GMT 4:55 2017 الجمعة 28 أبريل GMT 16:45 2017 الخميس 27 أبريل  :آخر تحديث
بعد اثني عشر ديوانا شعريا..

أحمد فضل شبلول يؤكد: روايتي "رئيس التحرير" مقدمة لروايات مستقبلية

محمد الحمامصي

 

ضمن فعاليات معرض أبوظبي للدولى للكتاب في دورته السابعة والعشرين، وقع الشاعر والإعلامي المصري أحمد فضل شبلول روايته "رئيس التحرير.. أهواء السيرة الذاتية" وهي الرواية الأولى له بعد اثني عشر ديوانا شعريا رسخت مكانته كشاعر، فضلا عن كتب الأطفال والدراسات النقدية.
الرواية الصادرة عن دار الآن ناشرون وموزعون لكثير مما يدور في كواليس الصحافة المصرية والعربية، وكيفية إدارة المجلات والجرائد، وعن تشابك المصالح بين إدارة التحرير والكتّاب وبقية العاملين بالمطبوعة، وكيفية تربُّح بعض الأفراد من وراء عملهم بالصحافة. كما تكشف عن الصراع الخفي في إحدى المجلات الثقافية الخليجية، بين رئيس التحرير وإحدى المحررات التي كانت وراء تعيينه رئيسا للتحرير. وتغوص الرواية التي تعد الأولى للشاعر في العالم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي بالمنطقة العربية، بدءاً من انتفاضة 18 و19 يناير 1977 في مصر وصولا إلى ثورة 25 يناير 2011.
في هذا الحوار حول الرواية وتفاصيل عالمها كان الحوار مع الشاعر أحمد فضل شبلول..
 
** جاءت روايتك "رئيس التحرير.. أهواء السيرة الذاتية" ما ظروف المرحلة التي دفعتك إلى التحول للسرد؟
** طبيعة الموضوع هي التي دفعتني لكتابة الرواية، فهذا العمل السردي لا تستطيع أن تحمله القصيدة ولا القصة القصيرة، فقط الشكل الروائي غير التقليدي هو الذي كان من الممكن أن يحمل كل ما أود قوله أو سرده عن "رئيس التحرير" خاصة أنه يحمل جزءا من السيرة الذاتية، وجزءا من السيرة المتخيلة. وعلى الرغم من ذلك فقد استفدت ايضا من التقنيات الشعرية داخل العمل السردي، ستجد هناك قصائد شعرية قمت بتوظيفها في الأماكن السردية الملائمة، فضلا عن قصائد أخرى تفجرت أثناء الكتابة السردية، لم استطع الخلاص منها، حيث فرضت نفسها في بعض المواقف، خاصة أن السارد والكاتب الصحفي "يوسف عبدالعزيز" الشخصية المحورية في هذا العمل كان شاعرا أيضا.
 
** هل من علاقة بين الرواية وواقع عملك بالصحافة الخليجية عامة والصحافة الكويتية خاصة؟
** بالتأكيد هو عمل يجمع بين عملي في الصحافة المصرية والخليجية، وليس الكويت تحديدا، وأن كنت استفدت استفادة كبيرة من عملي في الصحافة الكويتية، من حيث وصف المكان الذي كنت أعمل فيه، أما الشخصيات الخليجية فكان معظمها من المتخيل الروائي وإن كان لبعضها ظلال من الواقع أيضا، ويظل هناك ذلك الامتزاج بين الواقعي والمتخيل حتى في إطار الشخصية الواحدة، فأنا لا أهدف إلى تقديم عمل تسجيلي أو وثائقي، وإنما تمتزج الشخصيات والأماكن والأزمنة الواقعية والمتخيلة لتقديم وجبة سردية لها نكهة خاصة بها.
 
** لماذا "أهواء السيرة الذاتية" هذه الجملة التي تجمع الهوى بالسيرة الذاتية؟ 
** دعني أجب عن هذا السؤال بما توصلت اليه الباحثة المغربية فاطمة الزهراء شهير في دراستها المهمة والكاشفة للرواية فقد قالت: "الأهواء"جمع "هوى"، وهو كل ما قد تُحدِّث به النفسُ نفسَها من خير أو شرّ، فيعلو بها أو يهوي، يسمُق أو يسفل، يشرُف أو يرذل... وإن كان الغالبَ على الهوى مُروقُه عن جادّة الصّواب من مِعيار من الضّبط أو الرّدع، لذلك كانت الأهواءُ أَلْصَقَ بِزَوغان النفس عن القواعد الأخلاقية العامة، فتجدها ميّالة إلى التّعبير عنها اشتهاء مادِّيا حسِّيا، وكأنَّه شيء من نزعةٍ نحو عشق نَهَمي تَخِفُّ فيه ولَهُ حدّةُ العواطف في شفافيتها وصدقها، وأحيانا، معقوليتها. 
وكأنّ الرواية "رئيس التحرير" ذاكرةُ أهواء حسّية وعاطفية وفكرية، بل كأنّ السّاردَ ذواتٌ ثلاث. فمن يُمكنه أن ينكر ذلك، وقد خَبِرها في تداولاتها الواقعية؛ لكل فضاؤه، زمنه، لغته، بل ومنطقه، فَمَنطِق الجسد أهواءٌ، ومنطق العاطفة أهواء، ومنطق العقل أهواء.
وانطلاقا من هذه المبادئ، تحدَّدت مواصفات وهويّات الشّخصيات من خلال علاقاتها بالسّارد؛ فهو من يرسُم ملامحها ويحدد الأحياز التي تتحرك فيها، ثم هو من يقرّر مصيرَها ويوزّعها إلى أنواعٍ وفصائلَ، نوعًا من أحكام القيمة؛ اليسار والإخوان، أعداء الثورة ومساندي الثورة، أصحاب المبادئ و"صيادي الفرص"... وهو توزيع وإن كان يُصادر تعدُّدية التصورات والأصوات والايديولوجيات، إلا أنه يستنِد إلى مبادئ مشروعة لها مصداقيتها في تجنب العبثية والفوضى السائدة التي باتتْ تغيم على الأحداث الواقعية والمتخيلة معا، فالصّراع بين الشخصيات مُتكافئٌ مرجعيةً معرفية نفسية واجتماعية وايديولوجية.
 
** وظفت في الرواية تقنيات الصحافة والإعلام ألم تخش أن تفقد الرواية قدرتها على التشويق؟
 ** بالعكس يا صديقي، أنا أرى أن هذه التقنيات تلائم عالم تلك الرواية، فكون السارد أو الشخصية المحورية صحفيا، وكون الرواية تدور أحداثها في بلاط صاحبة الجلالة، ومعظم شخوصها كتابا وصحفيين، فقد انفتحت تلك التقنيات ودلالتها بطريقة أعتقد أنها مشوقة لمن لا يعرف دواخل عالم الصحافة وما يجري في المطبخ الصحفي، وأيضا بالنسبة للكاتب الصحفي المتمرس فإنه يتطلع لمعرفة ماذا يدور في كواليس الصحافة من أحداث قد يعرفها وتعامل معها، أو لا يعرفها من قبل، فلكل تجربته ولغته.
وأنا هنا أشير أيضا إلى بعض الروايات التي استخدمت تقنية الوثائق الصحفية بنجاح ولم تعطل السرد والحوار، بل كانت في خدمتهما مثل رواية "لا أحد ينام في الإسكندرية" لإبراهيم عبدالمجيد، ورواية "بيروت .. بيروت" ورواية "ذات" لصنع الله إبراهيم، وغيرها من الروايات.
 
**  تملك تجربة ثرية شعرا ونقدا وكتابة للأطفال وإعلاميا، وأخيرا روائيا كيف ترى لانعكاس نوع أدبي على الآخر؟ 
** أعتقد أننا نعيش عصر تداخل الأنواع الأدبية، والكتابة عبر النوعية، وقد وصفت الكاتبة والناقدة المصرية إيمان الزيات رواية "رئيس التحرير" بأنها كتابة عبر النوعية، فقالت في دراستها: "انتهجت الرواية نمط الكتابة عبر النوعية فامتزجت بها مجموعة من العناصر الأدبية والمفردات السردية المختلطة والمفعلة بامتياز داخل المتن السردي (كالشعر، الأمثال الشعبية، الهتافات السياسية، المقالات والتحقيقات الصحفية، الرسائل) خلطاً حافظ على خصوصية كل جنس أدبي بداخلها ولم ينفِه تداخل تلك الأجناس مع بعضها البعض". وأنا اعتقد أنني استفدت من خبراتي القرائية والكتابية والحياتية المتراكمة عبر سنوات في كتابة تلك الرواية الأولى بالنسبة لي بما يتناسب مع مضمونها وأشكالها الأدبية.
 
** من خلال تجربتك الطويلة داخل الوسط الثقافي العربي كيف ترى لوضعه الآن عامة وفي مصر خاصة؟
** الوسط الثقافي سواء في مصر أو خارجها يختلط فيه الحابل بالنابل، والجيد بالردئ، وقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في شيوع هذا الخلط، بل أسهمت في تكوين مليشيات تنافح عن الردئ وقد تُقزّم الجيد إذا لم يكن صاحبه عضوا في تلك المليشيات، وخرجت علينا الكثير من الجمعيات والجماعات والصالونات الأدبية والثقافية التي تهتم بالكم (سواء كم الإنتاج أو كم الأفراد) على حساب الكيف الجيد. ولم نجد طفرة ثقافية حقيقية مثلما كانت في الستينيات والسبعينيات على مستوى الوطن العربي بأكمله، وليس في مصر فحسب. ولكن من ناحية أخرى خدمت تلك الوسائل الحركة الأدبية والثقافية في تعارف الأدباء والمثقفين على بعضهم البعض، وتبادل الزيارات والوفود والكتب والمؤلفات بعيدا عن اختيارات الجهات الرسمية التي ترشح من ترضى عنه سواء من الشعراء أو النقاد أو الكتاب بصفة عامة.
ويبدو أننا نعيش في مرحلة انتقالية بالتأكيد ستثمر شيئا مفيدا، وخاصة مع ميلاد الأدب الإلكتروني العربي الذي نحاول سبر أغواره ومعرفة أهم مبدعيه، وما أضافوه من تيارات جديدة، من خلال مؤتمر دولي سيعقد لعدة أيام في دبي خلال شهر فبراير 2018 وقد تم اختياري ضمن فريق اللجنة العلمية لهذا المؤتمر الذي سبنحث فيه المستجدات الأدبية والثقافية التي تُقدم عربيا، ونتعرف أيضا على الجديد في حقل الأدب الإلكتروني على مستوى العالم من خلال بعض رموزه الأجانب وخاصة في أميركا وأوروبا.  
 
** ما هي رؤيتك للمشهد الشعري وما يواجهه من تحديات التجاهل النقدي والإعلامي أحيانا فضلا عن أزماته الداخلية؟
** لاحظت أن الإعلام الأدبي والثقافي حاليا مشغول بالرواية، لأنها أصبحت في نظري ديوان الحياة المعاصرة. ومن خلال أرقام التوزيع؛ الروايات هي الأكثر مبيعا فعلا، وهي التي يتفاعل معها الشباب الآن أكثر من الدواوين الشعرية. ولكن عندما نرى برامج ومسابقات شعرية عربية يتفاعل معها المشاهدون مثل "أمير الشعراء" في الشعر الفصيح، و"شاعر المليون" في الشعر النبطي او العامي، فإننا نشعر أن المشهد الشعري ليس بمثل هذه القتامة التي قد نستشعرها أحيانا.
بل لاحظت ان هناك مسابقة تسمى "إبداع" تنظمها وزارة الشباب والرياضة في مصر، شاهدت بعض حلقاتها بدأت تسير على خطى "أمير الشعراء" من حيث حضور الشاعر أو الأديب الشاب أمام لجنة تحكيم مكونة من ثلاثة نقاد يستمعون الى الشاعر سواء في الفصحى أو العامية، وأيضا القصة القصيرة ويقيمون أو يقومون إنتاجه أمام مشاهدي التلفزيون. وأعتقد أن هذا الحراك الأدبي والثقافي يصب في النهاية في صالح الحركة الأدبية والثقافية، لأن هؤلاء الشباب بالتأكيد سيلجأون إلى تثقيف أنفسهم بالقراءة والاطلاع والتواصل مع منابع التنوير، ويبتعدون عن منابع الإرهاب والتكفير.
 
**  نعود إلى روايتك "رئيس التحرير .. أهواء السيرة الذاتية" وأسألك كم أخذت منك من وقت، وهل هي مقدمة لروايات مستقبلية؟
** أعتقد أن رواية "رئيس التحرير" هي مقدمة لروايات مستقبلية بالفعل، فقد انتهيت من شهور من روايتي الثانية "الماء العاشق" وهي تختلف كلية عن "رئيس التحرير"، فالماء العاشق قائمة على الفانتازيا في المقام الأول، أما رئيس التحرير ففيها الواقعية بنسبة أكبر.
كما أن "رئيس التحرير" لم تُغلق بعد، فالنهاية مفتوحة، لذا يسهل لي العودة إليها وكتابة جزء تال يجري بالأحداث مرة أخرى في حال عودة بطلها إلى عمله مرة أخرى في الخليج، لأن الرواية انتهت دون حسم الموقف هل سيعود بطلها إلى عمله بالمجلة الخليجية مرة أخرى أم لن يعود بسبب تأزم الموقف مع رئيس تحرير المجلة الذي كان له رأي مخالف من أحداث ثورة 25 يناير، كما أن هناك من رشح البطل لأن يكون رئيسا للتحرير، بدلا من الرئيس الخليجي الحالي. هذه أشياء لم يتم حسمها، وقد تحسم في جزء ثان للعمل.
وقد كنت أفكر في كتابة الرواية لأكثر من ثلاث سنوات، وكانت المشكلة كيف أبدأ، خاصة أنها الرواية الأولى لي، وعندما اختمرت الفكرة تماما بأشخاصها وأماكنها وأحداثها، وتقنياتها، لم يستغرق كتابتها أكثر من 3 شهور، وكتبتها 3 مرات، في المرة الأولى وصل عدد صفحاتها إلى أكثر من 300 صفحة فولسكاب، وكانت مليئة بالوثائق الصحفية، خاصة عن أحداث انتفاضة 18 و19 يناير 1977 ضد الرئيس الراحل أنور السادات، وكان السارد مشاركا فيها وقت أن كان طالبا في الجامعة، والتي استرجعها السارد أثناء انتظاره للسفر للعمل بالخليج. فضلا عن وثائق صحفية أخرى عن ثورة 1952 عندما قرر رئيس تحرير المجلة الخليجية أن ينشر ملفا عن تلك الثورة، ولكنه لم ينشر لاعتبارات تحريرية كما جاء في الرواية.
ولكن حذفت هذه الوثائق واكتفيت بالإشارة أو التمليح إليها. فحذفت حوالي من 60 إلى 80 صفحة فولسكاب، وعندما قرأها بعد الأصدقاء المقربين، وتناقشنا حولها قمت بحذف أشياء أخرى، واستخدمت بلاغة الحذف، معتمدا على قوة التكثيف والتلميح والإشارات، بدلا من الاطناب والاسترسال والإسهاب. فجاءت الرواية المطبوعة على ما هي عليه الآن (178 صفحة)، بعد أكثر من ثلاثة شهور من المعاناة الكتابية.  

** الكثير من الشعراء يتوجهون إلى الكتابة الروائية ونادراً ما يحدث العكس.. ما قراءتك لهذه الظاهرة؟
لم أجد بالفعل روائيا عربيا توجه إلى كتابة الشعر، ولكن الملاحظ هو العكس دائما، وأضرب مثلا بسعدي يوسف وإبراهيم نصر الله وغيرهما، حتى عبدالرحمن الأبنودي كشفت أرملته الإعلامية نهال كمال أنه كتب رواية ستنشر قريبا. أيضا أذكر أن الشاعرة نازك الملائكة قبل وفاتها بالقاهرة، كتبت القصة القصيرة، وأصدرت مجموعة قصصية، ربما تمهيدا لكتابة الرواية، بل أن النقاد أيضا بدأوا يكتبو الروايات، وأضرب مثالا بالصديق الناقد الكبير د. حامد ابو أحمد الذي عرفت أنه كتب أكثر من رواية في سبيلها إلى الطباعة.
إن العمل الروائي يحمل كل وجهات النظر، والحوار والحوار المضاد، والبطل والبطل المضاد، واللغة واللغة المضادة، الرواية حمّالة لكل شيء، تستطيع أن تضع فيها قصائد، وقد حدث هذا في "رئيس التحرير" بالفعل، ففيها العديد من القصائد والأبيات الشعرية، وتستطيع أن تضع في الرواية تاريخا وسياسية واقتصادا وتحليلا نفسيا وتجارب تشكيلية، ومشاهد سينمائية .. الخ، الرواية عالم بأكمله يستطيع أن ينسج خيوطه بمهارة الروائي أو السارد الجيد.
في الرواية تستطيع أن تلعب بالزمن، وقد حدث أيضا هذا في "رئيس التحرير" حيث التقدم والرجوع، والرجوع والتقدم عن طريق استخدام التقنيات والفلاشات الروائية، فمن حديث عن انتفاضة 18 و19 يناير 1977 إلى حديث عن ثورة 25 يناير 2011 على سبيل المثال، عن طريق الفلاش باك، أو العودة  إلى الوراء.
وأستطيع القول إنني لم ألجأ إلى القالب الروائي لمجاراة بعض الشعراء الذين تحولوا إلى كتابة الرواية، ولكن بالفعل هذا العمل ـ كما قلت من قبل ـ فرض نفسه لأن يخرج بهذا الشكل الروائي، أو السيرذاتي. واعتقد أنه من المستحيل أن يخرج في قالب شعري أو حتى في مسرحية شعرية، أو في قالب قصة قصيرة بطبيعة الحال.
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات