GMT 13:16 2017 الأحد 25 يونيو GMT 20:04 2017 الأحد 25 يونيو  :آخر تحديث
في قراءته لـ"مسألة الآخر في الفكر الإسلامي" :

محمد الناصري: تعزيز الوعي بثقافة السلام كفيل بتحقيق السلام والأمن

محمد الحمامصي
تأتي هذه الدراسة للمفكر المغربي د.محمد الناصري "مسألة الآخر في الفكر الإسلامي.. نحو تجاوز لإشكال النسخ في فقهنا الموروث" لتلقى الضوء بحثا وتحليلا على موقف المسلمين من الآخر المخالف دينيًّا والنقيض عقيديًا، هذه القضية بدأت التي بدأت تتفاقم ويصبح لها مردودات فعل مأساوية، حيث نرى تصاعد أشكال التطرف وأعمال العنف والإرهاب ضد الآخر؛ وهي أعمال تستند إلى تراث فقهي، تحكمت في صناعته وبروزه عوامل تاريخية. وفي هذه الظروف، بات من الواجب على المشتغلين بالفكر أن يدرسوا المتغيرات التي تعرفها مجتمعاتنا العربية والإسلامية؛ من أجل فهم طبيعة التحولات العميقة التي تكاد تعصف بوجود هذه المجتمعات، ومحاولة وضع تصور في معالجة هذه المتغيرات ذات التأثير القوي على مستقبل مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
ويرى الناصري أن عالمنا المعاصر يحظى بتطور، وثروة غير مسبوقة، يستحيل تخيل ذلك منذ قرن أو قرنين؛ إذ شهد العالم في العقود الأخيرة تحولات مهمة على النطاق الاقتصادي، وعلى مستوى التنظيم السياسي، وعلى صعيد التطور العلمي الذي حقق نتائج باهرة ماديا أفادت الإنسانية، وحلت معضلات بشرية كانت إلى عهد قريب من قبيل المستحيلات. كذلك أصبحت المجتمعات وأقطارها المختلفة في ضوء أكثر تقاربا مما كانت، ولم يقتصر هذا كله على مجالات الاقتصاد والاتصال، بل أيضًا الأفكار والمثل العليا في تفاعلها. ومع هذا كله نعيش في عالم يعاني مظاهر قاسية من الحرمان والقهر، وظهرت أزمات أيض كثيرة؛ وهي أزمات عالمية بقدر ما هي شاملة؛ إذ تضرب في غير مكان وعلى غير صعيد من صعد العمل الحضاري والنشاط البشري. وأصبح من تكرار القول الكلام عن المأزق الوجودي الراهن كما تشير إليه عناوين المؤلفات والمقالات التي تتناول الوضع البشري، مثل: الصدمة، الرعب، النهاية، السقوط، الانحلال، العدمية.. إلخ، إلى أن أصبح عنوان "العالم في أزمة" من أكثر العناوينً شيوعا وتداولا.
ويوضح إذا تمعنا جليا في كل ما يشهده كوكب الأرض من تصادم وحروب ومجاعات وأزمات وكوارث، فإننا نجد أن كل الاحتمالات المطروحة أمامنا لا تنذر إلا بخطورة الوضع. والبشرية مهددة بأكملها إذا لم تستدرك، وبسرعة، المخاطر التي تتهددها. إن وجه الخطورة الذي نتحدث عنه يتمثل في المشكلات الآتية:
ـ تفشي النزاعات الدولية، وصولا إلى الحروب الداخلية والإقليمية التي تجتاح العالم. وقد عجزت منظمة الأمم المتحدة عن إيجاد حلول لكثير من النزاعات القائمة؛ نتيجة قصورها الذاتي، وهيمنة بعض الدول على سياساتها.
ـ تهديد البيئة الطبيعية بالتلوث والتصحر وارتفاع درجة الحرارة، فضلا عن تآكل الموارد ًوالثروات الطبيعية وسط حمى التنافس المادي المفرط بين القوى الدولية.
ـ تدهور القيم الروحية والإنسانية إلى درجة مخيفة، ومن أبرز مظاهرها الاعتداءات الصارخة على حقوق الإنسان الفردية والجماعية في أكثر من منطقة في العالم. وتبدو كل الجهود التي تبذلها منظمة الأمم المتحدة غير ذي جدوى في إيجاد حلول ناجعة لوقف هذه الاعتداءات وفق مبادئ العدل والمساواة، لتتفشى الكراهية وجميع أنواع التهديد للسلم والأمن العالميين.
ويعتقد الناصري في دراسته الصادرة عن وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية العدد رقم 38 من سلسلة "مراصد" المتخصصة في علم الاجتماع الديني والاجتماع السياسي، أن تعزيز الوعي بثقافة السلام كفيل بتحقيق السلام والأمن والعدالة والتعاون الإنساني، وأن لا غنى عن تعزيز ذلك من منطلق التأكيد على المشتركات القيمية التي تجمع بين مكونات المجتمع الإنساني على اختلاف أديانهم وثقافاتهم، باعتبارها إستراتيجية كفيلة بأن توحد بين الناس، وأن تدفعهم نحو التفكير في حلول جماعية لتجاوز أزمات واقعهم في الحاضر والمستقبل. ولدينا ولحضارتنا وأمتنا أدوار كبرى في هذه المجالات التي تؤهلنا لها منظومتنا الأخلاقية وأعراقنا الحضارية التي يتضمنها ديننا. وما على المسلمين سوى الشراكة مع العالم والإسهام في تفعيل إستراتيجية المشتركات القيمية، فالأصل أن كل ما هو إنساني فهو إسلامي، والرحابة كل الرحابة إنما تأتي من الشراكة مع مختلف مكونات المجتمع الإنساني حول تلك القيم والإسهام في صياغتها وتفعيلها، وهو ما ينقذ دار الإسلام من التشدد غير المسوغ، والتنازل غير المقبول في الوقت نفسه.
ويشير إلى أنه بالنظر إلى أزمات الواقع العربي والإسلامي، وإخفاقاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى التحامل الغربي على الإسلام والمسلمين؛ فقد تلقف الكثير من منظري الحركات الإسلامية السياسية المتشددة العديد من تلك التصورات، فعملوا على استثمارها في تكفير المجتمع، وتكفير الحكام، وتكفير المحكومين لأنهم رضوا بهم، وتكفير العلماء، لأنهم لم يكفِّروا الحكام؛ إعمالاً لفكرة أن من لم يكفِّر الكافر فهو كافر، وتكفير كل من عرضوا عليه دعوتهم فلم يقبلها.
ويقول "اكتسبت الحركات الإسلامية الراديكالية التي اعتمدت في تصوراتها وأعمالها على الأحكام التراثية؛ صفة المشروعية للكثير من عمليات العنف التي يتم تنفيذها، سواء على المستوى الداخلي (العربي والإسلامي) أو على المستوى الخارجي؛ إذ تستند تلك التنظيمات إلى تلك المقولات في تبرير أعمالها الإرهابية".
ويؤكد الناصري أن أصل علاقة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم والدول التي لا تدين بالإسلام؛ هي السلم لا الحرب، وهي مبادئ قرآنية حاكمة وضابطة لفلسفة السلام في الإسلام، وموجهة لمسار علاقة المسلمين بغيرهم نحو إقامة السلام والتعايش السلمي، وتحقيق التفاعل الإيجابي مع الآخر المخالف دينيًّا وعقيديا.
ويلفت إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحض على المواجهة بين المسلمين وغيرهم، وإعمال السيف في مواجهتهم مثل قوله تعالى: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد". وهنا تكمن الإشكالية، كيف يستقيم القول بسلمية العلاقة بين المسلمين وغيرهم مع وجود هذه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة الداعية إلى المواجهة وإعمال السيف؟ وقد عالج كثير من الفقهاء والمفسرين هذه الإشكالية من خلال مقولة النسخ، التي أثبتت التعارض بين هذه الآيات، ومبادئ قرآنية تعتبر أصل العلاقة بين المسلمين وغيرهم هي السلم لا الحرب، وذلك من خلال قولهم بآية السيف. والقول بآية السيف حدا بالقائلين بها إلى اعتبار الحرب أصل العلاقة مع المخالف دينيًّا وعقيديا، وأن الكفر في ذاته سبب لمقاتلة أهله. واعتبروا الكفر مُبيحًا لقتل الكافر. ومن ثم، فأهل الشرك والكفر مخيرون بين خيارين لا ثالث لهما: الإسلام أو السيف (القتال)، وأما أهل الكتاب - ومعهم المجوس- فإنهم مخيرون بين ثلاثة خيارات: الإسلام أو الجزية أو القتال. بمعنى آخر، وحسب رأي أصحاب هذا الاتجاه؛ فإن المشركين في حال بلوغ دعوة الإسلام إليهم فامتنعوا عنها، تعين قتالهم حتى يكون ذلك إما سببًا في هلاكهم أو في دخولهم الإسلام.
ويرى الناصري أن هذا التصور يثير إشكالات كثيرة وخطيرة، حيث إن القول بالنسخ إخلال بإطلاقية القرآن وإحكامه وحسن تفصيله، كما أن القول بالنسخ إقرار باختلاف القرآن وتناقض آياته، وهو المحال في حقه لقوله تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا". إن القول بآية السيف يعطل العمل بآيات قرآنية هي من القواعد الكلية والمبادئ العامة في الدين الإسلامي، من ذلك قوله تعالى: "لا إكراه في الدين".
ويتتبع سياق ورود آيات القتال في سورة التوبة، بما فيها آية السيف، حيث يتبين أنه لا توجد أية آية في القرآن تشير إلى أن القتال في الإسلام ابتدائي، وأنه شُرع لحمل الناس على الإسلام بإخراجهم من الكفر. بل إن آيات القتال في القرآن جميعها تؤكد أن القتال شُرع لرفع الظلم، وصد العدوان، والدفاع عن الأرض والنفس، وإنقاذ المستضعفين، ونشر السلم والسلام. إن تتبع دلالات آيات القتال الواردة في سورة التوبة بما فيها آية السيف، يتبين أنه لا تعارض حاصلاً بينها، وبين الآيات القرآنية الداعية إلى السلم والموادعة والمهادنة والصفح والتسامح مع الآخر المخالف دينيًّا والاعتراف به وبحقه في الاختلاف. وإنما لآيات القتال مقاصد سامية لا علاقة لها بالحرب الابتدائية. وبانتفاء التعارض بين آيات القتال والآيات التي اُدُّعي نسخها بها، يتم إبطال أهم شرط من شروط النسخ، ألا وهو التعارض. إذ اشترط القائلون بالنسخ لوقوعه شروطًا أهمها: أنه لا بد في تحقيق النسخ من ورود دليلين عن الشارع، وهما متعارضان تعارضًا حقيقيًّا، لا سبيل إلى تلافيه بإمكان الجمع بينهما على أي وجه من وجوه التأويل، وحينئذ فلا مناص من أن نعتبر أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا؛ دفعًا للتناقض في كلام الشارع الحكيم.
ويقول الناصري إن دعوى النسخ بآية السيف لا تستند على دليل واحد قطعي الدلالة، مما يجعلنا نقرر أن آيات القرآن الكريم وسنة رسول الله. تؤكد أن السلم هو الأصل في العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية؛ فهو إن شئت فقل "الحالة العادية" لهذه العلاقات، وأن الحرب لا تعدو أن تكون "حالة استثنائية" على هذا الأصل العام، لا يصار إليها إلا لأسباب تقتضيها، ودواعٍ تحتمها، وكلها أسباب ودواعٍ لا تنطوي على ما يفيد أو يجيز مقاتلة "غير المسلمين" لمجرد بقائهم على غير ديانة الإسلام..
ويرى : ونعتقد أن اعتناء المسلمين ينبغي ألا ينحصر في خطب تبرئة الذمم أو البحث عن مسوغات للأعمال الإرهابية؛ وإنما الأمر يتعلق بضرورة تدشين مراجعات ذات منطلقات منهجية معرفية شاملة لتراثنا؛ لرصد سائر تلك الأفكار السامة والمريضة، وتمييزها عن السليم الصحيح من تراثنا، لئلا تستمر تلك الأفكار السامة في الفتك بالسليم الصحيح من تراثنا وتستمر حالة التردي، فذلك هو الذي سيعين الأمة - ولو بعد حين - على تجاوز الحالة الراهنة، والخروج من أزمتها الفكرية ا يفهم مراد كتاب الله وسنة ً متألقًالموروثة والمعاصرة، وإعادة تشكيل العقل المسلم بحيث يعود عقلا رسول الله. وحين تتم العودة إلى مرجعية الوحي قرآنا وسنة يستطيع العقل المسلم اكتشاف خصائص الإسلام؛ خصائص العالمية والخيرية والوسطية والشهادة، ويكيف فكره وفقهه ويصوغه بمقتضياتها مما يسهم في إخراج الأمة الوسط، المخرجة للناس عامة.
يذكر أن د.محمد الناصري باحث مغربي، أستاذ الفكر الإسلامي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة السلطان مولاي سليمان، بني ملال. باحث بمجلة الإحياء، الرابطة المحمدية للعلماء، الرباط، المغرب. من مؤلفاته: الاجتهاد والتجديد: دراسات مهداة للمفكر رضوان السيد، (مع مجموعة من المؤلفين)، مجلة الإحياء، العلاقة مع الآخر في ضوء الأخلاق القرآنية، ثقافة السلام بين التأصيل والتحصيل.

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات