GMT 23:59 2017 الأحد 30 أبريل GMT 15:19 2017 الأحد 30 أبريل  :آخر تحديث

ماجدة داري في:" نهر الخرز": النسيج الشعري بين احتمالات الغربة والاغتراب

عبدالله السمطي
 
 
يتجسد النسيجُ الشعري في ديوان:" نهر الخرز " ( مؤسسة سوريانا للإنتاج الإعلامي، دمشق ، الطبعة الأولى 2017 ) للشاعرة ماجدة داري في جملة من الفواعل الدلالية التي تتحرك سياقيا وتعبيريّا لتشكيل المكون النصي، وتحديد دلالاته المتمظهرة والمضمرة معًا. 
لا استرابة في أن هذه الفواعل تنطوي على رؤى: السفر، والاغتراب، والحنين للوطن، والاقتراب الجمالي الأسيان من مشهد الحرب السوري  بالتعبير عنه في بعض الصور المأهولة بالفقد المأساوي الشفيف، فيما تتجلى في البحث عن الحلم والتطلع للمستقبل من أجل مقاومة الموت ومقاومة الزمن وبعده التحللي، والخروج من ركام اللحظة. 
هكذا يمكن أن نطل دلاليا لأول وهلة على ديوان:" نهر الخرز"   وما ينطوي عليه من كيانات دلالية قدمتها الشاعرة بشكل متجانس لتعبر عن ذاتها الشاعرة التي تحب، وتتشوف، وتتألم، وترى. 
تستهل الشاعرة ماجدة داري ديوانها بنص بعنوان:" لهفة" (ص .ص 5-6  )  تقول في بدايته:
لو أتيتَ بلهفة المترنح
أنزع عنك الورود
ألم تروضك الندوبُ بعد
كل القصائد شيدتها
على مخدة المومياء
وكل ذاك الشغب في عتمة الشعر
ستنهشك أصابع زينتها بالخرز
بيدك كل تواقيع الشهور
بيدي امرأة تتصالح معك 
 
احتمالات المشهد معلقة ب" لو" بالتمني، بالرجاء، بارتقاب المستقبل، و" لو" هنا تخاصم الشاعرة زمنيها الآخرين: الأمس، والحاضر، هي تقطع اللحظة للأمام لترى أبعد وأكثر. وهنا تأتي اللهفة لتصنع استقبالها القريب أو البعيد، وتصنع تأملها وأخيلتها المرتبطة بالقادم بالضرورة. 
إن التمني هنا بمثابة استدراك ذاتي لمعاودة تفتح الزمن، ولمعاودة استشرافه، ربما سقطت الأزمنة، ربما تهاوت الأمكنة أيضا، لكن يبقى التمني عنوانًا للآتي، وعنوانًا للحظة مغايرة طليقة. 
وهو ما تؤكده الأسطر الثلاثة الأخيرة في النص المتسائلة، التي تدعو للنسيان وإلى مخاصمة الماضي والحاضر معا: 
أي تعويذة تُضمرُ كفاك؟
اسند ظهركَ للنسيان
لا مديح يليقُ بقلبي . 
وتعود اللهفة للظهور في نص آخر بعنوان (بلدي) وهي هنا لهفة على الوطن ومقدراته:" وطني أدثره بلهفتي وأحرس الكلام" / ص 17 ، حيث يشكل الوطن خلفية دالة لعدد من النصوص التي قد يمتزج فيها التعبير عن الحياة الرومانتيكية جنبا إلى جنب مع التقاط عناصر وصيغ رمزية وإشارية أو إحالات مجازية تصب في قلب الأمكنة المستدعاة. 
 
مجْمعُ الحنين: 
يتشكل ديوان ماجدة داري الشاعرة السورية المقيمة بالولايات المتحدة الأمريكية من (70) نصا، تتراوح طولا وقصرا، والنصوص الأقصر هي الأكثر تكرارا بالديوان حيث تبلغ ( 47) نصا، أقصرها يقع في ثلاثة أسطر، فيما تبلغ النصوص الطويلة التي تحتل صفحتين إلى أربع صفحات (23 ) نصا.
ماجدة داري في هذه المراوحة تؤكد على قيمتين، أولاهما: أن النص الشعري في قصره وكثافته يوحي بداءة بأنه سيحفل بالمفارقة ويعبأ بالتكثيف، ويقاسم التجريد كينونته. وهو الأمر الذي نتلمسه بجلاء في نصوص الديوان القصيرة. 
وثانيتهما: أن تقسيم الديوان لنصوص طويلة وقصيرة يؤكد على رؤية ما تريد الشاعرة إرسالها للقارئ ضمنيا، ربما تتجلى في التنويع الشكلي كاستنتاج مبدئي أو تتجلى في تنوع طرق البوح الشعري، بحسب الدفقات الشعرية التي تبثها الشاعرة في كل نص، وبحسب ما تريد أن تزجيه من مضامين متنوعة، ذاتية، وواقعية، وسردية، تعبر عن هم اللحظة وعن قضاياها الشائكة، وعن حالة الاغتراب والحنين لوطن ما تزال الحرب تعصف بجوانبه وأركانه. ، وهو ما يتأكد في عدة نصوص منها:  " بلدي"  ، و" ثلج"  " فرق كبير" و" الأماكن" و" مشهد حرب" ومن نص ( وطن) تقول الشاعرة: 
تراب وطني سجادة حمراء
أنقش عليها زخارف غدي
ويأتي الحنينُ ضحكةً ( قيوانة)  لربيعٍ آخر  
موشحٍ بدم الشهداءِ
ظلامٌ في عيونٍ لا ترتجفُ    
 اهتزتْ لِحاهم
لنطق الرمادِ والأشلاءِ    
لتحصدَ شيوخَ الهلع .. براءةَ صباح
قيدتْ أنوارهُ بالترهات    
جلستُ في ذهول
أودع أحبتي مساء    
كانتِ الدهشةُ تلملمُ مخاوفَ المطرِ
بكيتُ الحزنُ   
وبقي الوطنُ منقوشاً على حجارة قلعةٍ 
لا تموتُ.
 
الوطن هو مجمعُ الحنين، والحالات الأسيانة التي ترصدها الشاعرة تأتي ممزوجة بتأوهات الروح، وبانشغالات الذهن برصد ووصف هذه الحالات لكن إسقاط الذات الشاعرة عليها محاولاتها الدائبة للخلاص من الواقع المأزوم إلى حياة أخرى تصطدم بالاستدعاء، وإذا كان هناك استدعاء أمكنة ولحظات من الماضي فإن طريق هذا الاستدعاء يمر بالحزن، ولا يمكن أن يعبر إلا إذا اتشح المشهد بالدم والأشلاء والركام لأن قصد التجربة الإبداعية يتشكل ضمن ما يتشكل من التقاط صور الواقع ومشاهده تضامنا مع لحظته الراهنة. وتتنوع هذه الالتقاطات ما بين التحديق في الذكرى، أو ملامسة مشهد موتي، أو تشوف مشهد رومانتيكي، أو تصوير الأزهار والحدائق أو بث الصور المائية التي ترتبط بعلاقة الذات بالآخر :" أحبكَ صلاة برائحة الثلج، أحبك حتى آخر النهر"/ ص 11  النهر بديل للعمر هنا، كأنه عمر مائي آخر . 
وحين توغل الشاعرة في اقتطاف مشاهدها التصويرية من العلاقات السياقية غير المألوفة بين المفردات، فإنها تصنع حالة مدهشة حيال القارئ، خاصة حين تتحرك بجرأة في صياغة هذه العلاقات ولا تتوقف حول مدى تعالقها المنطقي أو المعنوي. إن هذا الإيغال يعدنا دائما بصور مختلفة، فتشبه النظرات بأسنان الكلب ، وتخبئ الآخر في رحم إبرة، والحجل يدغدغ الكستناء، وهكذا تصنع العلاقات السياقية صورا مدهشة وغير مألوفة: 
كانت نظراتك أسنانَ كلب
ركضتَ وراء ظلي
وتركتك لمرثية أنيقة 
حفظتني من المطر                   
خبأتكَ في رحم إبرةٍ
كنا هناك                               
حجلٌ يدغدغ كستناء غريبا
لأناك الفاقع                            
في روايةٍ تلعنها أنثى 
كان الدرجُ مرتفعَ الدم                 
تناثر الخرزُ 
أطلّ على عينيّ السوداوين       
وحذارِ
من سهوة جبل               
يوشم بخزام كردية.
 
 
الغربة والاغتراب:
من وجهة دلالية أخرى، تشكل الغربة جانبا من جوانب التعبير الشعري الديوان، الغربة بمعناها المهاجر، بمعنى الانتقال من مكان إلى مكان ومن ثم التشوف للوطن واستدعائه عبر الحنين والرؤية والتذكر والتخيل، فيما ييشكل الاغتراب سواء ذاتيا أم واقعيا قدرا من الجوانب التي تعبر فيها الشاعرة عن لواعج الذات، ويصبح الخلاص الرومانتيكي الذي يهيمن على نصوص كثيفة بالديوان نوعا من الحل المعنوي الذي قد تلجأ إليه الذات في تشكيل قسمات عوالمها وتجربتها. 
في نص " غربة" تستعيد الشاعرة وطنها بكلمات وتعبيرات مثل  :" أبكي عليك كوطن أنت تدعيه حزنا، وأنا أتمرغ في بقايا كبريائه" / ص 26 . " وجع الغربة يطوي ظلي ليتسرب بين الغبار" / ص 27 " وجهي ضاع بين الشمال والجنوب ، سأفسر للتقويم انهيار بلدي " / ص 28 ، " لم أتفوق عليك إلا بالغربة " / ص 26
يسقط وجهه
في متاحف واشنطن
ويحن ويحن ويحن
ويرسم حقيبة
ممتلئة بي / ص 61 
ومن نصوص الغربة نص :" ليلة الجمعة" ص 62-  ن كما تتكرر كلمات السفر ، مثلا في نصي :" بيروت" و" رشوة" 
فيما تشير الشاعرة إلى الموت كما في نصوص :" سلمى" / ص 36 الموت  والزمن، في نص:" نهار وليل حائر" ص.ص 71- 72 / الموت في الأمكنة في نص:" الأمكنة" ص 86  وكما في أطول نص بالديوان وهو:" لم ينتهوا من ترهاتهم بعد" ويقع في أربع صفحات ( ص.ص 74-77) وفيه تقول الشاعرة: 
تعالَ.. تسول معي
 هذا النهارُ لنا
أرقاماً شاسعة اجتازت الشتاء
تواطؤ الحدائق والجسور
تنبؤات الفاكهة في نبيذ العزلة 
غيابُ الهواء في لفافة المدن
ربطُ الأحذية بقياس الأكتاف 
تخبطُ الدم في ساقيةٍ فاجرة
تعلكُ الأسماك 
في حساءٍ مسموم 
حورياتٌ معنفةٌ
بأقلامِ مشاجراتٍ دامغة
 للحى الهلع 
شوارعُ بأرصفةٍ 
سقط حليبُ الرعشة في عريها
ينهمر فراغاً أعجف 
على سبات الأيام
أقسم بكلّ الألوان
لن نخذل ورقةَ الفجر 
برجاحة الطين 
مبشراً بخلاصة العزلة 
 
ومن الموت إلى الحلم كما في نصوص :" نورس" / ص 38 " حفلة الخرز" / ص.ص 56- 57 " طفرة" ص 78 ومنه: 
ما أجمل الحلم
هو الوحيد الذي يوصلني بك 
ومن الحلم إلى الأفق الرومانتيكي وهو الأكثر بروزا بالديوان، خاصة مع امتزاج معظم بنى النصوص بالفعل المضارع ( أفعل) الذي يتكرر بالديوان بشكل جلي مؤكد على حضور الأنا، ومتصرفا في عدد كبير من الفواعل النصية بالنصوص، معبرة عبره الشاعرة عن تجليات الحب والذكرى واستدعاء الحب حتى لو كان متشحا بالغياب والبعد: 
" سأحبكَ لتبقى الآياتُ والأبجدية في ساقية قمري البعيد" / ص 38 
ومن النصوص الرومانتيكية : " آخر الليل " ص 42 : متهمة بحبك" / ص 51 – 53 " غياب" ص.ص 54- 55 " قبل الفجر" م ص.ص 58-59 
إن الشاعرة ماجدة داري تشكل نسيج نصوصها من هذا الوعي بالواقع، وما يضمره من معان تفضي إلى كتابة الحنين، وإلى كتابة الاستلاب والقهر، وإلى تنسيج هذه الكتابة في نصوص متنوعة قد تتجلى فيها الكثافة والمفارقة، وإيقاعية اللحظة الشعرية المكثفة تؤديها عبر جمل شعرية قصيرة ومضغوطة كأنها تبوح بشحناتها الدلالية وبطاقاتها المعنوية وصولا إلى تشكيل عالم الذات ورؤيتها الممهورة بالجماليّ وبالثري الخصب من السياقات التعبيرية الدالة. 
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات