GMT 14:50 2017 الأربعاء 24 مايو GMT 13:16 2017 الأربعاء 24 مايو  :آخر تحديث

معرض لأعمال جياكومتي المهيبة حتى في أحجامها الدبّوسية

عبد الاله مجيد

  

يستضيف متحف تيت مودرن معرضاً استرجاعياً للفنان البرتو جياكوميتي، من الأعمال التي يضمها تمثال حجمه ليس أكبر من دبوس على قاعدة بحجم مكعب صغير من الجبنة. ويمكن دس العمل كله في الجيب بلا صعوبة.  والحقيقة ان جياكوميتي (1901 ـ 1966) عاد ذات مرة من سويسرا وطنه الأم الى باريس حاملا كل ما نحته خلال الحرب العالمية في ست علب من علب عيدان الكبريت.  وأعلن الفنان ان تماثليه كانت تصغر وتصغر مهما ارادها ان تكون طويلة أو عريضة.  يقول نقاد ان حجم تماثيل جياكوميتي واشكالها شهيرة على نطاق واسع وغريبة على نحو يثير الاستغراب.  وهذا هو الدرس الذي نتعلمه من المعرض الذي جاءت انارته ضعيفة وأعمال جياكوميتي موزعة فيه بلا انتظام وقاعته مزدحمة بالزوار كما هو متوقع لمعرض كهذا. يضم المعرض 250 عملا لكل عمل منها سياقه الغني من التخطيطات والتذكارات وحتى المصابيح الأرضية التزيينية.  لكنه مع ذلك يشيع احساساً بوجود الفنان بكل تنوعه الاستثنائي ، من رؤوس الدبابيس الى العمالقة المهولين ، من الرجال النحيفين الى صفوف من النساء المتضائلات.  وبحسب الناقدة لورا كامينغ فان هذه التماثيل المتفردة بوحدتها تشكل جنساً جديداً في فن النحت.  
يستقبل المعرض زواره بمواجهة مباشرة بين اعمال جياكوميتي نفسها ، تشتبك فيها تماثيل نصفية على قواعد بيضاء وتمثيلات واقعية لعائلته في العشرينات وأعمال ما بعد تكعيبية وتمثال مصغر من الصلصال للكاتبة سيمون دي بوفوار انجزه جياكوميتي في عام 1946 مع انتقالات عبر شبابه ونضجه الى فنان رقيق ، متخم بالاسئلة ، لا يقل براعة عن بيكاسو في تغيير اسلوبه.  وعلى سبيل المثال ان جياكوميتي بعد انضمامه الى مجتمع السرياليين الباريسيين رفضوه لاحقاً بتهمة الواقعية الهرطيقية.  ولكنه كان دائماً يقف على هذا الجانب من الانسانية.  ويكفي ان ننظر الى تسلسل ثنائياته التي تصور الحبيب والحبيبة ، نساء على شكل اوراق الشجر ورجال يبدون كأنهم قبعات مقلوبة.  
يعمل جياكوميتي بالبرونز اساساً وحقق تمثاله البرونزي "رجل يؤشر" سعراً قياسياً حين بيع مقابل 141 مليون دولار في عام 2015 ولكنه كان يفضل العمل بمواد مطاوعة يمكن تشكيلها وتحويرها باليد على امتداد اشهر بل وحتى سنوات. أوضح الفنان ان اصغر تماثيله نُحت نتيجة رغبة في تمثيل ذكرى صديق رآه من مسافة بعيدة في باريس.  ولكن قاعة متحف تيت مودرن التي يُقام فيها معرض جياكوميتي مزدحمة بأعماله وبالتالي لا يستطيع الزائر ان يخبر هذا التأثير البصري بل يتجمع الزوار حول التماثيل المعروضة لمعاينتها عن قرب.  ومع ذلك يبقى سحر الاغتراب في اعمال جياكوميتي محسوساً ويتبدى في أدق التفاصيل التي تقرب من خداع البصر.  وكان جياكوميتي يعتقد انه لا يستطيع ابدا ان يحافظ على الوجه كاملا والعكس حين ينتقل الرائي الى المنظر الجانبي. تحدث جياكوميتي عن الفن بوصفه "ما يتبقى من الرؤية"  ولكن كل عمل من اعماله المعروضة في متحف تيت مودرن ينم عن جوهر الرؤية رغم انه احياناً يعبر عن جوهر جياكوميتي نفسه.  
يستمر معرض جياكوميتي في متحف تيت مودرن حتى 10 سبتمبر/ايلول.  
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات