GMT 16:27 2017 الخميس 1 يونيو GMT 16:29 2017 الخميس 1 يونيو  :آخر تحديث

حامد بن عقيل: المدينة العارية

إيلاف

أطلُ الآن عبر نافذة صغيرة على مدينتي
لا بد أن ينتهي كل هذا بشكل ما
واللقطاء، وهذا مؤكد جدا، سيحملون أسماء متشابهة
قبل أن ينفقوا كالحيتان على الأرصفة.
مائدةٌ وحيدةٌ ستجلب العار لمدينتي
مائدة الزيت الذي يتسرب من أثداء مومساتٍ خُلقن من بقايا الزمن الشيوعي.
في الأمر حكايةٌ ما
جميعنا ينسجها كل يوم
وجميعنا يبكي كلما سمعها.
 
***
قبل ثلاثة أيام من هذه اللحظة
كنتُ مصلوباً في الساحة الرئيسة لمدينتي
وضع الثوّار منديلا أحمرَ على خاصرتي
قيل إنهم جلبوه معهم من الشمال
ثم رقصوا حول جسدي العاري
لم يلتقطوا صورَ ليخبروا العالم كيف كانت نهايتي
لم يهتفوا باسم الشعب
ولا حتى لعنوا الحقبة البائدة.
عندما سجّتني طفلةٌ بلا ذراعين في قبري لمحتُ وردةً تزهرُ في فم كل شاعر
ولوناً يتلوى على ذراع رسّام مدينتي الوحيد.
كان يوماً طويلاً وجافاً
ملأهُ ثوّار بليدون بحوارات رمادية
ثم تفرقوا في الأزقة
كنتُ في قبري أشعرُ بالاستياء من هذا الانتصار الباهت
وأفكّر في شعبي.
 
***
هو ذاته الشواء الآدمي
لا أحد منتصر
لا أحد يستطيع عبور ذاكرته نحو مستقبل مشوّه
حتى كتّاب التاريخ
الذين أدمنوا الرشوة والكذب
الآدميون بلا آدمية
سيشعرون بفداحة هذه المحرقة
 
***
منذ عامٍ وقعتُ على أرضٍ قاحلة
كبذرةِ أغنية شعبية قديمة
تمددتْ أرصفة شديدة التنظيم
مسجدٌ ومنازل غير مأهولةٍ وحدائق مهجورة
أربعة مقاهٍ وزريبةُ ومتجرٌ يطل على بحيرة توشك أن تنبثق من سفح جبل قريب.
لاحقاً جاءت قطعان الشعب والماشية
احتجتُ إلى شهرين كاملين لإخبارهم حقيقة أن مدينةً بهذا الجَمال لا ينقصها إلا الغزاة
ليصبح لها تاريخها وأساطيرها وشهداؤها.
هكذا تحدث الأشياء في مدينتي
يتدلى الأطفال من شجر التفاح
ويلتحف النسوة البرتقال
ويسهر الرجال على حراسة رجولتهم
انتظارا للغزاة.
 
***
"تستطيعون فعل ما تشاؤون
توافدوا على مواقد النار ثم اسقطوا فيها كالفراشات
توالدوا مثل حقل سنابل منذورٌ للقضم
اكتبوا أغانيكم كحبات مطر عشوائي
واجدلوا حصاد هذا العام في ظنون العجائز
ثم تعالوا لنرقص". 
هذه الكلمات كانت نصّ خطبتي اليتيمة التي وجدها وعلٌ محفورةً على شاهد قبري.
 
***
رائحة الكلور في كل مكان.
"المجد للألوان والقصائد"
ما عدتُ وحدي في هذا الظلام
حتى النافذة تتلاشى
طيبون حكام هذه المدينة
وشعبها طيب
لن يتذكر أحدٌ أسماء كل هذه الجثث التي تنفق بالجنوح إلى أرصفة مدينتي كحيتان حزينة،
ولن يسأل أحدٌ عن هذه الوجوه الآدمية الصغيرة التي يبني بها الثوار غدنا المشرق؛
من أباد هؤلاء الأطفال؟
من كتبَ عرياً على كل جدار وراح يتحدث عن الفضيلة؟
من جرّب لعنةً في ظهيرةٍ حارقة ليرسم دماً أحمرَ لا يخصّ أحداً؟
ومن جَعَلَ من نشيدنا الوطني قشرةَ موزٍ كي ينام الأطفال على وقع أزيزها المُرّ؟!.

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات