيث
     أبيت حتى تساميني أوائلها        أنزو وأخلط تسبيحاً بتغريث
     سود مداليج في الظلماء مؤذية    قال المليك لها في جلده عيشي.
وقال أعرابي:
      ألا يا عباد الله من لقبيلة         إذا ظهرت في الأرض شد مغيرها
     فلا الدين ينهاها ولا هي تنتهي   ولا ذي سلاح من معد يضيرها.
وقال أبو الرماح الأسدي :
     تطاول بالفصطاط ليلي ولم يكن     بحنو الغضا ليلي علي يطول
     تؤرقني حدب قصار أذلة            وإن الذي يؤذينه لذليل
     إذا جلت بعض الليل منهن جولة    تعلقن بي أو جلن حيث أجول
     إذا ما قتلناهن أضعفن كثا         علينا ولا ينعى لهن قتيل
      ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة      وليس لبرغوث علي سبيل.
وروي أن أعرابي نام ليلة في المدينة فأصبح ناشداً.
         ليل البراغيث أعياني وأنصبني          لا بارك الله في ليل البراغيث
        كأنهن وجلدي إذا خلون به                أيتام سوء أغاروا في المواريث.
وألغز مجد الدين أبو الميمون الكناني في البراغيث فقال:
       ومعشر يستحيل الناس قتلهم              كما استحلوا دم الحجاج في الحرم
       إذا سفكت دماً منهم فما سفكت            يداي من دمه المسفوك غير دمي.
أما أبو الهلال العسكري يحكي لنا حكاية ليلة حرم النوم فيها فيقول:
       وبدا فغناني البعوض مطرباً        فهرقت كاس النوم إذ غناني
       ثم انبري البرغوث ينقط أضلعي    نقط المعلم مشكل القرآن.
وقال علاء الدين الوداعي في البراغيث وهو يستخدم فنون المقابلة والتورية والاقتباس:
            براغيثنا فيهم جرأة        فبالأسر والقتل لا يرجعونا
            كثيرو الإساءة مع أنهم    " قليلاً من الليل ما يهجعونا".    
ويقول الحسن بن سكره الهاشمي في صديق له يعرف بابن برغوث.
         بليت ولكن لا أقول بمن لأني        متى ما قلت من هو يعشقوه
         حبيب قد نَفَي عني رْقادي           فإن أغمضتُ أيقظني أبوه.
ويقول ابن أيبك الصفدي في البراغيث.
      أشكو إلي الرحمن ما مابني       من البراغيث الخِفافِ الثقالْ
      تعصبوا بالليل لما دروا           أني تقَنّعْتُ بطيفِ الخيال.
والبراغيث أحد الباءات الثلاثة (البراغيث. البق. البعوض) ويضعون البعوض مكان البرغش والبرغش مكان البعوض. أسماؤها جميعا مبدوءة بحرف الباء.
يقول أبو الحسن المقديسي:
          ثلاث باءات بلينا بها             البق والبرغوث والبرغش
         ثلاثة أوحش ما في الورى       ولست أدري أيها أوحش.
وقال إعرابي يشكو ليلة مضجرة مع البراغيث والبعوض.
          ليل البراغيث والبعوض        ليل طويل بلا غموض
         فذاك ينزو بغير رقص         وذا يغني بلا عروض.
وقديما قالوا كان أطول ليل ليل المحبين وما علموا أن هناك ليلاَ أطول منه يصحبك فيه البراغيث والبعوض. لذا قال احمد بن أيوب. – من شعراء اليتيمة- (أي الذين لم يعرف عنهم غير قصيدة واحدة ):
          لا أعذل الليل في تطاوله          لو كان يدري ما نحن فيه نقصْ
          لي والبراغيث والبعوض إذا     أجَنّنا حِندسُ الليل قصص
         إذا تغني بعوضهُ طرباً           أطرَبَ برغوثه الغِنا فرقص.
وبعض الشعراء يستخدمون البراغيث في سياقات أخري أكثر إيلاما، فهذا شاعر يريد أن يصف قوماً بالبخل فيقول إنه وجماعة من أصحابه باتوا ضيوفاً عند هؤلاء القوم الذين اشتهروا بحلاوة حديثهم، فما وجدوا عندهم إلا بخلاً بالطعام، وسوء مرقد، فقال:
       وليلة بتنا لدي معشر           قد غرت الناس أحاديثهم
       فما أكلنا عندهم قدر ما         قد أكلت منا براغيثهم!!
وهناك من استخدم البراغيث في سياق آخر كوصف مجلس فن واستماع مثل قول ابن رشيق القيرواني:
       لك مجلس كملت بشارة لهونا              فيه ولكن تحت ذاك حديث
      غني الذباب فظل يزمر حولنا              فيه البعوض ويرقص البرغوث.  
 
 
*باحث في التراث العربي والإسلامي عضو اتحاد كتاب مصر
salahalshehawy@yahoo.com
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات