GMT 14:08 2017 الجمعة 30 يونيو GMT 14:34 2017 الجمعة 30 يونيو  :آخر تحديث

الطليعة" التونسية... الصعود والإندثار

حسونة المصباحي
 
 
نحن في أواسط الستينات من القرن الماضي. عشر سنوات كانت قد مرت على حصول تونس على استقلالها عام 1956.خلالها عرفت البلاد أحداثا سياسية كبيرة مثل حرب بنزرت، واغتيال الزعيم صالح بن يوسف في صيف عام ، والمؤامرة للاطاحة بالنظام الجمهوري عام 1962، ومؤتمر الحزب الحاكم ببنزرت عام 1964, وقد صادق هذا المؤتمر على سياسة التعاضد» الاشتراكية التي كان لها وقع كبير على الوضع العام في البلاد. ونظرا للتتابع السريع للأحداث المذكورة، كان من الطبيعي أن يركن المثقفون التونسيون إلى الصمت في انتظار ما سوف يأتي به المستقبل، وما سوف تتمخض عنه تلك الفترة الموسومة بالتردد والتذبذب وانعدام الخبرة على جميع المستويات، من نتائج وتفاعلات. 
لكن فجأة ومن دون سابق إنذار، برزت للوجود حركة ثقافية سماها أصحابها منذ البداية بـ"الطليعة الأدبية". و وقدضمّت هذه الحركة قصاصين ومسرحيين وفنانين تشكيليين وشعراء. وفي البيانات التي دأبت على نشرها وتوزيعها في تلك الفترة، دعت تلك الحركة إلى نبذ القديم، وإلى التملص من الأشكال الكلاسيكية الثقيلة، مُنحازة إلى أدب «ينصت إلى نبض الواقع، ويعكس حياة المجتمع الجديد الخارج لتوه من ظلام الاستعمار والتخلف، والمتطلع إلى مستقبل أفضل يرد فيه الاعتبار للحرية والكرامة الوطنية. 
ولم يلبث جماعة الطليعة الأدبية أن وجدوا لأنفسهم منبرا هاما أتاح لأفكارهم الانتشار والتوسع. ولم يكن هذا المنبر غير الملحق الثقافي الاسبوعي لجريدة "العمل" الناطقة باسم الحزب الحاكم. وبعد ذلك، لم يتردد محمد مزالي الذي سيكون وزيرا أول للحكومة التونسية من عام 1980 إلى عام 1986 في فتح أبواب مجلة "الفكر" التي كان قد أسسها نهاية الخمسينات لجماعة الطليعة الأدبية لينشروا فيها نصوصا جريئة منتقدة للسلطة الدينية والسياسية.وقد رأس تحرير الملحق الأدبي لجريدة "لعمل" الكاتب عز الدين المدني الذي كان من أكثر المتحمسين لهذه الحركة.
وفي النصوص التي كان ينشرها في الملحق المذكور والتي سوف يصدرها في ما بعد في كتاب حمل عنوان:”الأدب التجريبي"، بدا متأثرا بالحركات الطلائعية التي عرفتها أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين مثل الدادائية و«السوريالية وتيار الرواية الجديدة في فرنسا. أما في نصوصه القصصية، فقد اهتم بالواقع التونسي الجديد، ذلك الواقع المترجرج الحائر، الممزق بين ماض لا يريد أن يرحل، ومستقبل لا يريد أن يولد. وقد أثارت العديد من هذه النصوص القصصية مثل "الانسان الصفر" الذي امتزجت فيه اللغة الفصحى باللغة المحلية الدارجة، حفيظة رجال الدين بالخصوص الشيء الذي دفع بـ مجلة "الفكر" إلى الإحجام عن مواصلة نشرها. ولم يكن عز الدين المدني ينكر التأثيرات الهامة التي أحدثتها أفكار الناقد والجامعي د.فريد غازي الذي توفي عام 1961 على توجهاته الأدبية والفنية. وكان د.فريد غازي الذي ينتسب إلى عائلة بورجوازية من العاصمة قد درس في فرنسا في الخمسينات من القرن الماضي. وفي باريس التقى باندريه بروتون وجان بول سارتر وسيمون دوبوفوار والبير كامو، وعاد إلى تونس متأثرا بما كان يروج في الأوساط الفرنسية المثقفة من أفكار أدبية وفلسفية وفنية وفكرية.وفي تونس التف حوله جمع من الشبان المتطلعين إلى ثقافة جديدة طلائعية، وراحوا يلتهمون ما كان يشير عليهم بقراءته من كتب ومجلات. وكان عز الدين المدني واحدا من هؤلاء الشبان.
ومن القصاصين الآخرين الذين تأثروا بـحركة الطليعة، وتحمسوا لأطروحاتها الفنية، يمكن أن نذكر محمود التونسي صاحب قصة "صحن تونسي بالعظمة" (العظمة هي البيضة باللغة التونسية الدارجة) التي أثارت ضجة كبيرة في الأوساط الأدبية التونسية عند نشرها في مجلة "الفكر" أواخر الستينات، كما نذكر سمير العيادي صاحب القصص التي تعتمد على المونولوج الداخلي وعلى التقنيات الفنية التي يستعملها جماعة الرواية الجديدةمثل آلان روب غرييه.وأما في الشعر، فقد ظهر تيار سمى نفسه، أو سماه البعض من النقاد بـ«في غير العمودي والحر». وقد مثل هذا التيار كل من الحبيب الزناد، والطاهر الهمامي. وفي قصائد هذين الشاعرين هناك انحياز لـ«البروليتاريا الرثة، وللفقراء والكادحين وماسحي الأحذية والمهمشين والمثقفين المتمردين على النواميس التقليدية في الحياة. وقد جاءت اللغة التي كتبت بها جل هذه القصائد متأثرة في بنيتها وصورها الشعرية ومضامينها بالشعر الشعبي التونسي.وفي حين كان الحبيب الزناد يحرص على اخفاء توجهاته السياسية والايديولوجية، كان الطاهر الهمامي يجاهر بانحيازه للماركسية، وللحركات الثورية في العالم. وقد امتد تأثير حركة الطليعة إلى فنون أخرى مثل المسرح. وهذا ما سوف نلاحظه في الأعمال التي أخرجها المنصف السويسي أواخر الستينات وأيضا في أعمال مسرحيين آخرين. ولأن حركة الطليعة كانت قد فرضت وجودها ثقافيا وأدبيا وفنيا، فإن أصحابها تمكنوا أواخر الستينات من أن يكون لهم منبر خاص بهم وحدهم. ويتمثل هذا المنبر في صدور مجلة حملت اسم "ثقافة" التي ترأس تحريرها سمير العيادي. وقد نشرت هذه المجلة قصيرة العمر (صدر منها أربعة أعداد فقط) نصوصا عكست التجارب الجديدة التي انبثقت عن حركة الطليعة سواء في القصة أم في الشعر أم في النقد أم في المسرح أم في غير ذلك ثم بدأت تبرز المصاعب والعراقيل. ففي عام 1967 وتحديدا إثر الهزيمة المرة التي منيت بها الجيوش العربية في حرب الأيام الستة، عرفت العاصمة مظاهرات عارمة قادها الطلبة اليساريون. وخلال تلك المظاهرات تم الاعتداء على سفارات بعض الدول الغربية مثل السفارة البريطانية.كما تمّ الإعتداء على المركز الثقافي الأمريكي وعلى احياء اليهود. وقد ردّ النظام بعنف على تلك المظاهرات، مُسلطا أحكاما قاسية على بعض قادة الطلبة ، وعلى العديد من المثقفين اليساريين والناصريين والبعثيين. بعدها أخذ النظام الحاكم يرتاب من حركة الطليعة، وجماعتها والمناصرين لها خصوصا بعد صدور العديد من النصوص القصصية والشعرية التي تنتقد توجهاته السياسية والايديولوجية. لذلك سارع بإبطال صدور الملحق الأدبي لجريدة "العمل"، ومجلة "ثقافة”.وأما مجلة "الفكر" التي كان يشرف عليها واحد من رموز النظام الحاكم، فقد أغلقت صفحاتها أمام جماعة الطليعة، وانقطعت نهائيا عن نشر نصوصهم. وهكذا بدأت الحركة المذكورة تلفظ أنفاسها شيئا فشيئا. ومع حلول الثمانينات لم يعد لها اثر يذكر. فقد انقطع عز الدين المدني عن كتابة القصة لينشغل بالمسرح، وفي السنوات الأخيرة وجهت له انتقادات حادة من العديد من المبدعين التونسيين بسبب جهله بالواقع الجديد في الأدب التونسي وضعف المسرحيات التي يكتبها أو يقتبسها وركاكة لغته في المقالات التي ينشرها في المنابر الاعلامية والثقافية. 
وفي عام 2005 مات محمود التونسي صاحب قصة "صحن تونسي بالعظمة" في حادث سيارة أليم وهو عائد إلى منزل تميم مسقط رأسه. وفي مطلع صيف 2007، رحل سمير العيادي عن الدنيا بسكتة قلبية بعد أن عانى طويلا من متاعب مادية ونفسية مضنية. وفي ربيع عام 2009، مات الطاهر الهمامي في مدريد عندما كان في زيارة لابنتيه اللتين تدرسان اللغة الاسبانية هناك. وأما الحبيب الزناد الذي تقاعد بعد أن درّس اللغة والآداب العربية في المعاهد الثانوية على مدى عقود طويلة فقد انقطع عن كتابة الشعر منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي ليصبح ذكرى من ماض ولُى وانتهى. 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات