GMT 15:35 2017 الأربعاء 21 يونيو GMT 13:13 2017 الخميس 22 يونيو  :آخر تحديث
غيّبه الموت مؤخراً عن عمر 86 عاماً

خوان غويتيسولو، نهاية مريرة لرحلة طويلة

يوسف يلدا
إستحالة العودة إلى الكتابة، والحاجة إلى المال لتغطية نفقات الدراسة لإبنه بالتبني، كانت قد أضرّت بصحته، وزادت من كآبته.
 
قبل سنوات ثلاث كان خوان غويتيسولو بالكاد يملك ما يوفر لقمة العيش له. وكان من المستحيل عليه تغطية تكاليف الدراسات المتعلقة بثلاثة من أولاده بالتبني، الأمر الذي كان السبب في تعلقه بالحياة. لم يكن بمقدوره توفير ما يؤمن مستقبلهم، لذلك كتب في أبريل/ نيسان 2014 وثيقة قال فيها "أن قرار اللجوء إلى القتل الرحيم ووضع حدّ لحياتي يعود لأسبابٍ أخلاقية وشخصية. أن فقدان الرغبة في الكتابة، يعني أنني قلت ما كان عليّ أن أقوله. إضافة إلى ذلك، لم يعد جسمي قادراً على التحمل. وفي كل يوم يزداد تدهوراً، وقبل أن يؤثر ذلك على قدراتي، أفضل أن أسبق نهايتي، وأودع الحياة بكرامة". ويستطرد "والسبب الآخر لإختياري القتل الرحيم هو ضمان مستقبل الأولاد الثلاثة، الذين توليت أمرهم. ويبدو لي أنه من غير اللائق إهدار المال المحدود الذي لديّ، والذي أخذ ينقص في كل يوم، بسبب تكاليف العلاج الطبي الباهظة، بدلاً من تخصيصه لإكمال دراستهم. لكل هذه الأسباب، أختار بحرية القرار الأكثر عدالة بالنسبة لي، وأحترم حياة الآخرين".
 
"قبيلة" غويتيسولو
كان غويتيسولو يكتب بخط اليد، وكذا بالنسبة للتوقيع على الوثائق. وكان ينقلها إلى الآلة الطابعة الشخص الذي إعتاد على نسخ نصوصه، رافائيل فيرنانديز، الأستاذ في معهد سيرفانتس بمراكش، الذي توفي في ذات العام بسبب مرض السرطان. كان غويتيسولو شديد الإهتمام بتعليم أولاده بالتبني، وهم: رضا، الذي يبلغ اليوم 23 عاماً، ويونس 23 عاماً أيضاً، وخالد 18 عاماً. ورضا هو إبن صديقه عبد الهادي، وأما يونس وخالد فهما أبناء عبد الحق، شقيق عبد الهادي. جميعهم، بالإضافة إلى زوجة عبد الحق كانوا يعيشون مع غويتيسولو في نزلٍ  قديم كان إشتراه في 1977. وإعتاد الكاتب أن يطلق عليهم "قبيلة"، وهذه القبيلة هي إعتنت به حتى النهاية.

مكافأة مالية
وإبتداءاً من 2004 واجه غويتيسولو صعوباتٍ مالية. وكان مدير معهد سيرفانتس حينها، سيزار أنتونيو مولينا، قد أعدّ له جولات ثقافية للمشاركة في المؤتمرات وإلقاء المحاضرات خلال الدورات الصيفية. وأما صحيفة "الباييس" الإسبانية فقد كانت خصصت مبلغاً قدره 250 يورو، مكافأة لكل مقالة كان يكتبها غويتيسولو، حيث كان يتقاضى شهرياً 3.000 يورو. وإستمرت الصحيفة بدفع المبلغ الشهري حتى آخر لحظة من حياة الكاتب، وإن لم يكن يكتب. وفي إشارة من أحد المقربين إليه قال "بعد خصم الضرائب ، كان يحصل على 2.200 يورو، التي كان لا بد منها لسد بعض النفقات". وإرتأت المصادر الواردة هنا، في هذه المقالة، أن تبقى مجهولة، دون ذكر أسمائها أو ألقابها.
 
القتل الرحيم
في العام 2014 شعر غويتيسولو أن جسده لم يعد قادرا على التحمل المزيد. وكان حينها يبلغ من العمر 83 عاماً، لكن الأسوأ كان في إنتظاره في الأيام اللاحقة. وبعد مرور سبعة أشهر على كتابة وثيقة القتل الرحيم، في نوفمبر/ تشرين الثاني من 2014، أُعلن عن منح جائزة سيرفانتس، الأكثر أهمية في اللغة الإسبانية، والبالغة قيمتها 125.000 يورو. غير أن المشكلة كانت تكمن في أن غويتيسولو عارض هذه الجائزة في مناسباتٍ عدة. ففي يناير/ كانون الثاني من 2001، وإثر إعلان فوز فرنسيسكو أومبرال بالجائزة، نشر غويتيسولو مقالاً في صحيفة "الباييس" إنتقد فيه "تدهور الحياة الأدبية الإسبانية" وهيمنة المحسوبية القذرة والقبلية".
 
قبول جائزة على مضض
في نهاية المطاف، وافق غويتيسولو، وعلى مضض، على منحه الجائزة، السبب الآخر الذي دفعه للإكتئاب. لأنه لم يكن قادراً على الإستمرار في الكتابة، ومدركاً أنه ناقض أقواله بقبول الجائزة. غير أنه الآن وبعد الحصول على المال للأولاد، لم يعد يرى معنىً للإستمرار في الحياة. وفي عشية يوم 23 من نيسان/ أبريل، تأريخ منحه الجائزة في "الكالا دي إيناريس"، إتصل بصديق في مدريد كي يعينه على شراء بدلة جديدة، إذ لم يكن يملك سوى ربطة عنق لم تكن تتناسب مع القميص حسب قوله. وعندما وصل الصديق إلى الفندق، أخبره غويتيسولو أنه ليست لديه الرغبة ولا القدرة على الخروج إلى الشارع. كانت أسرته ترغب في إلتقاط صورة مع الملك والملكة. لكن، ولأنه كان فاقداً تركيزه تماماً، لم ينس  أن يلتقط الصور فقط، بل وبعد إختتام حفل تسليم الجائزة نسي أن يرحب بملك وملكة إسبانيا في خطابه.
 
كسر في عظم الفخذ
يتذكر أحد الأصدقاء المقربين من الكاتب الراحل أنه "لم يقل يوما أنه وافق على الجائزة بسبب المال". في العام 2016، دعى أحد الأشخاص، من الذين كانوا على علم بإصابته بالكآبة، غويتيسولو لقضاء بضعة أيام في باريس. وقام الكاتب بتسليمه وثيقة القتل الرحيم. وبعد قراءتها، قال الشخص لمؤلف كتاب "إسبانيا في مواجهة التأريخ" المترجم إلى العربية "كصديق أطلب منك عدم القيام بذلك. لأن هؤلاء الأولاد، وبغض النظر عن المال، لهم الحق في أن تكون إلى جانبهم. أن الأمر لا يتعلق فقط بدفع نفقات دراستهم. وإستناداً إلى ذلك، إذا كنت ترغب في المضي قدماً، لنذهب إذن إلى كاتب العدل، ونترك كل شئ لمن يأتي بعدك".
غير أن غويتيسولو لم يذهب إلى كاتب العدل. إذ في تلك الليلة نفسها، في مطلع آذار/ مارس إتصلت به كارول، إبنة زوجته مونيكا لانج، وهي كاتبة توفيت في 1996. كانت كارول تبلغ 56 عاماً، إنفصلت عن زوجها وطلبت بعض المال من الكاتب. ردّ خوان غويتيسولو، الذي كان قد ساعدها في مناسباتٍ سابقة، أنه لا يستطيع تلبية طلبها لأنه لا يملك المال. ومع ذلك، إتفقا على العشاء في اليوم التالي.
لكن في ذلك اليوم، وعند الظهيرة، تلقّى غويتيسولو نبأ يقول أن كارول قد إنتحرت. يتذكر صديقه "كنت برفقته في تلك الليلة. كان وضعه رهيباً. غويتيسولو بدا إنساناً آخر تماماً، كما لو إزداد عمره 100 عاماً. وكان بالكاد يتحرك. وفي اليوم التالي قرر العودة إلى مراكش، دون إنتظار مراسم دفن كارول. وقد شعرت أسرة المرأة المتوفية بالإهانة بسبب عدم إنتظاره حتى نهاية مراسم دفنها. إلاّ أن خوان كان في الواقع منهاراً".
عاد صاحب كتاب "خوان بل أرض" إلى مراكش. بعد ثلاثة أسابيع، وخلال عيد الفصح عام 2016، سقط من على درجات سلم كافتيريا  في ساحة جامع الفنا، التي إعتاد على إرتيادها عصر كل يوم، وأصيب بكسرٍ في عظم الفخذ، وإضطر لدخول المستشفى رغم أن وثيقة التأمين الصحي التي بحوزته كانت صالحة فقط في مستشفى برشلونة.
 
أقرب إلى الميت
ولما كانت كل جهوده منصبّة على أن ينفق الحد الأدنى من المال على نفسه، وترك الباقي لأبنائه، أصرّ غويتيسولو على مغادرة المستشفى بعد يومين. لكن الأطباء كانوا يرفضون طلبه، كونه يعاني من ضعف في الجهاز التنفسي والإلتهاب الوريدي. وإضافة إلى ذلك، كان الكاتب يعاني من آلام شديدة بسبب الكسر في عظم الفخذ. ومع ذلك، غادر غويتيسولو ذلك المركز الطبي. في الليلة ذاتها، وفي مكان إقامته، بدا وكأنه على حافة الموت. ومن ثم أُدخل المستشفى من جديد، بعد قيام كلٍ من السفير الإسباني ريكاردو دييز – أوجليتنر في الرباط، والقنصل الفخري في مراكش خديجة الجباسي بالتدخل من أجل إعادته إلى هناك، من دون دفع التأمين الصحي. أن أؤلئك الذين رأوه تلك الليلة وهو يخرج من منزله في نقالة أكدوا أنه كان أقرب إلى الميت.
 
جلطة دماغية
لم يتحمل غويتيسولو المكوث سوى ثلاثة أيام في المستشفى. ومع ذلك، تمّ إقناعه لأن يخضع للعلاج من أمراضه مستخدماً التأمين الصحي في إسبانيا. وصل الكاتب إلى برشلونة في نيسان/ أبريل عام 2016، ومكث شهراً في مستشفى برشلونة ومركز إعادة التأهيل. وتناوب في رعايته خلال الفترة التي أمضاها هناك العديد من الأصدقاء، وأفراد أسرته الإسبانية، وأيضاً خوليا، إبنة شقيقه وملهمة قصيدة "كلمات من أجل خوليا" لخوسيه أغوستين غويتيسولو، وموظفي الوكالة الأدبية "كارمن بارسيلس". ومع ذلك كله، كان يرغب العودة إلى مراكش. 
وأمضى غويتيسولو عدة أشهر يتنقل بشكلٍ محدود. وفي 18 مارس/ آذار عام 2017، أصيب بجلطة دماغية. وأُدخل في الحال العيادة الدولية في مراكش. وتروي خديجة الجباسي، القنصل الفخري في مراكش "قال لي الأطباء هناك إحتمال أن يتوفى في الفجر. ومع ذلك، في الصباح كان قد إستعاد وعيه، وطلب مني التحدث إلى صديقه خوسيه ماريا ريداو". وخلال إتصالٍ هاتفي من باريس، لاحظ الكاتب والدبلوماسي أن غويتيسولو بدا قليل التركيز في ذلك الصباح "روى لي الظروف السيئة التي مرّ بها. كان يتحدث بصعوبة بعض الشئ، لكن بكل ثبات".

مأساة سيرفانتس
مرة أخرى، قرر غويتيسولو المغادرة. بعد ثلاثة أيام خرج من المستشفى، مخالفاً تعليمات جميع الأطباء. وبعد يومين من وصوله المنزل فقد غويتيسولو القدرة على الكلام، وفي اليوم الرابع،  لم يعد قادراً على الحركة. وفي فجر يوم الأحد، الرابع من حزيران/ يونيو الحالي، غيّب الموت الكاتب الإسباني. يوضح رفيقه عبد الهادي في حديث مع صحيفة "الباييس"، بعد ساعات على وفاته قائلاً " كان غويتيسولو يعاني في الفترة الأخيرة من صعوباتٍ في التنفس. وقد توفي بهدوء في سريره".
تلك كانت المأساة التي يحملها الرجل الذي كان يرتاد ربطة عنق خضراء، حيث يقال أنها كانت ربطة العنق الوحيدة التي كان يملكها، الرجل الذي تساءل، خلال محاضرة له في 23 نيسان/ أبريل من عام 2015 "كم قارئ لدون كيشوت كان يدرك المعاناة والبؤس الذي عانى منه سرفانتيس، وطلبه المرفوض للهجرة إلى أمريكا، وأعماله التجارية الفاشلة، ومكوثه في سجن إشبيلية جرّاء الديون، ومحل سكناه المزري في حي راسترو دي فايادوليد (بلد الوليد) برفقة زوجته وإبنته وشقيقته، وإبنة شقيقه في 1965، العام الذي نشر فيه الجزء الأول من روايته الذائعة الصيت؟".
في نهاية المطاف، إستطاع غويتيسولو أن يصلح، على الأقل، الظلم الإجتماعي الذي وقع على كاهل جميع أفراد وأجداد قبيلته، المحكوم عليهم بالفقر والأمية. اليوم، يكون خالد قد أكمل دورة دراسية مهنية، ورضا يدرس السينما في مراكش، وأما يونس فقد إنتهى هذا الشهر من دراسة الهندسة في فرنسا.        
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات