GMT 9:31 2017 الأربعاء 29 مارس GMT 9:34 2017 الأربعاء 29 مارس  :آخر تحديث
اهديت الى روح الفنان الراحل يوسف العاني

رائحة حرب .. ادانة للحروب وتجارها وزعماء التطرف

عبد الجبار العتابي
  لمناسبة يوم المسرح العالمي، عرضت على خشبة المسرح الوطني ببغداد مسرحية (رائحة الحرب) تاليف مشترك بين الكاتب التونسي يوسف بحري والكاتب العراقي مثال غازي معدة عن رواية (ألتبس الامر على اللقلق) للروائي الفلسطيني اكرم مسلم، وتمثيل الفنانين عزيز خيون وعواطف نعيم ويحيى ابراهيم ،حيث التأكيد الذي لا مناص له وهو حين تسود الحرب يعرّش الموت بيننا !.
   من عنوان العرض.. يمكن للمتفرج ان يعلم انه سيشم روائح الحروب وما اكثرها على العراق والتي لا زالت حرائقها مشتعلة تحرق الشيب والشباب من ابناء العراق مثلما تحرق الاخضر واليابس من خيرات العراق وحاضره ومستقبله ،لكنه ازاءها سيمر امام ناظريه الكثيرون السفلة وتجار الحروب الذين يقف عندهم العمل المسرحي ليفضحهم ويكشف عن وجوههم البشعة الذين يؤدي اذكاؤهم لنيران الحروب الى رسم خرائط مختلفة على وجه المستقبل للشرق الاوسط وقد ارتسمت اشكال تلك الخرائط على خلفية المسرح ،وهذا الاسقاط تخلله اسقاط سياسي على الواقع العراقي المترع بالمحن والعذابات عبر تجديد الحروب ،حيث تتم مناقشة فكرة التطرف التي تؤدي دائما الى الحروب التي يعيشها العراق والوطن العربي عبر الصراعات الدينية والسياسية والاجتماعية والفكرية وهي جدلية يشهدها المسرح العراقي لاول مرة كما أكد على ذلك المخرج .
 
      تقوم المسرحية على ثلاث شخصيات حوارية اثنان منها رجلان :الرجل العجوز (عزيز خيون) الشخص السلفي الذي يرتدي ملابس جنرال يدعو للحرب ويهلل للقتال ويعتبر الحرب هي الحياة الطبيعية، والشاب الحفيد (يحيى ابراهيم) الذي مات ابوه في الحرب والذي يجسد الشخصية القلقة اتي تمثل شباب جيله وربما اجيال اخرى جزعت من الحرب ولا تعرف مصيرها، والشخصية الثالثة هي المرأة العجوز (عواطف نعيم) الأم شبه المجنونة التي تحاول ان تتصدى لافكار  الجنوال وان تواجه الارهاب بعد ان فقدت اولادها، تضاف اليهم التقنيات الحديثة حيث تم توظيف التقنية الرقمية على شاشة ف عمق المسرح لتعطي مدلولات منحت العرض دلالاته المعبرة عن كل ما تتضمنه الحرب من بشاعة في تدمير الانسان .
    كل ما جاء على لسان شخوص ابطال المسرحية وما تم عرضه من مواد فلمية كانت دواخلها  تزأر بالتنديد بالحروب وتجارها ،وبالتطرف الديني، حيث يقف الشاب ما بين عجوزين متناقضين في الهم الانساني ، فثمة دم يسيل من سموات الرجل الذي يأنس لرائحة الدم والحرب ، وثمة وجع يتفجر من اعماق المرأة التي دفنت فلذات كبدها بعد ان اكلت الحرب لذلك هي وسط هذا الرعب تفقد شيئا من راحة بالها وهي تتلوى وجعا بكلماتها التي تحاكي بها ولدها مثلا في مشهد مؤلم : (كتفوا يديك ومعها رجليك/ كأن عدوك محزّم عليك) ثم تقول (شلونك يا بعد امك شلونك /بعدك حلو يا الولد لو خرب لونك/يمه الولد سباح قلبي/ يمه الولد يا ضوء عيني)،فيما الرجل العجوز يسخر من اولئك الذين يخافون الحرب ويذهب ليتأرجح بارجوحة الحروب ،لكن الشاب القلق الذي لا يجد اجوبة كافية عما يحدث ولا عن معنى موت ابيه، لا يجد الا ان يعدد اسماء الحروب والاحداث الاليمة التي مرت على العراق من حرب الخليج الاولى حتى داعش في تأكيد منه ان الارض العراقية لم ترتو بعد من الدماء التي سالت طيلة سنوات طويلة وساخطا على من يستخدم الدين من الزعامات السياسية والدينية وتجار الحروب بالقتل والتدمير والذبح وفقدان الابناء وتشتيت المجتمعات .
  انه عمل اكثر من رائع..، اضاء فضاء المسرح العراقي في احتفالات يوم المسرح العالمي ليكون رديفا للمسرة التي يحققها المسرح ،فكان عماد محمد مخرجا مجددا وقد استطاع ان يترك اثرا جميلا في قلوب الجمهور ، فيما كان الاداء الرائع للفنان عزيز خيون مميزا وملفتا وهو يؤكد تفوقه حتى على نفسه ، كما كان اداء عواطف نعيم بهيا ومؤثرا ارتجفت له القلوب ، اما يحيى ابراهيم فكان استثنائيا بمهارته وقد اكد عشقه الحقيقي للمسرح وخشبته .
جدير بالذكر ان المسرحية اهديت الى روح الفنان الراحل يوسف العاني.

جدلية الصراعات
  قال المخرج عماد محمد : رائحة الحرب تعود لتناقش مفاهيم سادت في السنوات الاخيرة من خلال شخصياتها الثلاث لتواجه فكرة الالتباس قبل وبعد حدوث الربيع العربي، كما تناقش فكرة التطرف التي تؤدي دائما الى الحروب التي نعيشها عبر الصراعات الدينية والسياسية والاجتماعية والفكرية وهي جدلية يشهدها المسرح العراقي لاول مرة . 
واضاف : المسرحية فيها نوع من المشاكسة باتجاه ما يحدث داخل العرض،وبالتاكيد  هذا له علاقة بشكل غير مباشر بفكرة العمل، بمعنى ان لكلمة حرب تأسيسا ليس على اساس تناول فكرة الحرب فالعنوان فيه مشاكسة ما بين الاسم وما موجود داخل العرض،وبالتأكيد لها تاسيس غير مباشر داخل العرض، بمعنى ان الاسم جزء من منظومة العرض.
الحرب لها كل شيء
اما الفنانة الدكتورة عواطف نعيم فقالت: ماذا هنا وماذا هناك ،انها رائحة حرب ،وهل للحرب رائحة ؟الحرب لها كل شيء .  واضافت : جسدت في المسرحية شخصي أم شبه مجنونة تواجه الارهاب، بعد ان فقدت اولادها لتصرخ في نهاية العرض مخاطبة الرب العظيم (اكتب على قلوب الامهات ان يتعلمن لغة الاعداد والحساب لاجل من فقدنا من الاحبة والابناء).

ظروف غاية في الصعوبة
   من جانبه قال الفنان عزيز خيون : هذه التجربة لا تبتعد كثيرا عما نحن فيه من هموم سواء على المستوى المحلي او العربي او حتى على المستوى العالمي ومن هجمة كبيرة ضد سلامة هذا البشري الذي يعتبر بنيان الله على الارض .
 واضاف:جسدت في العرض شخصية رجل (سلفي) يدعو للحرب والقتال والتي يعتبرها هي الحياة الطبيعية بالنسبة له وللاخرين ،وبالتالي تعد هذه الشخصية الدموية منعطفا في احداث المسرحية التي تحتاج مني الى جهد كبير فالسلفي ينظر الى الدين الاسلامي نظرة مختلفة وغرائبية .
وتابع: لا انسى اننا نعمل في ظروف غاية في الصعوبة لايمكن ان يعمل فيها أي فنان مهما أوتي هذا الفنان من ملكات العبقيرية ولكن لاننا لا نملك زمنا اخر ولا زمنا احتياطيا ما زلنا متواصلين مع انفسنا بذاك العناد وذاك التصميم من اجل انتاج ثقافية عراقية ومسرح عراقي ينتمي للعراق وينتمي للتاريخ وطروحات المسرحيين العراقيين في تأسيس حركة مسرحية عراقية مناضلة .
 
شخصية قلقة 
    فيما قال الفنان يحيى ابراهيم : الشخصية التي جسدتها تمثل شريحة من جيل الشباب العراقي والعربي الذي بات ضحية عدة تيارات وخيارات مختلفة،فهي ما بين الارهاب ودعواته والهروب صوب الدكتاتورية والحصار في ظل واقع يدعو الى الهجرة والتغرب تعيش شخصية القلق التي تعرف كل شيء صحيح، لكنها لاتعرف الطريق اليه وهي بالتالي تعاني الضياع والالتباس في ظل اوضاع لايمكنها الخروج منها بسهولة.
بقي ان نذكر الجنود المجهولين للعرض وهم : في تصميم الاضاءة سهيل البياتي وعباس قاسم ,والديكور محمد عودة النقاش والموسيقى لضياء عايد والازياء لعادل عبود والماكياج لحنان العزاوي ومساعد المخرج مرتضى سعدي والمؤثرات الصورية علي اكرم.

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات