GMT 12:41 2017 الثلائاء 16 مايو GMT 12:57 2017 الثلائاء 16 مايو  :آخر تحديث
كتاب «التنوع البشري الخلاق» يعتبره سبيلاً للقضاء على الإرهاب

التنوع الثقافي.. سر القوة والنهوض وليس الضعف والسقوط

صبري عبد الحفيظ

«إيلاف» من القاهرة: اتخذ البشر من كل شبر على الأرض سكناً لهم، منذ أن خلق الله آدم عليه السلام. ومع عمل مجموعات من الناس وعيشها معاً، نشأت عادات وتقاليد توارثتها الأجيال المتعاقبة، مكونة ما يعرف ب"الإرث الثقافي". وشكلت القبائل والمجموعات البشرية شعوباً، وصار لكل منها سواء مجموعة صغيرة أو شعب كثير العدد، تراث ثقافي يخصها وحدها، دون غيرها من البشر، وهو ما يعرف ب"التنوع الثقافي" الذي يعتبر سمة مميزة للمجتمعات البشرية.

ولم يكن الاختلاف والتنوع البشري والثقافي في العالم منذ أن خلق الله الكون، مدعاة إلى الخلاف والشقاق والصراع والحرب، فالمولى سبحانه وتعالي لم يخلق هذا التنوع عبثاً، بل من أجل التعارف والتقارب والتعاون في سبيل سعادة البشر، وليس تعاستهم، وهو ما يعرف ب"التنمية المستدامة" أو "إعمار الأرض، وهو ما يؤكده قوله جل في علاه في الآية 13 من سورة الحجرات: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ".

ولو لم تكن هناك حكمة وراء هذا التنوع البشري والثقافي، لجعل الله الكون أمة واحدة، كما يقول في الآية 48 من سورة المائدة: "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ".

تنوعنا الثقافي.. نعمة أم نقمة؟

ورغم ذلك، فإن البشر اتخذوا من تنوعهم الثقافي سبباً نحو شقائهم، بدلاً من أن يسهم في التنمية واسعاد الأجيال. من ينظر حوله الآن في التحديات التي تواجه الأمم في القرن الحادي والعشرين، يرى أن نحو 75 بالمائة من الصراعات الرئيسة في العالم، لها أبعاد ثقافية.

ووفقاً للإعلان العالمي للتنوع الثقافي، فإنه "يشكّل قوة محركة للتنمية، ليس على مستوى النمو الاقتصادي فحسب، بل أيضاً كوسيلة لعيش حياة فكرية وعاطفية ومعنوية وروحية أكثر اكتمالاً. من هنا، يُعتبر التنوع الثقافي ميزة ضرورية للحدّ من الفقر وتحقيق التنمية المستدامة".

وتأكيداً لمعنى التنوع البشري الخلاق الذي يعني الحوار بين الأطراف المتكافئة, والاعتماد المتبادل بين الشعوب والأمم, والتفاعل الموجب بين المعتقدات والمذاهب، انطلاقاً إلى تحقيق التنمية المنشودة لخير البشر، وبناء عالم جديد تسود فيه معاني التسامح وحق الاختلاف واحترام المغايرة، اتخذ المؤتمر العام لليونسكو بالتعاون مع الأمين العام للأمم المتحدة الدكتور بطرس بطرس غالي، قراراً بإنشاء اللجنة الدولية للثقافة والتنمية "wccd"، وذلك في العام 1991، وصدر قرار بتعيين المدير العام لليونسكو خافيير بيريز ديكوييار وقتهاً رئيسا للجنة، التي ضمت في عضويتها إثنى عشرة شخصية رفيعة. وبعد خمس سنوات من العمل الشاق، انتهت اللجنة من اعداد تقرير عالمى عن الثقافة والتنمية تحت عنوان "تنوعنا الخلاق".

احترام الاختلاف سبيل للاتفاق

حمل وزير الثقافة المصري الأسبق الدكتور جابر عصفور، على عاتقه مهمة ترجمة التقرير الذي صدر في صورة كتاب إلى اللغة العربية، وأشرف بنفسه على عملية الترجمة في العام 2009، عندما كان يشغل منصب مدير المركز القومي للترجمة، واختار للكتاب ـ الذي بين أيدينا ـ عنواناً جديداً هو "التنوع البشري الخلاق.. تقرير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية".

ورغم إصدار الكتاب منذ ست سنوات، إلا أن العالم في أشد الاحتياج إلى إعادة قراءته، والاستنارة بما يحويه من آراء ودراسات، لاسيما أن غالبية الأزمات والصراعات والحروب الدموية والإرهاب، ومشاكل البيئة والمناخ، ناتجة عن سوء فهم ل"تنوعنا الخلاق"، وهو العنوان الذي يراه المفكر المصري القدير جابر عصفور، في مقدمته للكتاب " يكشف عن منزع جديد فى فهم الثقافة الإنسانية من منظور الرؤية الكوكبية".

ويرى عصفور في تقديمه للكتاب أيضاً أن "هذه النزعة (الرؤية الكوكبية للثقافة الإنسانية) لا تهدف إلى تسلط أمة على أمة، أو سيادة ثقافة على أخرى، فقد مضت أزمنة التسلط والتسيد منذ أن تعلمت الشعوب الدفاع عن حقوقها في الوجود المتكافيء الذي الذي تؤكده معاني الحرية والعدالة والمساواة، وإنما تهدف إلى احترام الإختلاف بوصفه سبيلاً للاتفاق، والاعتراف بالتباين بوصفه دليلاً على العافية، وتأكيد أنه ما من أمل في سلام البشرية ما ظلت حضارة من الحضارات أو ثقافة من الثقافات أو أمة من الأمم تمارس قهراً سياسياً أو فكرياً أو أخلاقياً على غيرها من الحضارات أو الثقافات أو الأمم، بدعوى أن الطبيعة أو التاريخ ميزاها على غيرها بما لا تمتلكه سواها، فمستقبل البشرية مرهون بالاحترام المتبادل، والتخلي عن رواسب التمييز العرقي أو التعصب المذهبي، والتسليم الذي لا رجعة فيه بأن إنكار الخصائص الثقافية أو الحضارية لشعب من الشعوب إنما هو نفي لكرامة هذا الشعب وكرامة الإنسانية جمعاء".

التنوع البشري الذي يقوم على التفاعل لا الصراع، وعلى الحوار بين أطراف متكافئة، وليس بين أطراف متراتبة في علاقات الهيمنة والتسلط والتبعية، هو السبيل الأمثل "لمواجهة المشكلات العالمية الكبرى التي لا يقدر على حلها قطر بعينه أو دولة بمفردها، مثل مشكلات البيئة أو الإرهاب أو التغيرات الجذرية في الخارطة الديمقوجرافية لسكان الكوكب الأرضي"، على حد تعبير عصفور.

تعايش وتعاون لا صراع وصدام

ويأتي حديث عصفور، تأكيداً لما قصده خافيير بيريز ديكوييار، حين قال في تقدمه للكتاب أيضاً: "إن الثقافة تشكل فكرنا وتحكم سلوكنا، وإنها طاقة الجماعات والمجتمعات وروحها في مختلف معاني التمكين والمعرفة وقبول الاختلاف الذي يعني الاعتراف بالتنوع والتعددية".

هناك اليوم الكثير من الدلائل على أن إهمال التنمية البشرية يعد أحد الأسباب الرئيسة للحروب والصراعات الداخلية المسلحة، وهو ما يؤدي إلى إعاقة التنمية البشرية. هكذا يرى ديكوييار، ويضيف أيضاً: التهديد الدائم للإستقرار مصدره الأساسي الصراعات العنيفة داخل الدول، وليس فيما بينها. فأكبر المشكلات تأتي من داخل الدول، إما بسبب الصراعات العرقية أو إجراءات القمع التي تمارسها الحكومات، كما أن الظروف التي تؤدي إلى الطغيان والعنف ومخالفة حقوق الإنسان في الداخل سرعان ما تؤدي إلى البحث عن أعداء في الخارج، وتزداد رغبة الحكومات القمعية في تصدير مشكلاتها الداخلية.

ويضيف ديكوييار: "إذا كانت الثقافة وراءنا وحولنا وأمامنا، فإن علينا أن نتعلم كيف نتيح لها الفرصة أن تقودنا إلى التعايش والتعاون وليس إلى الصدام والصراع"، مشيراً إلى أن التحدي الذي يواجه البشرية هو أن العوامل الثقافية تشكل الطريقة التي تتصور المجتمعات بها مسنقبلها، وتختار الوسائل اللازمة لبلوغ أهدافها".

ورغم أن ديكوييار كتب مقدمة الكتاب في العام 1995، إلا أن كلماته مازالت تتردد أصداءها حتى الآن، لاسيما حين يقول: "لا يزال الطريق أمامنا طويلاً، ولم نتعلم بعد كيف نحترم بعضنا البعض، وكيف نتعاون فيما بيينا ونعمل يداً واحدة".

يتضمن الكتاب عشرة أبواب، تتناول الأخلاق العالمية الجديدة, والالتزام بالتعددية, وتحديات وسائل الإعلام في عالم تحول إلى قرية كونية، ويتحدث عن العلاقة بين الهوية الجنسية والثقافة, وعلاقة التراث الثقافي بالتنمية الاقتصادية.

الأخلاقيات العالمية الجديدة

وتحت عنوان "أخلاقيات عالمية جديدة"، يقول الرئيس الأسبق للمفوضية الأوروبية، جاك ديلور، إن العالم قريتنا، فإن شب الحريق بأحد بيوتها، تعرضت الأسقف التي تظللنا جميعنا للخطر، وإن حاول أحدنا أن يبدأ في إعادة البناء، فإن جهوده ستكون رمزية تماماً، فيجب أن يكون التضامن هو سمة العصر، وعلى كل فرد منا أن يتحمل نصيبه من المسؤولية العامة".

ويبحث الباب الأول في كيفية صياغة الأخلاقيات العالمية الجديدة، ويشير إلى أن منذ نشأة الإنسان، كانت جماعات البشر قادرة على تبادل الاكتشافات والمبتكرات والخبرات والمعارف، وتطورت المجتمعات من خلال تعاون الشعوب مع الثقافات المختلفة. ويلفت إلى أن الثقافات تتداخل فيما بينها، لأن الأفكار الأساسية لها جذور مشتركة وتقوم على تجارب إنسانية متشابهة، رغم أنها في الوقت نفسه ليست وحدات متجانسة، ففي داخل الثقافة الواحدة خلافات ثقافية عديدة حول الجنس والطبقة والدين واللغة والعرق، وغير ذلك من أوجه التفرقة.

وتعتبر "حقوق الإنسان" على رأس الأخلاقيات العالمية الجديدة في المجتمع الدولي، فحماية الكيان المادي والمعنوي للفرد ضد تدخل المجتمع أو السلطة، وإتاحة الحد الأدنى من الظروف الاجتماعية والاقتصادية للحياة الكريمة، والعدل في التعامل، وتكافؤ الفرص في الوصول للآليات الخاصة بعلاج أوجه الظلم، كلها مشاغل مهمة للسلوك الدولي، ويجب لأية أخلاقيات عالمية أن تتبناها.

ورغم أن البعض يرفض فكرة حقوق الإنسان ويعارضون عالميتها، على أساس أنها غربية المنشأ وفردية في توجهاتها، إلا أن الحقيقة الجلية تؤكد أن الفكرة لها جذور في كثير من الأديان والثقافات، ولاسيما الإسلام والمسيحية. ويرد الكتاب على ذلك بالقول إن الاتهام بأن فكرة حقوق الإنسان مفرطة في فرديتها، يرجع إلى أن حقوق الفرد تعبر عن مفهوم فحواه أن كل البشر ينبغي أن يكونوا متساوين، وهذه المساواة تجب أية مزاعم باسم قيم الجماعة.

تطبيق معايير حقوق الإنسان على مستوى العالم يتطلب مشاركة عدد لا يحصى من العناصر الفاعلة، فيجب على الدول والحكومات أن تبدي التزاماً مخلصاً بالتطبيق، كما أن دور الجمعيات الأهلية حيوياً في توثيق الحالات الفردية وفي فضح مخالفات حقوق الإنسان.

وجاءت "الديمقراطية وعناصر المجتمع المدني" في المرتبة الثانية من الأخلاقيات العالمية الجديدة، لاسيما أنها "عنصر محوري في الثقافة العالمية"، وبغض النظر عن كونها قيمة في حد ذاتها، فإنها "ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعدد من القيم الأخرى، ومنها حقوق الإنسان، فهي تقدم أساساً مهماً لحماية الحقوق الأساسية للمواطنين، وتضطر الحكومات لاتخاذ تدابير وقائية تحت ضغط الرأي العام".

الديمقراطية على صلة وثيقة بالتنمية أيضاً، فالتنمية الناجحة تعتمد على المدى البعيد على الديمقراطية. وتتطلب التنمية الحقيقية مشاركة نشطة من جانب كل أعضاء المجتمع، وسيجد الناس ما يحفزهم على المشاركة إذا ما رأوا أنفسهم مواطنين حقيقيين لهم صوت فعلي في توجيه دفة بلادهم وتقرير أولويات التنمية اللازمة.

وتندرج "حماية الأقليات" ضمن الأخلاقيات العالمية الجديدة، باعتبارهم جزء أصيل من أي مجتمع، ويعتبر الكتاب أن الدعوات إلى إقامة دول خاصة بهم مرفوضة، لأن هذا الحل يؤدي في الغالب إلى صراعات جديدة ونشأة أقليات أخرى داخل الأقلية نفسها. ويشير إلى أن الحل الأمثل هو منحهم الحقوق والحريات الأساسية والحصانات الدستورية التي يتمتع بها سائر المواطنين، وضمان حقوق الإنسان ودعم التسامح التعايش السلمي، وتشجيع المجتمع على التنوع الثقافي.

وتتضمن أيضاً الأخلاقيات العالمية "الإلتزام بحل الصراعات سلمياً وعدالة التفاوض"، و"المساواة بين الأجيال". وكل المجتمعات في حاجة إلى أساس تقوم عليه المباديء الأخلاقية في نظامها الذاتي وسيطرتها الإجتماعية وعلاقاتها الدولية". وينبغي الإشارة في الوقت نفسه إلى أن "المواطنون ـ غالباً ـ ما يسبقون الساسة في إظهار انتمائهم وإلتزامهم ومشاعرهم إزاء إخوانهم من البشر، ممن يتعرضون للخطر، كما يتبين من ردود أفعالهم تجاه الكوارث والطواريء، وليس هناك ما يدعو إلى توقف الأخلاق عند حدود الدول".

التعددية.. تسامح وتنمية

قال الزعيم الهندي، مهاتما غاندي، " لا أريد لداري أن تحيط به الأسوار من كل جانب، وأن تسد نوافذه. أريد ثقافة البلاد كلها أن تهب على داري بحرية تامة، لكني أرفض أن تقتعلني إحداها من الأرض". كان غاندي يعبر بكلمات موجزة عن أهمية التعددية الثقافية في المجتمع الهندي بشكل خاص، وبرمزية أوسع للمجتمع الدولي، ومن هذا المنطق يركز الباب الثاني من الكتاب على أهمية التعددية الثقافية، انطلاقاً من أن كل الثقافات تتأثر وتؤثر في بعضها البعض، وأنه ليست هناك ثقافة جامدة تستعصي على التفاعل مع باقي الثقافات.

وجاء الباب الثاني تحت عنوان "التزام بالتعددية"، ويؤكد أن التعددية تعني التسامح احترام الآخر، محذراً في الوقت نفسه من أن التوترات تنشب في أي مجتمع بمجرد أن تشعر طائفة أو عدة طوائف بتدني وضعها النسبي، وتبدأ التوترات مع تغير الظروف الاقتصادية، أو استيلاء طائفة معينة على السلطة، ما يساعد على تسييس الثقافة، أو العرق أو الدين أو العنصر.

ويبحث هذا الباب في "الفوائد الاقتصادية لحل النزاعات الاجتماعية"، ويشير إلى أن تخفيف حدة التوترات الاجتماعية والثقافية الداخلية في المجتمعات متعددة الثقافات يعتمد على المدى البعيد على قاعدة اقتصادية ممتدة وتزايد فرص العمل وتحسن المستوى المعيشي. وبالمقابل، فإن التوترات الاجتماعية الناتجة عن التعددية تأتي بسبب غياب العدالة في توزيع الثروات، أو استفادة طائفة معينة من عوائد التنمية، ويضرب الكتاب مثالاً بما يحصل في الهند، ويشير إلى أن "الحركة القومية الهندوسية ذات التوجهات المعادية للمسلمين تتكون من شباب من أنصاف المتعلمين المتعطلين عن العمل".

ويلقي الكتاب الضوء على أزمة الهجرة إلى الدول الغنية، ولاسيما دول أوروبا وأميركا، ويقول إن تلك الأزمة نتجت عن غياب العدالة الاجتماعية في الدول التي يهاجر منها أهلها، هذه الأزمة تتسبب في خلق توترات جديدة في دول المصب، لاسيما في ظل امتلاك بعض المهاجرين لمهارات وقدرات تفوق ما لدى بعض السكان المحليين، فيحققون الثراء والمكانة الاجتماعية، وهو ما قد يؤدي إلى أوضاع غير محمودة العواقب.

وينظر الكتاب في مسألة غاية في التعقيد، وترتبط بالواقع الحالي أكثر من أي وقع مضى، ألا وهي "الصحوة الدينية" أو التطرف الديني، ويحاول الإجابة على السؤال التالي: "الصحوة الدينية.. تعصب أم بحث عن معنى؟" وينتهي إلى أن الدين غالباً ما يرتبط بالهوية القومية، ويؤثر في العلاقة بين الأغلبيات والأقليات، وغالباً ما يتخذ ذريعة للغزو المادي أو الثقافي، كما يسهم إذا ما اصطبغ بالسياسة في زيادة حدة التوتر والصراع أكثر من إسهامه في بناء السلام، كما هو الحال بين المسلمين والهندوس في الهند أو الشيعة والسنة في العراق وباكستان.

وفيما يعد إشارة أو تنبؤ بظاهرة ما يعرف ب"تنظيم الدولة الإسلامية" أو "داعش" التي تسيطر على مناطق واسعة في العراق وسوريا وليبيا حالياً، حذر الكتاب قبل نحو عقدين من الآن، من أن "الآراء النظرية المتطرفة تنظر إلى ماض في الخيال، وتراه أكثر بساطة واستقرار، وبالتالي فهي تمهد الأرض لمختلف أعمال العنف ولتخويف الأفراد، بل مجتمعات بأسرها في أمور الفكر والسلوك والمعتقدات، وتقهرها على قبول وجهة نظر أصولية واحدة".

وينظر الكتاب إلى أن التعددية على أنها ليست مجرد غاية في حد ذاتها، فالاعتراف بالاختلافات، ما هو إلا شرط لبدء الحوار، من أجل دولة تعترف بالتعددية بدون أن تفقد وحدتها، ويرى أنه من الضروري من تحقيق هذه المعادلة إعادة إقرار الأنماط المحلية من الحكم الذاتي التي قضت عليها الدول القومية مع تقديم بعض الضمانات.

الإبداع والديمقراطية.. حق للمهمشين

حققت البشرية نجاحاً مذهلاً في تنشيط الفن والعلم والتقنية، أكبر كثيراً مما حققته في الابتكار الاجتماعي والتجديد، ويحاول الباب الثالث من الكتاب المعنون ب"الإبداع والتمكين" توضيح أن الإبداع المقصود هنا، ليس المعنى المجرد في الفنون والآداب والتقنيات، بل هو الإبداع الاجتماعي، الذي يمكن من خلال أن تجد الطوائف المختلفة وأصحاب الثقافات المتعددة داخل المجتمع الواحد، أساليباً جديدة للتعايش.

ويشير الكتاب إلى أن تجربة البنجلاديشي الحائز على جائزة نوبل للسلام، للعام 2006، محمد يونس، في تأسيس بنك الفقراء، أو "جرامين" أحد أهم الأفكار الابتكارية في المجال الثقافي والإجتماعي، ويتبنى مقولته الشهيرة: "لو أوجد المجتمع مناخاً يسمح للفرد بتطوير قدراته، فإن الحد من الفقر يصبح ممكناً".

ويقدم الكتاب إطاراً مهماً لكيفية القضاء على الفقر، موضحاً أن الجهود الرامية إلى مكافحة العوز يجب أن تشمل البعد الثقافي للفقراء، ليس لصالحهم فقط، بل لصالح المجتمع كله، الذي قد يصاب بالفقر اجتماعياً وثقافياً وسياسياً أيضاً. ويحث الكتاب السلطات في مختلف الدول التي تكافح الفقر على ضرورة تمكين أصحاب التنوع الثقافي سواء الفقراء أو الأقليات أو العرقيات أو الطوائف، معتبراً أن الديمقراطية أهم علاج وأفضل بنية تحتية للتنمية الاقتصادية. فكلما اقتربت القرارات الحكومية من المواطنين، وكلما زادت قدرتهم على التأثير في تصرفات السلطة، فإن شعورهم بالانتماء لأوطانهم يزداد قدرة، ويزيد معها حماسهم للعمل، وتتفتح أفكارهم الإبداعية.

ويناقش الباب الرابع دور الإعلام في تأصيل مفهوم التعددية الثقافية، أو شحن الفئات المختلفة نحو الصراع العنيف، وجاء الباب بعنوان "التحديات في عالم يعج بوسائل الإعلام"، وتستطيع وسائل الإعلام في الوقت الحاضر توصيل الرسائل والرموز المستوردة أو المحلية إلى البيوت مباشرة، ويمكن لأصغر الأصابع أن تضغط على الزر الخاطيء، فيشاهد حملات العنف والقسوة والقتل، أو الشحن الطائفي والعنصري، أو يشاهد الإباحية التي تهين المرأة والطفل، ما يطرح مسألة المحتوى الإعلامي، وكيفية تحقيق التوازن ما بين الرقابة والمعايير المجتمعية والثقافية.

المرأة والسطوة الذكورية

النوع الاجتماعي وأدوار وحقوق المرأة، واحد من أهم مكونات الثقافات منذ خلق الله الأرض ومن عليها، وتقدم كل ثقافة تفسيرات لوجود الرجل والمرأة، وتعالج العلاقة بينهما بطرق مختلفة، ويهتم كتاب "التنوع البشري الخلاق" في الباب الخامس بدور المرأة، ويؤكد أنه رغم أن كل البلدان حققت تقدماً في تنمية قدرات المرأة، لكن الرجال والنساء مازالوا يعيشون في عالم يسيطر عليه عدم المساواة في ظل سطوة ذكورية.

ويرصد الواقع الذي يحمل تمييزا سلبياً تجاه المرأة، رغم مشاركتها الفاعلة في التنمية، منها: نسب النساء الأميات في الدول النامية تعادل اثنتان إلى واحد من الرجال، لا تقدم تلك الدول رعاية صحية جيدة للأمهات في فترة ما بعد الولادة، وتعتبر مضاعفات الحمل السبب الأكبر في وفيات النساء أثناء فترة الإنجاب.

وينتقد الفصل الخامس "النوع والثقافة"، إصرار بعض الثقافات على تطبيق القوانين التراثية بحق المرأة بنسبية واضحة، بما يخدم الحفاظ على الامتيازات المقدمة للرجل في مواجهة المرأة، ويضرب مثالاً بالتمسك بحق الرجل في تعدد الزوجات طبقاً للشريعة الإسلامية، وفي الوقت نفسه يتم تجاهل ما تنص عليه الشريعة في منح المرأة حقوقها في الميراث.

ويسلط الكتاب الأضواء على أزمة مزمنة تظهر عند مشاركة النساء في العمل والتنمية، مشيراً إلى أن الدراسات تؤكد أنهن يتعرض للتجنب والتهميش، إما لافتقارهن إلى المهارات اللازمة أو لأن الرجال يسيطرون على النشاطات الأكثر ربحية، وإما لأن واجبات النساء المنزلية الثقيلة تحول دون حضورهن الاجتماعات والمشاركة في اتخاذ القرارات. ومشكلة النساء في العديد من الثقافات أن العمل المناط بهن كثير أو ثقيل عن الحد، فهن لا يعملن فقط عملاَ شاقاً لساعات طويلة، بل يزج بهن بجانب الأعمال المنزلية إلى نطاق محدود من المهن، مثل الخدمة المنزلية والبيع والأعمال المتدنية والدعارة، ويحصلن على أجور أقل من التي يحصل عليها الرجال، رغم أنهن يقمن بالأعمال نفسها. كما ينتقد غياب أو ضعف المشاركة السياسية للمرأة.

ويوصي بأن يلتزم المجتمع الدولي والحكومات بتشجيع المشاركة السياسية المباشرة للنساء في المجالات المنتخبة أو المهنية أو التنفيذية، مع ضرورة التقييم الشامل للدراسات حول النوع والتنمية بغرض تكوين حالة توضح النماذج الثقافية للتنمية.

الأطفال.. ضحايا التقدم والصراع

تقول الشاعرة التشيلية، الحائزة على جائزة نوبل للآداب، جبراييل مسترال: "نحن مذنبون بأخطاء وعيوب كثيرة، لكن أسوأ جرائمنا التخلي عن الأطفال. إهمال نبع الحياة. كثير من الأشياء التي نحتاجها تستطيع الانتظار، لكن الأطفال لا يستطيعون. لقد حان الوقت الآن، فعظامه تتشكل، ودمه يتكون، وحواسه تنمو.

لا نستطيع أن نقول له: الغد، بل اليوم". ومن هذا المنطلق، يهتم الكتاب في الباب السادس بالأطفال كجزء أصيل من مسألة التنوع الثقافي، لاسيما أن الأجيال الحالية تواجه تحولات سريعة ومستمرة، وتؤثر بشكل عميق في تكوينهم وثقافتهم. وفي الوقت نفسه تعاني الأطفال من الحروب والصراعات العنيفة، في المناطق الملتهبة، فيتعرضون للعنف الجسدي والجنسي، ويتعرضون للسخرة، فضلاً على حرمانهم من الرعاية الصحية والتعليم.

وفي سبيل مواكبة التغير التكنولوجي السريع والمتلاحق، ينبغي الاعتراف بقدرات الأطفال الخلاقة وقدرتهم على الإسهام في التطور الثقافي ورعايتها، فلن يعد أمام العقول الصغيرة مشكلة في دخول عالم الحواسب المتقدمة، ويجب على الحكومات تسهيل الوصول لتكنولوجيا المعلومات ومعداتها وخبراتها، بدلاً من مساعيها إلى التهميش، وتشجيع التعليم والتدريب عن بعد، والوقت نفسه يجب أن تجرى عمليات تقييم نقدية لما تنشره وسائل الإعلام والتكنولوجيا في مجال صناعة الترفيه وغيرها من المواد المثيرة للجدل، أو الإباحية أو العنيفة أو التي تكرس للعنصرية والطائفية، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة أن يؤصل نظم التعليم والتدريب للتعددية الثقافية، لاسيما أن مبدأ التعددية تعبير صادق عن نوازع الطفولة الطبيعية، فالعقول الصغيرة تقبل بالتنوع وتستجيب لما هو مختلف بالفضول ثم الرغبة، ويمكن للمناهج الدراسية أن تشجع النشء على التعرف الإيجابي على للتنوع.

التنوع والتنمية الإقتصادية

يمثل التراث الثقافي مجموعة التصورات والأفكار التى تعتنقها الجماعة الشعبية نتيجة لخبراتها العمقية وتجاربها الإنسانية البعيدة، ومكابداتها لأجل حياة إنسانية، وتعتبر هي الدافع الخفي وراء احتفاظ الجماعة الشعبية بكثير من عاداتها وممارساتها الموروثة، والمحافظة على استمرارية هويتها واحساسها بالذات، وتنمية مواردها وتحقيق التقدم الاقتصادي، ولا يغفل كتاب "التنوع البشري الخلاق" قضية التراث الثقافي وعلاقته بالتنمية الاقتصادية، ويتجلى ذلك بوضوح في الباب السابع منه.

ورغم أهمية الحفاظ على التراث الثقافي إلا أن بعض الدول، ولاسيما الغنية هي فقط من تنجح في تلك المهمة، بل إنها نجحت في حماية بعض تراثها، لأسباب اقتصادية وفشلت في الحفاظ على البعض الآخر، فمثلاً نجحت في الحفاظ على الآثار والمباني التاريخية، وخصصت الأمم المتحدة منذ السبعينات من القرن الماضي، موارداً مالية لتطويرها وترميمها والحفاظ على بعض الحرف التقليدية، وأنشأت الحكومات المتاحف في المدن الكبرى أو ذات الطبيعة الأثرية، غير أن الدوافع الإقتصادية وعائدات السياحة، كانت المحفز وراء كل ذلك.

كان مشهد تدمير عناصر تنظيم "داعش" الإرهابي الآثار التاريخية في مدينة الموصل العراقية وتدمر السورية، موجعاً بالدرجة نفسها التي بثوا فيها مقاطع فيديو وهم يذبحون أو يطلقون الرصاص على المأسورين المكبلين، ويؤكد الكتاب أن الآثار كانت ومازالت في موضع الخطر أثناء الحروب والصراعات المسلحة، ويشير إلى أن الإعتداء على الآثار صار أثر شراسة من الماضي، لاسيما أنها تمثل الهوية الثقافية للآخر، الذي تعرضت أرضه للغزو، وإذا كانت الآليات العسكرية تدمر بشكل أهوج، فإن القادة العسكريون يستهدفون الممتلكات الثقافية بتعمد واضح.

الحياة والموت بين الثقافة والبيئة

وفي الباب الثامن يتناول الكتاب قضيتي الثقافة والبيئة، ويشير إلى أن الثقافات لا يمكن أن تظل حية، إذا ما تعرضت البيئة التي تعتمد عليها للتدمير أو الإستنزاف، ويؤكد أن التنمية الحقيقية هي التي تحقق احتياجات الحاضر دون التضحية بقدرة الأجيال المقبلة على أن تحقق احتياجاتها أيضاً.

ويحذر واضعو الكتاب من أن هناك حقيقة ثابتة تكمن في وجود علاقة حيوية وشائكة بين المجتمع المحلي وبيئته الطبيعية وهويته الثقافية، تلك العلاقة التي باتت تتحلل وتتفتت بشكل مطرد بفعل التحول إلى التصنيع، كما يحذرون من أن الطلب المكثف على المصادر الطبيعية، وتقليص مساحات الأراضي الخضراء وتجريف التربة وفقد المياه والأنهار، كلها عوامل من شأنها تهديد الهوية الثقافية لغالبية الشعوب.

"إعادة التفكير في سياستنا الثقافية"، دعوة أطلقتها اللجنة العالمية للتنمية الثقافية، التي وضعت الكتاب، وتقول في الباب التاسع منه، إن الهوية الثقافية في حد ذاتها من أهم العوامل التي تجعل الشعوب تشعر باستقلالها، ولذلك حرصت الحكومات على تأكيدها خلال عقد السبعينات من القرن الماضي في أعقاب أنتهاء الحقب الإستعمارية، وكانت هناك رغبة في الحفاظ على أساليب الحياة الأصلية، وتنمية الإحساس بالذات، غير أن تلك السياسة التي أتبعتها حكومات الدول تحتاج حالياً إلى التغيير، بما يتيح انتقالها من المفاهيم الأحادية لثقافة الأمة إلى تقبل التنوع والتعدد العرقي على مستوى الإختيارات الفردية وممارسات الجماعات.

كما تدعو اللجنة الحكومات إلى ضرورة توفير تمويلات لصناعة الثقافة وتطويرها، وأن يسهم القطاع الخاص والمجتمع المدني فيها، محذراً من أن التناولات العشوائية بدون سياسة واضحة نحو التنمية الثقافية وبمعزل عن التعاون مع الدول والثقافات الأخرى لن تفيد.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات