GMT 15:55 2017 الإثنين 1 مايو GMT 6:15 2017 الإثنين 22 مايو  :آخر تحديث

المكان الأول عند المبدعين والفلاسفة

حسونة المصباحي
 
في خريف عام 1933، تلقى الفيلسوف الالماني الشهير مارتن هايدغر دعوة للتدريس في جامعة برلين. غير أنه رفض تلك الدعوة وكتب نصّا بديعا بعنوان:”وحدها الغابة السوداء تلهمني" فيه يقدّم تبريرات رفضه للدعوة المذكورة مشيرا في البداية إلى أنه مرتبط روحيّا وفلسفيّا بالبيت الريفي الذي دأب على العمل، والتأمل فيه. ويقع هذا البيت على القمة الأكثر ارتفاعا في "الغابة السوداء" الواقعة في الجنوب الغربي من ألمانيا. في هذا المكان المنعزل، يشعر هايدغر بأنه "متجذّر" في العالم العميق للثقافة الألمانية في جانبها الزراعي الذي يتميّز ببساطة في العيش. حول البيت الريفي، على المنحدر الوعر، تنتشر الضيعات ذات السقوف الكبيرة، المائلة، وتكثر حقول الرّعي. ويضيف هايدغر قائلا:”أنا لا أتأمل فقط المنظر الطبيعي المحيط بي، بل أحسّ تحوّلاته من ساعة إلى أخرى، ومن الليل إلى النهار، خلال تعاقب الفصول. إن ثقل الجبال، وصلابة صخورها القديمة، والنموّ المحترس لأشجار التنّوب، والبهاء المضيء للحقول المزهرة، وهمس السيول في ليل الخريف الطويل، وأيضا البساطة الصارمة للمساحات المغطاة بثلوج كثيفة تتسرب كلّها إلى الحياة اليومية هناك في الأعالي، وفيها تتجمّع، وتتراكم وتتموّج، ليس في اللحظات التي نريدها أن تكون لحظات انغماس في المتعة، ولحظات تحقيق الذات المصطنعة، وإنما فقط حين يكون وجودي في حالة تأدية عمله". ويرى هايدغر أن العمل الفلسفي يصبح فريدا من نوعه عندما يتمّ وسط عالم المزارعين الذين يجلس معهم من حين إلى آخر، ومعهم يدخن الغليون في صمت. وفي هذا العالم، هو لا يشعر بالرتابة ولا بالضجر. وهو يعيش وحدته بمتعة لا يمكن أن يشعر بمثلها في مدينة كبيرة مثل برلين حيث بإمكان المفكر أو المبدع أن يحصل على الشهرة السريعة من خلال الصحف والمجلات، إلاّ أنه لا يمكن أن يحصل على السعادة الروحية التي تمنح عمله البعد الإنساني الحقيقي. وفي نصّه المذكور، يعبر هايدغر عن أسفه الشديد لموت عجوز كانت تروي له حكايات قديمة توشك على الإنقراض بسبب وسائل الاعلام والترفيه الحديثة. وكانت هذه العجوز تحافظ في لغتها القوية والموحية على الكثير من الكلمات التي باتت نادرة الإستعمال. لذلك يعتبر صاحب "الكائن والزمن" أن ذاكرة هذه العجوز هي بحسب رأيه أكثر قيمة من كل ما تروجه وسائل الإعلام في المدن الكبيرة، إذ أن العالم المدينيّ "مهدّد بخطر كبير، خطر أن يصبح فريسة للبدع القاتلة". وهو عالم "متعجل ومزعج، وصاخب، ونشط جدا، ويبدو غير مبال ببقية العالم". لذلك هو رفض دعوة جامعة برلين لأنه يريد أن "يسمع ما تقوله الجبال، والغابات، والضيعات".
في كتابه البديع"داغستان بلدي"، يكتب رسول حمزاتوف قائلا:”أحمل شوقي وحنيني إلى وطني حيثما ارتحلت. أتطلّع إلى وطني من شبّاك قفصي. لا يمكن أن يكون كاتب من دون وطن. ونحن لسنا الذين نختار أوطاننا، وانما الوطن هو الذي يختارنا منذا البداية". لذلك على كلّ انسان أن يدرك منذ صباه أنه جاء إلى العالم ليكون ممثلا لشعبه"، وعليه أن يكون "مستعدّا لتحمل أعباء مثل هذه المهمة".
لكلّ مفكر، أو فيلسوف، أو مبدع في أيّ مجالات من المجالات، مكان أصليّ إذن فيه يولد، وينشأ، وينمو، ومنه ينطلق إلى العالم الرحب لأن هذا المكان هو من العالم وبالتالي لا يمكن بأيّ حال من الأحوال ان يكون منفصلا عنه. وليس باستطاعة المنتمي اليه أن "يتمترس"، و"يتحصّن" فيه. فإن هو فعل ذلك، عاش في ضيق ومات في ضيق أيضا. فلا يترك ما يمكن أن يجعله حاضرا في ذاكرة وطنه، ولا في ذاكرة العالم. وكان الطيب صالح يقول:”لقد حولت القرية السودانية إلى عالم شاسع فيه تدور أحداث "أودويسيّتي" القروية". وكان المغربي محمد شكري يقول بإنه "كاتب طنجاوي"(أي من طنجة)، إذ أن جل أحداث قصصه وروايته تدور في هذه المدينة، وفي الضواحي القريبة منها. فلا نجد حضورا قويا لأية مدينة مغربية أخرى. مع ذلك، اخترقت أعمال محمد شكري المسافات بين مختلف بلدان العالم. وحوّل غاريال غارسيا ماركيز القرية التي ولد فيها والتي أطلق عليها اسم"ماكاندو" إلى رمز لكل بلدان أمريكا اللاتينية، وتاريخها الموسوم بالعواصف، والحروب، والنزاعات العنيفة على مدى اجيال وأجيال. وقد ولد رامبو في مقاطعة الأردان" القريبة من الحدود الفرنسية -البلجيكية. . وفي الكثير من قصائده تحضر هذه المقاطعة "ذات الجداول البنفسجيّة". ومبكرا أحس أنه لا بدّ أن يبتكر لنفسه "جغرافيا متحركة" بحسب تعبيره. لذلك فرّ من البيت العائلي محاولا أن يتخلص من الثقافة المسيحية التي تسكنه، و"تسمّم دمه". في طرق اوروبا، هو الذي العاشق للسفر راجلا، "مزّق حذاءه"، . عندما انقطع عن كتابة الشعر، فرّ إلى افريقيا ليعود منها وهو يحتضر. وقد اختار الشاعر والناقد البريطاني كينيث وايت أن يعيش بعيدا عن بلاده. إلاّ أن ذلك لم يكن يعني أنه انقطع عنها:”أنا لا أشعر أبدا أنني في المنفى. وأنا أمقت تفخيم المنفى. وإذا ما أنا أدرت ظهري لبريطانيا فلأنني أرغب في أن أنصهر فيها من جديد. فالمسافة مع الإغتراب تعمّق العلاقة بها. ثمّ إنني لا أشعر بأيّ حقد على بريطانيا. وقد تبدو لي الثقافة الانجليزية راهنا سطحية بشكل مفزع، ومبتذلة، غير أنها لم تكن كذلك من قبل. وربما لن تظلّ على هذه الحالة دائما. بل أنني أعاين أحيانا بعض التغيير، ورغبة في التغيير". ومعنى هذا أن هدف كينيث وايت لا يعني الانفصال عن ثقافة بلاده، ونفي وجودها، وإنما تجديدها. ولا يتمّ مثل هذا التجديد إلاّ بتطعيمها بثقافات أخرى يتغذى منها مترحّلا ومسافرا عبر العالم. وها هو في جبال "تيان شان"(جبال السماء)، وفي وادي "تاريم " الذي كان في زمن بعيد محطة على طريق الحرير، ومكانا تلتقي فيه الثقافات المختلفة، الهللينية، والفارسيّة، والهندية، والصينية، وغيرها. لذلك هو يشعر أن وادي "تاريم" غذّى الثقافة الانسانية أكثر مما غذّاها نهر الرين، أو التيمز، أو الدانوب أو غيره من ألانهار الكبيرة في القارة العجوز.

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات