GMT 4:00 2017 الجمعة 21 يوليو GMT 6:00 2017 الأحد 23 يوليو  :آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

عصر انحدار القيم ... هل تستريح الديمقراطية؟

ميسون أبو الحب

تحولات مهمة شهدها العالم في العامين الأخيرين كالإرهاب الذي انتقل إلى أوروبا وتدفق اللاجئين وفوز ترمب إضافة إلى مغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي.. أحداث تنذر بأن القيم والأعراف بلغت أقصى انحداراتها وأن الديمقراطيات المكتسبة تعبت.
 
إيلاف: شهد عام 2016 أحداثًا مهمة، كان أحدها قرار بريطانيا مغادرة الإتحاد الأوروبي – بريكسيت – ثم فوز دونالد ترمب في الانتخابات الأميركية، وهما حدثان ما كان أحد ليتخيل إمكانية وقوعهما قبل تلك الفترة، وهما أيضًا الحدثان اللذان جعلا من عام 2016 "عامًا مروعًا" بالنسبة إلى التقدميين في كل مكان في العالم. 

15 باحثًا يشرحون أسباب تدهور القيم

في ظل هذه التسارعات السياسية وقضايا أخرى شهدها العامان الأخيران، ومنها هجمات إرهابية في عدد من المدن الأوروبية، ثم تدفق آلاف اللاجئين على أراضي الإتحاد الأوروبي، بادر الناشر الألماني هاينرش غيزيلبيرغر إلى جمع تحليلات ورود فعل خمسة عشر باحثًا ومفكرًا نشرها حديثًا في كتاب واحد عنونه "زمن الإنحدار".

عظمة مفقودة
يقول غيزيلبيرغر في مقدمة كتابه إنه دعا هؤلاء الباحثين والمفكرين وأساتذة الجامعة والصحافيين، وهم من دول مختلفة، رغم أن معظمهم من الغرب، لأنه أراد التنبيه بالدرجة الأساس إلى حدث مهم يشهده عصرنا الحالي، ويتمثل في انهيار القيم والأعراف التي ينبّه إلى أنها "تحققت بفضل كفاح عظيم، ولكنها تعتبر اليوم حقوقًا مكتسبة وبديهية". 

يلاحظ الكاتب أن دولًا عديدة لا تزال تحتفظ بهياكلها المعتادة، غير أن دولًا أخرى عديدة تشهد حالة انهيار هائل، يدفع مواطنيها إلى الهجرة أملًا في اكتشاف آفاق أفضل. 

ويشير إلى أن الدول الغربية تمر حاليًا بأزمات إقتصادية تجعلها تقصر في وعودها لمواطنيها على الحفاظ على الأمن وعلى الهوية الوطنية أو بالحري على "عظمة مفقودة" حسب قول الكاتب. 

عولمة مضادة وشعبوية
ويرى غيزيلبيرغر أن قائمة العلل طويلة، ثم يقترح اختصارها بتعبير واحد هو "حالة انحدار عظيمة"، وهو ما يعيدنا إلى عنوان مشابه اختاره عالم الإقتصاد الهنغاري كارل بولاني في عام 1944 ربط فيه بين تزايد عدد الدول الخاضعة للحكم الشمولي وازدهار رأسمالية طوباوية متحررة من القيود، ثم لاحظ أن الثانية هي التي مهدت الطريق لظهور الأولى، وجاءت كرد فعل عليها. 

ومنذ ثمانينات القرن الماضي، شهد العالم مجددًا نشوء حركة تحرر رأسمالية تمثلت في العولمة وفي نظام اقتصاد قائم على المديوينية. ورغم ظهور حركات عابرة اعتبارًا من تسعينات القرن الماضي سعت إلى تنظيم هذه الظاهرة ونشر الوعي الدولي بشأنها أُطلقت عليها أسماء عديدة، منها العولمة المضادة، فقد سادت المشهد العام ردود فعل يمينية، تمثلت مبدئيًا في التيارات الشعبوية. 

منعطف تاريخي
تصف التحليلات التي تضمنها هذا المؤلَف أشكالًا تقمصتها العولمة، وتطرح تساؤلات عديدة عن قضايا معقدة ومتشابكة، مثل مدى اعتماد الديمقراطيات النيوليبرالية على شروط مسبقة، لا تستطيع هي نفسها ضمانها، منها وسائل إعلام تعرض نوعًا من تعددية الآراء، ومنظمات وسيطة، مثل النقابات والأحزاب ومنظمات مجتمع مدني، يمكن لأفراد التمتع في إطارها بنوع من الاستقلال الذاتي، ثم أحزاب يسارية (حقيقية)، ونظام تعليمي صارم وغني في الوقت نفسه ... وغير ذلك. 

كما يطرح الكتاب مسألة وضع نظام سياسي يسمح بتنظيم عملية الاعتماد الدولي المتبادل، ويحاول الكتاب المشاركون جميعهم إطلاق نقاش دولي عام عن هذه الشؤون والقضايا المتشابكة والمعقدة، وهو ما يفسر نشر الكتاب في دول عدة بشكل متزامن. 

من بين المشاركين شخصيات معروفة في مجال العلوم الإجتماعية، مثل علماء الإجتماع سيغموند بومان وبرونو لاتور ووولفغانغ ستريك والفيلسوف سلافوي زيزك. ويشترك الكتاب جميعهم تقريبًا في التحدث عن منعطف تاريخي يمر به العالم اليوم. 

تعب الديمقراطية
يتحدث آرجون آبادوراي خبير العولمة وصاحب مؤلفات عديدة، منها "وضع الإنسان المتعولم"، عمّا يدعوه "تعب الديمقراطية" ويتساءل عمّا إذا كان العالم الغربي في صدد التخلي عن الديمقراطية الليبرالية واستبدالها بشعبوية تسلطية، مبينًا أن الوضع الحالي في أوروبا يشير إلى حالة من التناقض تميّز التيارات الشعبوية، وتتمثل في محاولة قادتها الاستيلاء على السلطة الوطنية في وقت تعاني فيه هذه السلطة من العجز، لاسيما في المجال الاقتصادي. 

وينبه الكاتب إلى أن الفكرة القائلة إن السيادة الاقتصادية هي أساس السيادة الوطنية مشكوك فيها، مع الإشارة إلى استمرار جدال حاد في هذا الشأن. ويرى المفكر الإقتصادي أن هذه التيارات، وبسبب عدم قدرتها على السيطرة على الإقتصاد، تسعى إلى الإعتماد على قضايا تتعلق بالهوية والقومية، ثم ينبه إلى أن القادة الشعبويين يركزون على نغمة خاصة، تعتمد على فكرة التطهير الثقافي الوطني، ويعتبرونها مرادفة لاستعادة العظمة، ويقول إن هذا لا يمنعهم على الإطلاق من العمل لمصلحة الرأسمالية النيوليبرالية، ثم ما أن يصلوا إلى السلطة حتى يبذلون كل ما في وسعهم للبقاء فيها. 

أما المواطنون فيرى الكاتب أن جزءًا من الناخبين يصوّتون لمصلحة حركات شعبوية، وهو ما يكشف عن تراجع عن الديمقراطية نفسها، ثم يفسر ذلك بأنه وسيلة للتعبير عن النفس، وشكل من أشكال الإعتراض. ويشخص آبادوراي انتشار "شعور بالملل في أماكن تنتعش فيها الديمقراطية"، وذلك بسبب السأم من عوامل متعددة، منها اجتماعية، وأخرى ثقافية واقتصادية. 

وفي خضم النقاش الدائر بشأن اللاجئين والمهاجرين، يلاحظ آبادوراي أيضًا أن أحد ملامح النجاح العالمي الذي تسجله التيارات الشعبوية اليمينية هو قدرتها على "إعادة تفسير التحديات الخاصة بالسيادة الاقتصادية وطرحها على أنها تحديات تتعلق بسيادة ثقافية أو حضارية"، وهو ما لاحظه سابقًا الأميركي توماس فرانك في كتابه "لماذا يصوّت الفقراء لمصلحة اليمين؟". 

مسؤولية اليسار
تصف نانسي فريزر التي ساهمت في هذا الكتاب، تصف هذه الظواهر بكونها "تمردات انتخابية"، وتعتبرها تعبيرًا عن رفض العولمة والنيوليبرالية والتقدمية في الوقت نفسه. 

تربط الباحثة، حالها في ذلك حال جون كلود ميشيا في كتابه "الأمبراطورية الأقل سوءًا"، بين الليبرالية الاجتماعية والليبرالية الاقتصادية، وتشير إلى ظاهرة مفادها أن "مفاهيم التقدم القائمة على الليبرالية الفردية حلت بشكل تدريجي محل التيار التحرري الذي انتعش على مدى ستينات وسبعينات القرن الماضي"، وهو ما أسهم في إضعاف الحماية الاجتماعية. 

وكان غياب يسار حقيقي هو الذي سمح بحدوث ذلك. أما الخيار المطروح اليوم بين "النيوليبرالية التقدمية" و"الشعبوية الرجعية" فلا يمثل غير خيار واحد في الواقع، باعتبار أن الأول يدعم الثاني. ويبيّن تحليل الكاتبة أن اليسار، وبسبب قصور في فهم الغضب الشرعي الذي يشعر به جزء من الناخبين، والذي يظهر في شكل بحث عن "أكباش فداء"، قد تخلى أيضًا عن توجيه هذا الغضب ضد ما تسميه "عمليات افتراس منهجية تمارسها الرأسمالية المالية". 

هيمنة الغالبية
كان أليكس دو توكفيل قد نبّه في ما مضى إلى مخاطر إنشاء ما أسماه "استبداد الغالبية" الناجم من العملية الديمقراطية. وفي أيامنا هذه، يتحدث الباحث السياسي البلغاري إيفان كراستيف عن "عودة إلى أنظمة الغالبية". أما أهم ملامح هذه العودة المثيرة للقلق في عصرنا الحالي فلا تتمثل "في ظهور أنظمة سلطوية، بل في حالة تحوّل جار حاليًا يشهده عدد من الأنظمة الديمقراطية الغربية". 

يضيف الكاتب: "اليوم، أصبحت الانتخابات تعمل على تعزيز هيمنة الغالبيات".هذا وتبدو الشعوب الأوروبية مسكونة بمخاوف من تبدد حضارتها وثقافتها، واستبدالها بأخرى، علمًا أن أحد العوامل التي تثير هذه المخاوف هي الثورة التكنولوجية، أي إن هذه الشعوب تخشى أن تحل الروبوتات محل شبابها العامل، أكثر من خوفها من استيلاء المهاجرين على فرص العمل المتوافرة. وهنا من حقنا طرح سؤال منطقي يتعلق بوجود تناقض واضح في رد فعل شعوب من المفترض أن تكون المستفيدة الأولى من العولمة ونعني بذلك الأوروبيين والأميركيين. 

الإنترنت
يعتقد كراستيف أن ظاهرة الشعبوية لا يمكن أن تقتصر على كونها خسارة سببتها العولمة، ويؤيد تحليلات للمفكر آرجون آبادوراي الذي يعتقد أن الدولة لا تسيطر بشكل كامل على الإقتصاد، ويرى أن الإنترنت يعزز الفردية، من خلال منح الفرد القدرة على اختيار المجتمعات التي يرغب في الانتماء إليها، ليعزل بذلك جماعات وأفراد غير مرغوب فيهم، وهو ما يعني بالنتيجة أن الديمقراطية التي من المفترض أن تؤدي إلى تحرير الأقليات، إنما تسهم على العكس من ذلك، في تعزيز وتأمين "سلطة الغالبيات". 
ويعتقد آباجوري أن مثل هذه الممارسات لا تسهم في تهيئة المجتمعات لتقبل المهاجرين، المفروضين منهم وغير المفروضين. 

أخيرًا، يمكننا القول إن "عصر الإنحدار" يقدم تحليلًا مهمًا ومعمقًا يساعدنا على فهم تركيبة الوضع الحالي، ولكن بعض النقاد نبّهوا إلى أن الباحثين المشاركين الذين أسهبوا في الشرح والتحليل لم يطرحوا حلولًا وافية، وهو ما يجعل هذا الكتاب يتضمن تشكيلة واسعة من المعضلات، لكنه يفتقد إلى بدائل حقيقية. ومع ذلك تعبّر كل هذه المشاركات عن أمل عميق في اتحاد أوروبي أكثر ديمقراطية يوفر حماية أكبر لشعوبه وسكانه.
 

أعدت «إيلاف» هذا التقرير بتصرف نقلًا عن «نونفيكسيون». المادة الأصلية منشورة على الرابط:

http://www.nonfiction.fr/article-8954-le_retour_de__la_grande_transformation__.htm

 


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات