GMT 14:18 2017 الإثنين 17 أبريل GMT 14:26 2017 السبت 22 أبريل  :آخر تحديث

ريمه راعي: سوء طالع

إيلاف

 

في عالم يعجّ بالفوضى والسأم والباحثين عن الفرح، ولسبب ما، قال يوماً غابرييل غارسيا ماركيز: إيّاك أن تحول نفسك إلى هدف لرغبة شخص آخر، لأنّه يمكن للرغبة أن تغيرهدفها.
ولأننّي تعلمت القراءة باكراّ، قرأت كلمات ماركيز، بينما يداي منهمكتان في ربط الشرائط حول ضفيرتي الطويلتين. ردّدت كلماته ببطء، وأنا أتأمل في المرآة عيني الداهشتين كعيني أرنب، وفكرت بأنّ الماركيز هذا يحسب أنّه يعرف كلّ شيء.
كان لدي قائمة مهام يومية طويلة، وعلى رأسها: البحث عن الفرح. وفي نهاية كلّ يوم كنت أشطب بقلم ملون جميع المهام المنجزة، وتبقى المهمة الأولى دون لون، فأضعها من جديد في قائمة مهام اليوم التالي.
ولم أفهم أبداً لماذا كنت أفشل في العثورعلى الفرح، فهو لا يبدو كائناً عصياً أو مستحيلاً، ولطالما تخيلته رجلاً حاني العينين، كبير اليدين، يتسكع في طرقات تنمو على أطرافها الأزهار البرية، يحب قصّ الحكايات، والاستماع إليها، لا يخشى مرور الوقت، ولا يرتدي ساعة يد.
وأنا كنت  فتاة مدورة الأحلام. أحب اللعب والضحك والأغنيات المرحة، وأكره الساعات والأرقام والآلات الحاسبة. ورغم نصائح أمي المتكررة بضرورة اتباع الطرق القصيرة، كنت أختار دائماً طرق الأزهار البرية التي كانت الأجمل والأكثر طولاً.
وفي إحدى الأماسي وبينما أجرّ ضفائري خلفي، وأردّد بمرح أغنية عن عاشق يهدّد برمي نفسه من الشباك، لمحت الفرح يدخل مسرعاً إلى حانة. شهقت، وركضت نحوه بخطوات متعثرة، ووقفت خلف إحدى النوافذ، أبحث بين الوجوه الكثيرة عن ذلك الوجه العزيز. وفجأة رأيته جالساً  بكامل حنوه،  يشرب النبيذ، ويدخن، ويطلق بين الحين والآخر ضحكات عالية، ويتحدث إلى نساء شقراوات مصبوغات بألوان كثيرة، و بينما يحدّق في أوجههن كانت الألوان تنعكس على خديه فيلمعان كقوس قزح سعيد.
أغاظني أن يداعب الفرح بأصابعه الأنيقة، التي خلقت للعزف على البيانو، شعراً مصبوغاّ لامرأة تضحك، ولم أفهم  كيف تستطيع عيناه أن تلمعا وسط دخان السجائر والسعال و الضجيج.  فلقد اعتقدت أنّه يحب الجدائل الطويلة، والأعين الواسعة، والمساحات المفتوحة على الضوء والشمس.
شعرت بغصة في قلبي، وأنا أراقب الفرح يجلس حيث كلّ ما لا يشبهني، ولا أجرؤ على الاقتراب منه، أو النظر في عينيه.
 وأنا  تعبت من انتظاره في دروب لا يعبرها أبداً. عدت إلى بيتي، وأمام المرآة، قصصت جدائلي الطويلة، ورميتها على الأرض، وصبغت شفتي الصغيرتين وأظافري بلون الكرز المبهج. وفي متجر يبيع فساتين الحفلات، طلبت من البائعة،التي تبتسم طيلة الوقت، أن تختار لي ثوباً يليق بصحبة الفرح، وما أن ارتديت فستاني الجديد حتى صاحت: تبدين شهية كقطعة حلوى!
وبعد أن تحقّقت من أنّ ملامحي الطفولية قد طمست خلف الألوان، تصنعت نظرة مغرورة، وسألت مرآتي: مرآتي يا مرآتي، من هي الأجمل في هذه البلدة؟
أجابت بثقة: أنت!
ولم تذكر المرآة شيئاً عن بياض الثلج الصغيرة، فتيقنت أنّ الفرح سيكون رفيقي، ولم يبق أمامي سوى أن أذهب إليه، وأحضره معي. 
حين وصلت إلى الحانة، كنت ألهث من التعب بسبب حذائي ذي الكعب العالي، لكنّ الفرح كان يتأهب للمغادرة، وحين رآني حدّق في وجهي طويلاّ وقال: يا لك من ساحرة!
ثم  سعل بشدة، وهمس بصوت متعب: لكنّي سئمت الضجيج وصحبة الجميلات، وأبحث عن فتاة بجدائل طويلة، تضحك كغيمة، تهوى سماع الحكايات، وتحب طرق الأزهار  البرية.
أدار الفرح ظهره، وغادر دون أن يودعني.
 وأنا ظللت واقفة أراقبه بدهشة، وأفكر بأنّه كان علي أن أنصت لنصيحة الماركيز!
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات