GMT 8:36 2017 الأربعاء 7 يونيو GMT 6:12 2017 الأربعاء 7 يونيو  :آخر تحديث
الرواية التي غيّرت من مسار الأدب إبتداءاً من 1967

الفصول السبعة المنسيّة من "مئة عام من العزلة"

يوسف يلدا
نشر غارسيّا ماركيز، قبل الإنتهاء من كتابة روايته الشهيرة، حلقات متفرقة منها في محاولة لجسّ نبض القرّاء. 
 
قبل أشهر من الإنتهاء من كتابة "مئة عام من العزلة"، كانت الشكوك تراود مُخيلة غابرييل غارسيّا ماركيز حول نوعية الرواية التي أصبحت فيما بعد واحدة من كلاسيكيات الأدب. وضمن رسالة بعثها إلى صديق له، يعترف الكاتب الحاصل على جائزة نوبل للآداب قائلاً "عندما قرأت ما كان مكتوباً، شعرت بإحباط حيال ما أنا مقبل عليه من مغامرة قد يحالفها الحظ أو تؤدي إلى كارثة". والشئ غير المعروف على نطاقٍ واسع هو أن غارسيّا ماركيز نشر سبعة فصول من "مئة عام من العزلة" لطمئنة تلك الشكوك. وقد قام بذلك في الوقت الذي لم يكن قد إنتهى من كتابة الرواية (إنتهى من كتابتها في أغسطس/ آب 1966)، ولم يكن حينها قد وقع العقد مع دار (إيديتوريال سودأميريكانا). وفي 10 سبتمبر/ أيلول من نفس العام أقدم على توقيع العقد، ولتصدر الرواية في 30 مايو/ آيار من العام 1967. في الثلاثاء الماضي مرّ على صدورها 50 عاماً.
أما الفصول السبعة فقد نشرت في صحف ومجلات كانت تصدر في أكثر من 20 بلداً. وتشكل بمجموعها ثلث الرواية التي تحتوي على 20 فصلاً. والغريب أنه لا توجد أية نسخة من هذه الفصول، هناك فقط في الأرشيف الشخصي لغارسيّا ماركيز، والذي كان إستحوذ عليه مركز (هاري رانسوم) التابع لجامعة تكساس. ومن أجل العثور على هذه الفصول المنسية، يجب البحث عنها في مكتبات فرنسا، والولايات المتحدة، وكولومبيا، وإسبانيا.
وقد أصبحت تلك الفصول في غياهب النسيان، للإعتقاد أنها ذاتها التي نشرت في الطبعة الأولى من الرواية في 1967. غير أن مقارنة النصوص أظهرت حقيقة مختلفة تماماً. وإبتداءاً من الصفحة الأولى هناك تغييرات في اللغة، والبنية، والأجواء، ووصف الشخصيات. ومن هنا يبدو أن لهذه الفصول المنسيّة قيمة أدبية يمكن أن تقود إلى التعرّف على كيفية كتابة غارسيّا ماركيز للرواية. وكان الكاتب قد أكد أنه أحرق الملاحظات والمسودات الأولية بعد إستلامه أول نسخة من كتابه.

 نحو 42 تغييراً
كان أول فصل قد نشر في 1 مايو / آيار عام 1966 في صحيفة "الإسبكتادور" الكولومبية، قبل ثلاثة أشهر من الإنتهاء من كتابة الرواية. يوجد هناك، وبعد المقارنة بين النسخة المنشورة والطبعة النهائية لعام 1967، نحو 42 تغييراً مهماً بدءاً من الصفحة الأولى. وعلى سبيل المثال، أن منازل "ماكوندو"، قرية غارسيّا ماركيز الاسطورية، لم تكن من "طين وقصب" كما ورد في الطبعة النهائية، بل، وببساطة شديدة كانت تتكون من ألواح خشبية مصنوعة من التبن. لقد كان الكاتب يبحث عن لغة تتسم بالدقة.
وهناك كذلك تغييرات أخرى هامة في بنية الرواية بشكلٍ عام. مثلاً، في طبعة عام 1967، جاء وصف عملية حشرة الأرضة التي كانت تنخر منزل عائلة بوينديّا في نهاية الرواية تقريباً، بينما في النص المنشور في صحيفة  "الإسبكتادور" كان النمل الأبيض يقوّض أساس المنزل منذ بداية الفصل الأول. 
وفي الطبعة النهائية من الرواية، ماكوندو هي قرية معزولة عن العالم الحضاري، وأن تحديد موقعها غير معروف. لكنها على العكس من ذلك في "الإسبكتادور"، حيث يمكن تحديد موقعها بسهولة، إذ يحدها من الغرب نهر "لا ماغدالينا" الكولومبي. كان غارسيّا ماركيز قد حذف ذلك، إضافة إلى تفاصيل أخرى عن موقع القرية من أجل ترك إنطباع لدى القارئ بأن ماكوندو يمكن أن تكون أنموذجاً لأية قرية في أمريكا اللاتينية.
 
بكاء أورليانو
هناك في رواية "مئة عام من العزلة" تغييراتٍ أخرى تدعو للدهشة، ونقصد بذلك تلك التي تتعلق بولادة الكولونيل أورليانو بوينديا. ففي الطبعة الأخيرة، الكولونيل "كان قد بكى في بطن أمه، وولد بعيونٍ مفتوحة"، بينما في الفصل المنشور في الصحيفة الكولومبية ،كان الطفل يتلقى معاملة لا تليق بالأبطال، لا بل غريبة: كانت القابلة "تصفعه ثلاث مرات على مؤخرته وبقوة" كي تجعله يبكي.
وأما الفصل التالي، والذي أراد غارسيّا ماركيز، من خلاله إختبار القارئ، فقد نشر في مجلة "موندو نويفو"في أغسطس/ آب 1966. وهذه المجلة التي كانت تصدر في باريس، تحولت إلى الواجهة الرئيسية لأدب جيل "البوم" الأمريكي اللاتيني. وكانت تباع نسخها الشهرية المطبوعة والبالغة 6.000 نسخة في 22 بلداً، من ضمنها الولايات المتحدة الأمريكية، وهولاندا، وإسبانيا، والبرتغال، ومعظم بلدان أمريكا اللاتينية. وفي هذا الفصل تم تحديد 51 حالة مختلفة عن الطبعة النهائية. على سبيل المثال، خوسيه أركاديو، الذي كانت أمه تخشى أن يولد بذيل خنزير، جاء إلى العالم ك "طفلٍ سليم"، بينما عمد المؤلف إلى تضخيم الصورة عندما كتب "أنجبت طفلاً بكامل أعضائه البشرية".       
 
فصل خطير
 نشر الفصل الثالث، بعد مرور خمسة أشهر على نشر الفصل الثاني. وخلال هذه الفترة كان على غارسيّا ماركيز مراجعة الرواية، لأن الفصل الجديد كان الأكثر خطورة: صعود "ريميديوس لا بيليا" إلى السماء. وقد إختار الكاتب هذه المرة لنشر هذا الفصل "أمارو"، وهي مجلة بيروفية متخصصة في طليعة الأدب العالمي.
لقد كان من الصعب على الروائي إرضاء قرائه من الكتّاب ونقّاد الأدب. ولم يتأكد غارسيّا ماركيز، في نهاية الأمر، من الرصانة الأدبية لهذا الفصل فقط، بل قام أيضاً بقراءته بصوتٍ عال لأصدقائه المقربين إليه في منزله بمدينة مكسيكو.  وكتب غارسيّا ماركيز في إحدى رسائله التي بعثها إلى صديقه ميندوزا في صيف 1966 "قمت بدعوة الناس الذين يصعب إرضاء أذواقهم بسهولة، لكونهم أصحاب خبرة وصراحة. وقد كانت النتيجة رائعة للغاية، لا سيما أن الفصل المقروء كان الأكثر خطورة: صعود ريميديوس بوينديّا إلى السماء، جسداً وروحاً".
ونشر الكاتب الكولومبي في المجلة الأدبية الكولومبية "إيكو" الفصل الآخر "الخطير": موت أورسولا بعد ان عاشت ما بين 115 و122 عاماً. ومن بين أبرز التغييرات التي طرات على هذا الفصل، حذف جملة غير موجودة في طبعة 1967، عن فرناندو ديل كاربيو عقب رحيل أمارانتا أورسولا إلى أوروبا: "يا إلهي – كان فرناندو يتمتم -، نسيت أن أقول لها أن تتطلّع إلى جميع الجهات قبل عبور الشارع". 
وفي آذار/ مارس 1967، ظهر في مجلة "موندو نويفو" الفصل الذي يتحدث عن طاعون الأرق الذي يجتاح ماكوندو. وكما أوضح غارسيّا ماركيز في عدة مقابلات، أنه كان يرغب في أن تكون لغة "مئة عام من العزلة" في الجزء الأول لغة عفا عليها الزمن (مثلاً، إستخدم الكلمات القديمة "آلات موسيقيين" بدلاً من الكلمات المعاصرة "آلات موسيقية"، وهكذا). ومن ثمّ، أكد الكاتب أن اللغة كانت تتجدد كلما كانت تقترب الرواية من نهايتها. 

الرصاصة الأخيرة
آخر رصاصة أطلقها غارسيّا ماركيز كانت في نيسان/ أبريل 1967، عندما نشرت مجلة "ديالوغوس" المكسيكية فصل الأمطار التي سقطت على ماكوندو ولمدة أربع سنوات.
من بين التغييرات الهامة، يبرز الإسلوب الذي إتبعه المؤلف، ليس في إلغاء جمل أو في تغيير كلمات، بل أيضاً إسلوبه في إضافة محتوى جديد. عندما تنتهي فرناندا من توبيخ زوجها أوريليانو سيغوندو، بعد مونولوج شغل صفحاتٍ عدة، تنتهي في النص المنشور في "ديالوغوس" إلى القول أن زوجها كان قد "إعتاد على العيش من النساء". غير أنه وفي طبعة 1967،  تتوّج فرناندا غضبها العنيف بجملة إفلاطونية، محشوة بقوى ميثولوجية ودينية.مصرّة أن زوجها  كان قد "إعتاد على العيش من النساء، وإقتنع بإقترانه بزوجة خوناس، الذي كان بدا مطمئناً إلى حكاية الحوت".
أخيراً، وقبل إسبوع من إطلاق الرواية، نشرت المجلة الأرجنتينية "بريميرا بلانا" مقتطفاتٍ من الفصل المتعلق بالحروب أل 32 للكولونيل أوريليانو بوينديّا. كانت المجلة مخصصة لجمهور واسع، والنسخ الإسبوعية البالغة 60.000 نسخة توزع داخل وخارج الأرجنتين.
وكما يرد في مراسلات غارسيّا ماركيز، بعد نشر الفصول الجديدة جداً و"الخطيرة"، سجّل ملاحظاتٍ مهمة عن المقترحات التي قدمها أصدقائه وقرائه. وتسلط قصة هذه الفصول المنسيّة من "مئة عام من العزلة" الضوء على الجهد الشاق الذي بذله غارسيّا ماركيز والذي رافق طبع الرواية التي غيّرت مسار الأدب إبتداءاً من 30 مايو/ آيار 1967. 
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات