GMT 7:10 2017 الأربعاء 19 يوليو GMT 5:16 2017 الأربعاء 19 يوليو  :آخر تحديث
الروائي العراقي كاظم الشويلي في

"مواسم الثلج والنار": ذكريات مزكمة برائحة الحب والحرب

أحمد فاضل
 
في سردية غير معقدة يأخذنا الروائي العراقي كاظم الشويلي في رحلة استذكار لصفحة كانت نائمة  في الذاكرة من صفحات حياته الخاصة   في  ثمانينيات القرن الماضي ، حيث شهد أحد   أغرب   الحروب وأبشعها في القرن العشرين المنصرم  بين   دولتين جارتين هما العراق وإيران ، إمتدت  هذه   الحرب لثمان سنوات لم يتوقف فيها  إطلاق  النار    لحظة واحدة فهو يعترف من خلالها أنه :
 " لم يكن لدى أغلبنا حماس للقتال ،  لأن     أغلب الجنود يشعرون أن الحرب حرام مع أي بلد  مسلم " .
هذه الحرب التي عادت تطرق ذاكرته أججها  لقاء غير متوقع مع  امرأة   تعمل  مهندسة   في    أحد المشاريع التي  يعمل  فيها  كاظم  الشويلي    بطل الرواية وهو  نفس  الاسم  الحقيقي  الذي     يحمله المؤلف ما يجعلنا نصدق  حقيقة  أحداثها  منذ  أول اتصال به من وداد التي سوف يقوم بإيصالها يوميا من  مكان عملها  حتى منطقة  سكناها  وما سيدور خلال تلك اللحظات من حوار يتطور إلى  إعجاب وحب  غير  واضح  المعالم ،  تكتنفه  الغيرة   في الفصول الأخيرة من الرواية  .
" مواسم الثلج والنار " رواية قصيرة لسيرة ذاتية أخذت من عمر مؤلفها شبابه ، لكنها منحته  القوة على الإحتفاظ بكل  تفاصيلها ، فالحب   والحرب تظهران كمبادئ  متعارضة ،   أحدهما    يفسح
المجال للإيمان بالإنسانية  ،  والآخر    يحطمها
ومع أن شخوصها لا يتعدون  الأصابع العشرة ،
كاظم المؤلف والراوي ، أم علي زوجته ،  وداد المهندسة ، عدي المهندس ،  سلمان  زميله   في الحرب ،  الملازم  مقصود وادي    ،   الملازم
مرتضى ، لكن بانورامية الرواية  تتسع    لتأخذ
حجما أكبر في أحداثها وبذات الأسلوب السردي
الواضح البسيط الذي نقتطع جزءا  منه    للدلالة
عليه :
- ضغطت  قدمي  دون وعي  مني  على   عتلة
الوقود فانطلقت السيارة كمكوك فضائي ، لم أرد
أن أسمع جواب عدي ، ألم يكفيهم  حديث  النهار
؟ ! يا ... أنا ، هل بدأت تغار على ودادك ؟ ! لم
أسمع  صوتها  هذا  النهار  ، انطلقت  بسيارتي  بشكل جنوني ،  ربما  كان  شعوري    الداخلي
يدفعني لاستفزاز المهندسة وداد ، نغمة   هاتفها
استفزت صمتنا ، يبدو   أنها   استبدلت   نغمتها
السابقة بنغمة جديدة .
الشويلي ترك كل تقنيات كتابة  الرواية  الحديثة مستعصما بتقنية واحدة هي – فطرته الحكائية –
المتأتية من طبيعته المجتمعية التي خالطها  ذلك الاعجاب  بكل ما  بني على  البساطة ، فجاءت روايته بهذا الانسياب الجميل والبسيط   ليذكرنا بالأعمال المبهرة  لغائب طعمة فرمان الذي  له   بصمة واضحة  في  القصة  والرواية  العراقية  المبنية على البساطة التي قد يكون الشويلي متأثرا  بها .
وهو يحكي للمهندسة  نادية  يتوقف عند   صفحة
مهمة  من  صفحات  تلك  الحرب  اللعينة    هي استسلامه  ورفاقه  من  الضباط  والجند   للجيش الإيراني بذات السرد الفطري الحكائي :
- وانطلقنا بخطوات هزيلة أنهكها الجوع والعطش ، وانحدرنا  من  سفح  جبل ماوت  التابع   لمدينة السليمانية  وذلك  في  الساعة  العاشرة  تقريبا من صباح يوم 21 / 6 / 1987 ، وملئت أذني  الآية
الكريمة التي كان يرددها صديقي سلمان " قل لن يصيبنا  إلا ما  كتب الله لنا هو مولانا  وعلى  الله فليتوكل المؤمنون " .
- لمحت جنديا إيرانيا متهيأ بسلاحه  وجندي آخر يحمل " ترمز " ماء والاثنان مقبلان علينا   وما
بين خوفنا من نار البنادق الطائشة وعطشنا  إلى
قطرات من ماء " الترمز" المثلج ، كنا  نجازف بحياتنا في فصول ومواسم الثلج والنار .
ترجمة تلك التجربة المرة لا يمكن اختزالها برواية قصيرة لا تتعدى صفحاتها 112 صفحة ، بل  هي تحتاج إلى صفحات كثيرة لأن اليوم الذي   يمضي على الأسير بألف يوم مما نعده ، لقد حاول الشويلي عمل  رواية  طموحة  رفيعة  المستوى    وبتسلسل مذهل مسلطا الضوء على آثار حرب  ضروس  لم يشهد  التاريخ  المعاصر مثلها  منذ  نهاية   الحرب العالمية الثانية والحرب الفيتنامية والحروب العربية مع إسرائيل ، ومع  أن  نهايتها  حملت قسوة شديدة وتجاهلا لمشاعر امرأة كان يمكن أن يكون الرحيل عنها  بغير تلك  الجفوة  التي  عاملها   كاظم    بعد
 إعلانها  له  خطوبتها  من زميلها  المهندس عدي  وهو يعلم كم هي رقيقة وحينما قال لزوجته أم علي :
- بالفعل ... سوف أنسى أن هناك امرأة كان اسمها وداد ، أشعر يا أم علي بأني انتصرت على  وداد .
فهل حقق الراوي فعلا هذا الانتصار أو كما قال :
- انتصرت على هذه الدنيا الزائفة ، ها  أنا   اشعر براحة ضميري بعد أن عدت إلى بيتي   وزوجتي وأولادي ، باعتقادي أن الوحيدة التي انتصرت في النهاية هي أم علي

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات