GMT 14:48 2017 الأربعاء 5 أبريل GMT 11:30 2017 الأربعاء 5 أبريل  :آخر تحديث

في ثناء "العمارة الإسلامية"

د خالد السلطاني

 

لم تنل عمارة، (واقصد عمارة ذات أهمية عالية ومؤثرة)، عبر تعاقب السنين، على تهميش وتغاضٍ وحتى إنكار، مثلما حدث "للعمارة الإسلامية"،مع كل أهمية نتاجها المتنوع وقوة تأثيراتها  على مسار التقدم الحضاري الانساني ، فضلاً على اضافاتها الكبرى  والمميزة في ذخيرة العمارة العالمية. بيد ان ما يؤلم، حقا، بان الغالب الاعم من ذلك التهميش والالغاء والانكار، يأتي من أولئك "المنتمين"   اليها بالاسم، سواء كانوا معماريين ام غيرهم (وخصوصا "غيرهم" الرافعين، بعضهم، لواء <الإسلام> كذبا وانتحالا؛ والذين نفروا العالم، باعمالهم المشينة، من كلمة "اسلام" بضمنها <العمارة الإسلامية>!) 
ثمة نوع من تجاهل وعدم اكتراث واسعين نلحظه الان تجاه منتج "العمارة الإسلامية"، يتمظهر في عدم الرغبة في معرفة ما قدمته تلك العمارة من مداخلات مهنية رصينة، والسعى، دوماً، وراء التقليل من شأن ذلك التقديم والمداخلة. نحن، مع الأسف، غالبا، لا نعي تماما منجز العمارة الإسلامية الحصيف، بل وغالبا، لا نعلم  الكثير عن نجاحات تلك العمارة وتأثيراتها المهمة في تطور الفكر المعماري الإنساني. ثمة تكرارات مملة، واستنساخات مضجرة، لفورمات محددة شائعة في المشهد المعماري، تقدم لنا بكونها "الوسيلة" الوحيدة لما يعرف بالمحافظة على التراث والتقاليد، بادعاء، بان مثل هذا العمل يصب في "حب" العمارة الإسلامية، ويحذو حذوها. معلوم ان هذا النوع من الادعاءات، لا يمكن له ان يضيف شيئا نافعاً الى العمارة الإسلامية، بل، على الأرجح، يبقيها أسيرة "الانعزال"، متقولبة في فكر "ماضوي"، لا يمكن الانفكاك منه. 
وما اريد ان ادعو له، بان نكون عند "حسن ظن" <عمارتنا الإسلامية>، (وفهمي، بالمناسبة، لمصطلح "العمارة الاسلامية، ادركه كالاتي؛ اذ رغم اسمها الديني، فهي ليس "عمارة دينية"، انها: عمارة اشتغل عليها معماريون مسلمون وغير مسلمين، لمجتمعات مسلمة وغير مسلمة، متواجدة في كنف الحكم الاسلامي)؛ داعيا عبر البحث العلمي الرصين والتقصي، لرسم صورة "بانورامية" حقيقية وموضوعية، لما انتج سابقا. وعدم الارتهان الى "لعبة" الانتقاءات المضمرة، والاكتفاء بالخيارات الوحيدة. 
لا ازعم باني وحدي يمكن لي النهوض بهذه المهمة. انها مهمة معقدة ومتشعبة، والاهم، انها واسعة، تحتاج الى رؤى عديدة لفهمها وتقديم تفاسير مقنعة لتكويناتها التصميمية. كما اني اجد في مسعى الاخرين واهتمامهم بتلك المهمة النبيلة، عونا واقعيا لتكريس قيمها ومبادئها في المشهد وفي الخطاب. بغير ذلك من الصعب بمكان، الوصول الى نتائج ملموسة، يمكن بها اثراء عمارتنا الاسلامية.  لكني، مع هذا،  (وربما بسبب هذا)، اجتهدت ان اقدم شيئا جديدا في "متن" تلك الإشكالية البحثية، دارسا ومتعقبا منجز، وجدته مهمشا ومسكوت عنه في منتج  العمارة الإسلامية وهو "العمارة المدنية" او ما يعرف اصطلاحا بـ  Secular Architecture. وسعيت وراء تقديم ذلك المنجز بصورة حقيقية، ومن دون أوهام او اختلاقات لما هو مرئي وواقعي. محاولاً تأويل الحدث المعماري المرموق، والتقصي عن دوره في إجراء تأثيرات قام بها، كحدث ابداعي، تكمن قيمته النوعية والتصميمية، ليس فقط، في ذاته، وإنما بمقدار تأثيره اللاحق على الصياغات التكوينية المستقبلية. ومع ان الكتاب، وكما اراه، يعد إصدارا ملفتاً في حقله البحثي، لجهة ريادته ومضمونه، وكذلك أسلوب نشره وطبعه، فانه ، مع الأسف، لم يجد نصيبا كافياً من الاهتمام والنقاش. وها انا، مرة آخرى، اشتغل على تنويعات تلك "الثيمة" المحببة والقريبة الى فؤادي، يملئني شغف عارم في محبة "العمارة الإسلامية" والثناء  على منتجها البارع، لافتاً الانتباه، هذه المرة، الى عمارة اقليم "آسيا الوسطى" او كما دعاه  المؤرخون الإسلاميون القدامي باقليم "ما وراء النهر". وهي عمارة مثيرة ومدهشة في آن، لم تنل ، بما فيه الكفاية،  اهتمام الدارسين العرب، مع انها، ما انفكت تحتفظ لحين الوقت الحاضر باسرار كثيرة، يمكن من خلال فعالية التأويل ادراكها وفهما والعناية بها، ثم توظيفها في الممارسة المعمارية الحالية. 
وإذ احرص على اثارة الاهتمام لتلك "الثيمة" البحثية، فاني بذلك، اعيد اهتماماتي القديمة بها، عندما دُهشت برؤيتها لأول مرة، في زيارتي لها بمطلع السبعينات، وكنت، ايامها، احضر لدراستي للدكتوراه. متطلعاً، الآن، بهذا الاهتمام البحثي،  التدليل الى تميز مقاربة عمارة "ما وراء النهر"، وتبيان ما ارسته من تنويع ذي شأن، في خطاب العمارة الإسلامية، عبر مسار بحثي ساسلكه بتإنِ. وساشتغل على موضوعي شيئا فشيئا، وخطوة وراء خطوة، ومبنى وراء اخر، وجهدا يعقبه جهد، لتجميع أشياء كثيرة، وخطوات وافرة، ومبانِ عديدة، وجهود متنوعة، تكون قادرة على التعاطي بموضوعية مع تلك المهمة البحثية. يحدوني امل، ان اجتهد في مسعاي، وان ابقى متماهياً مع مشروعي البحثي، كتماه ذلك "المعمار/ البناء"، الجالس بمحاذاة احد نماذج العمارة الإسلامية لتلك المنطقة النائية، وهو مسكون برغبة جارفة في ان يصل بعمله حد الكمال، لابقاء عمارة الأثر المجاور له في الصورة، حاضراً في المشهد البنائي، ومُعتنى به. وإذ انشر صورته، مع هذا المقال، احتراما وتقديرا لعمله المتقن، فاني انشر، ايضاً، امثلة لصور تلك العمارة الآسرة، زيادة في الاطلاع البصري على منجزها الثر. 
ايكون ولعي الجديد، واهتمامي بعمارة ما وراء النهر، مبعثه ايضاً،  اعتبار نفسي جزءا من "حملة" تلك "الرسالة"، التي رفع لوائها، يوما ما، "قتيبة بن مسلم الباهلي"  (669- 715م.)، فاتح إقليم  ما وراء النهر، بجيش قوامه مقاتلين سكنوا، غالبيتهم، بمدن عراقية على وجه الخصوص، مثل البصرة والكوفة وواسط، التي من الأخيرة انتدب الحجاج،  قتيبة لمهمة الفتح، الذي اوصله شرق نهر "سيحون" مطلاً على بلاد الصين، بعد ان كان قد اجتاز نهر "جيحون" فاتحا مدنه الكبرى مثل "بخارى" و"سمرقند" و"خيوه". وبما اني "واسطياً" بالمولد، فربما كان احد قادة قتيبة من تلك الحاضرة الحاكمة الارستقراطية، وقد يمت لي بصلة قربى، وهو امر، قد يوضح ذلك الشغف العميق والمفاجئ بتلك العمارة الساحرة، ويسوغ سر الافتنان بها! 
ستقولون انك، بهذا،  تروي لنا حكايات، لا يمكن تصديقها بسهولة!
- "ربما!"، سيكون ردي على تساؤلاتكم، فانا مولع، مثل صديقي الشاعر والفنان "سليمان جوني" بالاساطير والحكايات، واستمتع كثيرا بإعادتها! لكن الامر الأهم في هذه "الحكاية"، ما برح يبقى الشغف: ذلك الشغف العميق، "بالعمارة الإسلامية" والدعوة لمحبتها والثناء عليها!
د. خالد السلطاني
معمار وأكاديمي

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات