GMT 16:06 2017 الأحد 25 يونيو GMT 13:28 2017 الأحد 25 يونيو  :آخر تحديث

صامويل بيكت :بلاغة الصمت وثراء البلاغة

حسونة المصباحي
 
مضى صامويل بيكت في الصّمت مثلما كان حاله طوال حياته.وهدأت روحه وهو في حالة من الوهن تشبه تلك التي عليها شخصيّاته المحطّمة في مسرحيّاته،وفي رواياته.وعندما فاضت روحه ،وكان ذلك في خريف عام 1989،فتح الألمان بوّابة "براندنبورغ"،وأسقطوا الجدار الفاصل بينهم منذ نهاية الحرب الكونية الثانية،وأطاح الرومانيّون بنظام تشاوسيسكو،ورفعت جماهير براغ الى كرسيّ السلطة الكاتب المنشق فاتلسلاف هافل الذي كان قد اهداه مسرحيّته "فواجع" عندما كان هذا الأخير في سجون النظام الشيوعي.وهكذا توارى صاحب "في إنتظار غودو "عن الأنظارمن دون ضجيج.غير أن تلك الأحداث الكبيرة التي هزّت العالم عشيّة رحيله ما كانت لتبهره لو كان لا يزال على قيد الحياة. فقد أدرك بيكت مبكرا، وتحديدا منذ أن ارتبط بعلاقة صداقة وثيقة بالإيرلندي الآخر جيمس جويس، أن الإنسانيّة محكوم عليها بأن تمرّ من شقاء الى شقاء، ومن محنة الى أخرى. والثابت أن بيكت وجويس هما من أكثر كتاب القرن العشرين نفورا من الايديولوجيّات بجميع أصنافها،وأوهامها. وعندما كان المثقفون الأوربيون يتدافعون بالمناكب للحصول على شهادات إعتراف من الأحزاب الشيوعية كان جويس منشغلا بإنهاء روايته الأخيرة"يقظة فينيغن" التي كان يسميها "كتاب الليل".أما بيكت فقد كان يجوب أوروبا بحثا عن معنى لوجوده.وثمة جانب آخر يجمع بين الايرلنديين الكبيرين.فقد اختار كلّ واحد منهما العيش في المنفى .غير أن الابتعاد عن الوطن لم يكن هروبا، وإنما رغبة في إقامة مسافة مع واقع كان يشغلهما طوال الوقت. وقد كان جيمس جويس يقول:”شعرت منذ البداية أني إذا ما بقيت في ايرلندا، فإني سوف أتعفّن. لذا فضّلت أن أبتعد. فإذا ما تعفّنت، فليكن ذلك بحسب طريقتي الخاصة".أما بيكت فقد كان يقول:”أنا لا أهراب وانما أنفي نفسي".
ولد صامويل بيكت في الثالث عشر من شهر أبريل-نيسان عام 1906 في "فوكس روك"، وهي الضاحية الجنوبية للعاصمة دبلن.وهو ينتمي الى عائلة بروستانتينية مرفّهة.وعندما كان صبيّا كان والده المدعو ويليام يأخذه صحبة اخوته الآخرين في جولات على المرتفعات المطلة على دبلن.وفي ما بعد سيصف ذلك قائلا:”هي بالأحرى هضاب، وهي ترتفع بهدوء زوقاء خارج السهل الملتبس. هناك، في مكان ما، ولد في البيت الجميل من أب ومن ام طيبيّ القلب. هناك في الأعلى، الخلنج، والرّتم ذو الزهر الذهبي الحار، والذي نسميه أيضا الوزال".وكان بيكت مُتعلقا بوالدته، ومرتبطا بها إرتباطا وثيقا. في الآن نفسه كان بشعر تجاهها بنوع من الكراهية. والبعض من الذين كتبوا سيرته، ذكروا أنه -أي بيكت- قرر الاستقرار في فرنسا، والكتابة بلغتها هروبا منها. وكانت هذه الأم شديدة التقوى. ولبيكت وإخوته كانت تنشد الأناشيد الدينية أكثر من مرة في الأسبوع.ومتذكرا ذلك كتب بيكت في ما بعد يقول:”ليس لديّ شعور دينيّ.فقط ذات مرة غمرني احساس ديني. وكان ذلك خلال أول قداس حضرته.فقط لاغير. وكانت والدتي شديدة التديّن.أما والدي فلم يكن متديّنا على الاطلاق.وكانت عائلتي بروستانتينية.أما بالنسبة لي أنا فلم يكن ذلك غير الضجر والسأم .لذا ابتعدت عنه نهائيا". ومنذ البداية، أظهر بيكت الذي كان تلميذا مجدّا ميلا خاصّا الى اللغة الفرنسيّة.كما كان يمارس بحماس فيّاض الألعاب الرياضيّة. وعندما التحق ب"ترينيتي كوليدج"، وهو نفس المعهد الذي درَسَ فيه جويس، ازداد غراما باللغة الفرنسية، وبها قرأمارسيل بروست، وأندريه جيد، وفاليري لاربو.كما اطلع بعمق على آثار الكلاسيكيين الكبار من أمثال راسين، وموليير، ودانتي، وشوبنهاورالذي سيتأثر به في رؤيته الفلسفية.وخلال العطل الصيفية، كان بيكت يقوم بجولات في فرنسا،وفي ألمانيا،وايطاليا. وخلالها كان يزور المتاحف الفنية. وقد عاش أول علاقة حب مع إبنة عمه "بيجي سنكلير"التي ماتت شابة بمرض السلّ.أما علاقة الحب الثانية فقد عاشها مع فتاة تدعى أنا ماكرتي التي كان قد التقى بها في "ترينيتي كوليدج".وقد ظلّ متعلقا بها سنوات طويلة.بل أنه كان دائم الحديث عنها،وعن جمالها حتى في سنوات شيخوخته. وخلال الفترة التي كان فيها يسافر عبر اوروبا مُتشمّما روائح المدن، ومُنصتا إلى أجراس اللغات،واللهجات، عاش بيكت تجارب مريرة، ومرّ بأزمات نفسيّة حادّة،و عرف الخصاصة والجوع ،والتشردَ. والذين كانوا عل علاقة به كانوا يعلمون أنه موهوب، بل عبقري. إلاّأنه كان من الصعب عليهم أن يستشفّوا الطريفة التي سوف يبرز بها موهبته وعبقريته .ثم جاء ذاك العام، عام "الضّيق الشديد، والانهيار الروحي". وكان بيكت الذي كان قد قرر الاستقرار في فرنسا، قد عاد الى دبلن لزيارة امه المريضة لما حدثت"الرؤيا".وكان ذلك في ليلة لا تنسى من ليالي مارس-آذار. فقد خرج بيكت يتجوّل على الشاطئ. وكانت العاصفة شديدة ، والأمواج عاتية، والبروق تخترق السماء بين لحظة وأخرى. وفي لحظة ما، وَمَضت شرارة تلك العبقريّة الفذّة التي كانت نائمة تحت ركام من الأزمات النفسية، والأوجاع الروحيّة.عندئذ فقط أدرك بيكت لأول مرة في حياته المعنى الجوهري للكتابة، وتيقن أن تلك العتمة التي كانت تفزعه عند إشتداد ألأزمات هي في الحقيقة "الحليف الأكثر قوة وجدارة بالتقدير".
عقب تلك "الرؤيا"، شرع بيكت في كتابة أعماله الكبيرة التي حققت له شهرة عالمية واسعة. وبعد المنفى الاختياري، قرّر بيكت أن يتخلص أيضا من الإرث اللغوي، ومن تراث الأجداد. وهكذا شرع يكتب بالفرنسية "بحثا عن المزيد من الفقر في مجال اللغة" بحسب تعبيره، مُبتعدا عن التزويق البلاغي. ويبدو ذلك واضحا في جلّ أعماله مثل"مالون يموت"،و"مولوا". وفي الروايتين المذكورتين تبدو الشخصيات وكأنها تذبل وتتعفن داخل واقع متعفن بدوره.”يقظتي كانت نوعا من النوم" يقول مولوا..ويقول مالون:”عشت كما لو أنني في غيبوبة"..وفي رواية "المقزّز"،تقول الشخصية الرئيسيّة فيها:”لنكمل كما لو أنني الوحيد في العالم في حين أني الوحيد الغائب". وفي أعمال أخرى نحن نجد انفسنا امام عالم مقفر تماما.عالم فيه ينصت الصمت الى الصمت.وعكس الكتاب الآخرين الذين يحاولون"ملء الفراغ وتدميره"،دأب بيكت حتى النهاية على تفريغ الواقع وابرازه مُقفرا تماما. وربما لهذا السبب ظلت أعماله تتضاءل شيئا فشيئا لتصبح في السنوات الأخيرة من حياته لا تتجاوز بضع صفحات من الحجم المتوسط. وفي النهاية تحوّل كلّ شيء الى غمغمة يائسة في فراغ الوجود ،ولم يعد للكلام معنى في عالم يتميّز بالصخب والعنف.وهكذا كان بيكت الكاتب الوحيد في القرن العشرين الذي كان بليغا في صمته،وثريّا في عزلته 
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات